ماهية الكتابة النسائية
الدراسات النقدية

 

إن البحث في المسألة النسائية داخل الزمن الماضي تعتبر عند بعض الباحثين إسقاطات،غير مشروعة لإشكالية معاصرة ،على عادات راسخة  لا تستجيب لمناقشتها.

فالتقابل الجنساني بين المذكر والمؤنث استهلك كل الأدوار التي حددت الكلمات والأشياء داخل المنظومة الاجتماعية والتي أبرزت احترام الصف الأول للأنثى داخل المنتوج التخيُّلي للذكر منذ غابر الأزمان، حيث دوَّن مخيال الفحولة تراكم النظرة الذكورية للمرأة كمحرك للإبداع والكتابة، شعرا ونثرا.

إن الكتابة النسائية كطرح تحيل بحثنا على عدة مقاربات حقيقة ما تكتبه المرأة عن الرجل بينما نجد أن ما يكتبه الرجل عن المرأة قد استهلك الكثيرمن الحبر حتى تحددت بصفة شبه نهائية ملامحه التي لاتخرج عن نسقية نصية ذكورية واضحة المعالم،"فالقول بكتابة إبداعية نسائية تمتلك هويتها وملامحها الخاصة يفضي إلى واحد من حكمين : إما كتابة ذكورية تمتلك مثل هذه الهوية وهذه الخصوصية وهو ما يردها بدورها إلى الفئوية الجنسية فلا تعود صالحة كمقياس ومركز، وإما كتابة بلا خصوصية جنسية ذكورية، أي كتابة بالإطلاق كتابة خارج الفئوية، مما يسقط الجنس كمعيار صالح للتمييز إلى ذكوري ونسائي " (1)

  - هل تكتب المرأة بنفس الخط السردي للرجل ؟

  - هل تتطرق بنفس الشحنات الإبداعية من حيث العوالم التخييلية لنفس المواضيع التي يتطرق إليها الرجل؟.

  - هل تستعمل المرأة نفس سلوكيات الكتابة الرجالية عن وعي بحدودها أو بدون وعي؟.

  - ما هي مجالات الجدة في الطرح الشكلي النصي  لممارساتها الكتابية ؟.

 -  ما هي حدود اختلاف معاناتها الإبداعية  بالمقارنة والرجل ؟ .

  - ما هو تماثل التلقي بالنسبة لكتابات المرأة لذى المتلقي الذكر ، والمتلقي الأنثى؟ .

 - ما مدى ابتعاد النص الإبداعي للمرأة عن التراكمات الذكورية بأسلوبها، بنظرتها المشبعة بثقافة ذكورية شكلت ملامحها التعليمية ؟.

وقد نتساءل مع محمد نور الدين أفاية عن خصائص اللغة النسائية وتشكيل القالب البَدائلي الذي يميز هذه الكتابة ويحقق تميّزها يقول:" إلى أي حد تمكًّن الخطاب التحرري النسائي من صياغة ملامحه وتحديد بدائله؟. وهل اللغة والخطاب يسعفان استراتيجيا، هذه العملية الشاملة والجدرية في الصياغة؟" (2).

إن الإجابة على هذه التساؤلات لا تعكسها قوة الجواب بقدر ما تكمن قوتها في حدود التساؤل وملء فضاء الإشكالية بإثارة الاهتمام ،إذ في احتراق الأسئلة توهج المسكوت  عنه ...تسامي المُضْمر ... انبلاج ظلمة المُهمَّش ... وحضور المقصي..

 سيتطرق هذا الكتاب من خلال الكتابة النسائية لمرئيات مفاهيمية تتعلق بالأنوثة والجسد والهوية في علاقته بما هو جنسي وسلطوي  وتسلّطي... من خلال كذلك أدب من إنتاج المرأة لتحديد علاقة الجسد بالإبداع نحو التشكيل الخاص بهوية المؤنث الذي استند في حضوره داخل النسق الثقافي العربي على خطاب مزدوج يحدد الأنثى كموضوع ضمن "موضوع"، فالأنثى ثيمة  للقريض والسرد، يحمِّلها الأدبي صوتها اتجاه المواضيع المحيطة بها وخاصة علاقتها الغرامية في اتجاه "الآخر"، أو يتناول قضاياها كموضوع لاشك أن التطرق له سيحرك أشكال مقاومة لاشعورية تكبح جماح البحث في ثنايا موضوع المرأة ،" فكلما تطرقنا إلى هذا الموضوع،لا نستطيع أن نمنع أنفسنا من التخوف من ردود الفعل عند الآخرين"(3).

فهذا الطرح الافتراضي للدكتورة نادية العشيري يعمّق صدمة المنطق الذكوري من أوهام أيديولوجية البُعد الواحد،الذي حافظ على  تماسكه بالحراسة الأسطورية والدينية لقِيَمِه، ومنعه للآخر من الاقتراب من بؤرة المعنى لاقتناص المتعدد والمتشظّي الذي يحمل في طيّاته ديمومة الاختلاف ومشروعية الأنثى في الحضور كذات وكينونة.

 فبعد أن كانت الكلمات تطرق باب المرأة وهي وراء أسْيجة العادات والتقاليد أصبحت تُصدِّر وترسل كلماتها لطرق أبواب " الآخرين" وما زالت تفاصيل هذه الكلمات تُلامس جوهر حصار الماضي الخبيث لها ..وهي  الآن ...وهنا... تمارس في فوضى الدلالات ترتيبا لأبجدية الفحولة ، تكتب في فَوْضَا (نَـ)ــا ما يحقق للهامش قوة الانطلاق .. يباغث المركز بوضع الاهتزازات تحت سِماطه...إن المرأة دوما كموضوع في قصيدة أو كشاعرة داهمت قصيدة الشطرين بالتفجير (نازك الملائكة) أو كساردة تحررت من غُربة الافتتان بنرجسيتها ...تشاكس الافتراضات اللامحدودة لمداهمة المألوف الذي ما فتئ يجعل من الذاكرة سبيلا للتعايش مع الحاضر..

 وقد ناقشت د.زهور رام مصطلح"الكتابة النسائية"من خلال"الأسباب المحتملة وراء ظهور هذا المصطلح في السياق الثقافي العربي المعاصر"(4) ،وقد خلصت إلى اعتبار الأسباب الثاوية وراء هذه الكتابة إلى" فهم الكتابة عند المرأة باعتبارها واجهة تحررية من التصورات السائدة" (5).

 كما تطرق محمد نور الدين أفاية لاستدعاء المرأة الكاتبة للبُنى التي تؤكد استقلاليتها، إحداها محكومة بالصراع مع الرجل حيث" أن المرأة حين تكتب فإنها تستدعي المكبوت المتراكم عبر الزمن لتُعلنه –أو تلعَنه-في حوارها أو صراعها" (6).

   وقد تحترق الأسئلة أكثر ولكن دون رماد.

    - هل صيغة المُؤنث كافية هنا لتحديد التصور النسوي للعالم ؟

    - هل مصطلح "الكتابة النسائية"، كممارسة إبداعية، من تحديد جنس الكاتب ذكر/أُنثى؟

- كيف يمكن للناقد والمتفحص للكتابة النسائية معرفة حدود تواجد المخيال الذكوري في المنتوج الإبداعي النسوي على اعتبار أن التنشئة الإبداعية للأنثى كانت من طرف الثقافة الذكورية ؟.

وخلاصة القول فالأدب النسائي شكل على الخصوص مجمل تاريخ صراع ومقاومة من طرف النساء قصد الحصول على الحق في الوجود والمعرفة والكينونة ومن ثم ابتدأ التفكير في الإشكالية الأدبية ومُساءلة هوية الكتابة النسائية التي ارتبطت في وعي الكتابة النقدية بإقصاء النساء من الحقل الاجتماعي والسياسي والثقافي كحقيقة مضمرة ينتجها لاشعور المنطق الذكوري وقد تركزهذا الاستشكال في قولة سيمون دي بوفوار" مشكل المرأة كان دائما هو مشكل الرجل".

 

   

 

هوامش الدراسة

1- خالدة سعيد " المرأة   التحرر  الإبداع " سلسلة بإشراف فاطمة المرنيسي ، نشر الفنك، الدار البيضاء 1991 ص: 86.

2- محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، إفريقيا الشرق –الدار البيضاء،1988،ص:35 .

3- د.نادية لعشيري – ملامح في صورة المراة من خلال بعض مصادر الأدب الاندلسي-  أعمال ندوة المرأة والكتابة ، سلسلة ندوات 8 جامعة المولى إسماعيل كلية الآداب والعلوم الإنسانية، مكناس ، 1995، ص:81.

4- دة. زهور ورام (المرأة والتخييل) أعمال ندوة المرأة والكتابة، نفس المرجع السابق ص: 23. والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، ص:9.

 

5- نفس المرجع السابق ص: 23.

6- محمد نور الدين أفاية ،الهوية والاختلاف في المرأة والكتابة والهامش، ص:9.

التعليقات
عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
1/18/2006 8:06:41 AM

 

وفاء الحمري
كتبت بتاريخ :18/07/2005

سامحني اخي حسين قد فاض بي الكيل ولم أستطع الصوم عن الاخطاء السمينة الدسمة الواردة في النص ...

اعجبتني فكرة ان المرأة مبدعة بالفطرة والموهبة ... وهذا جيد ... واني لارى الرجل ايضا مبدع بالتجربة والموهبة ....

دعني ألخص فكرتينا .... المرأة أم القصة ....والرجل ابوها ....

تبقى القصة تتكون من اسرة كاملة شاملة تجمع الشمل وتلم الشتات ...

دمت اخي حسين مبدعا ولا تنس الانتباه للوحة المفاتيح المغرية التي تسقط بشعور وبدون شعور في الاخطاء المخزية ....


وفاء

عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
1/18/2006 8:06:41 AM

 

حسين راشد
17/07/2005كتب بتاريخ

عفوا جميع الاخوة
القصة والأدب من قبل أن يتوغلا داخل كل منا تربينا عليه على يد أمهاتنا اللاتي في الغالب ليسوا بأدباء .. فالمرأة لديها من الخيال مساحات تفوق مساحات الرجل .. وهن من قصوا علينا الحكايات في صغرنا وهن من علمونا كيف يكون السرد القصصي دون معرفتهن بها .. فالمرأة في تكوينها قاصة .. ويغمرها الخيال بل وتعشق المستجدات والتجديدات بعكس الرجل الذي يتقن عمله وينكب على معطياته فيحسنها شيئاً فشيئاً .. واذا كنا نبحث عن أدب المرأة فنجد أن الأديبات المحترفات الأدب فيهن مزج بين شخصية الرجل وعقلية المرأة .. وهذا ربما يكون هو التوازن الذي يجب أن يتواجد في جميع من يبحث عن الإبداع ... ولكم الشكر علىاتاحة فرصة مداخلتي
عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
1/18/2006 8:06:41 AM

 

الإخوة والأخوات المتدخلين تحت هذا الموضوع، سعيد جدا بالجواب على كل التساؤلات التي تُطرح كتعقيب هنا، فأنا متفق معكم تماما بأن الموضوع من الأهمية بمكان يجعلة مُقلقا أكثر من أن يكون مزعجا ومن تاريخ أول تدخل إلى اليوم ما تزال الاجابات عندي تتناسل في جعل مقاربة المرأة للإبداع تحمل كل العمق الابداعي الخلاق ولنبدأ بإشكالية المصطلح.....

الأدب النسائي ... إشكالية المصطلح والمفهوم

 

مع بداية التسعينات من القرن العشرين بدأ يتصاعد نوع من الاهتمام بأدب المرأة إبداعا ونقدا وأخذت المواكبة النقدية تستوعب هذا النتاج الأدبي الروائي مع نحث مفاهيم وطروحات ساهمت في إغناء الحركة النقدية النسائية عبر كشفها عن التيمات والعلامات التي تمنح كتابة المرأة ملامحها الخاصة ، وقد قفزت إشكالية المصطلح (أدب نسوي- أدب الأنثى- أدب المرأة أدب نسائي) إلى واجهة النقاش حيث الاضطراب حاصل في مجال تداوله الثقافي والاجتماعي.

لابد أن  نضع نصب أعيننا واقعة منهجية أعتبرها أصلا في مقاربتي لكتابة المرأة وهي تتعلق بكتابة الرجل التي " لا يمكن أن نضعها مقياسا للكتابة المحتذاة وإلا أصبحنا نقيس كتابة المرأة كهامش بالنسبة لمركزية الرجل" (1).

 

هي بالفعل إشكاليت مصطلح ضمّنته الحركات النسوية لمابعد الثورة الثقافية لسنة 68 ، كل الأبعاد النضالية .. ولهذا يمكن تلمس الفرق المنهجي الحاصل في مصطلحين متباعدين في إحالتهما المفهومية والنفسية ، النسوية (مقابل) النسائية والتي تستدعي منا إيقاف التناظرات والتقابلات التي ينتجها المنطق الارسطي عبر ثنائيات لا تفهم العالم إلا عبر تشطيره إلى ثنائيات ألفنا تقسيماتها ومن خلال سيطرتها ألفنا تمظهراتها النفسية ( مرأة / رجل) (أنثى/ ذكر) (نسائي/ رجالي).
إن الوقع النفسي للمصطلحين يشكل السند الرئيسي لتعامل المبدعات مع هذا التصنيف (أدب نسائي) الذي تدخل ضمنه بالفعل القليل من المبدعات من حيث احتواء هذا الأدب وعلى قلته لخطاب الكينونة الخاص .
الكتابة التي أصنفها من ضمن “الكتابة النسائية” ذات كيان خاص ومستقل عن ذاكرة مجتمعية مألوفة .. ففي هذه النصوص خصوصية تجدد القيم والسياقات نحو صياغة تتضمن رؤية جديدة للعالم ، أما العديد من كتابات المرأة حاليا وخارج المقاييس التي تصنفه ضمن الكتابة النسائية يبقى في الجهة المقابلة وناطقا باسم بقاء الوضع على ماهو عليه.
أما المشكل الحقيقي الذي يعيشة المصطلح فيتجلى من وجهة نظري في البناء الذكوري للمناهج التي تُستعمل لحد الآن في التعاطي النقدي لابداع المرأة ،فما بعد البنيوية تتسم جل المناهج بسمة البعد الثقافي التأويلي في المقاربة والتي تنتج قراءات عميقة في الأبوية .

ولقد اقترحت د.زهرة الجلاصي نعت هذا الأدب ب " النص الأنثوي" كبديل عن الأدب النسوي، باعتبار أن هذا المصطلح يرتكز على آليات الاختلاف واعتبرت أن مصطلح نسائي به معنى التخصيص الموحي بالحصر والانغلاق في دائرة جنس النساء، بينما اعتبرت مصطلح " مؤنث" دعوة للاشتغال في مجال أرحب مما يخول تجاوز عقبة الفعل الاعتباطي في تصنيف الإبداع.

وقد تمت مناقشة هذا المصطلح من طرف ناقدات غربيات كلوسي إيجاري وجوليا كريستيفا، ومن طرف نقاد عرب ك د.ميجان الرويلي و سعد البازغي.

وإذ نتبنى مصطلح "الكتابة النسائية" نعتبر أن هذا المصطلح  يقوم فقط بدور تصنيفي وإن كان بعض النقاد يعتبره غير محايد، فهو يمكننا من رصد خصوصيات هذه الكتابة وبالتالي وضع اليد على الخصائص المميزة له، والذي يشكل إضافة حقيقية للإبداع الإنساني بشكل عام، وهذا المصطلح لا ينفي صفة الإبداع عن أي أحد من الجنسين، ولكنه يؤكد بالخصوص على أن للمرأة الكاتبة تصورا مختلفا للمسكوت عنه بمقدار الفروق الفردية بين الجنسين، والطريقة الخاصة في التعبير، وعلى مستوى الجرأة في طرح بعض المواضيع ذات التضاريس المجروحة في كينونة عمقنا الثقافي، وأعتقد "أن اللبس الحاصل في رنين المصطلح والمفهوم " الكتابة النسائية" ، ماهو إلا نتيجة للخلط المنهجي الحاصل بين صيغتين : صيغة " الأنثى و الكتابة " وصيغة " المرأة والكتابة" ، فالصيغة الأولى تركز على أهم خاصية لدى المرأة وهي الأنوثة،  وتلخص المرأة في صفتها الجنسية ولا تجعل الدائرة تتجاوز الطرح المقتصر على الأنوثة والذكورة في بعدهما الطبيعي، أما بالنسبة للصيغة الثانية (المرأة والكتابة) فإنها تعتبر في المرأة الجنس والكيان والشخصية القائمة على البناء الثقافي،  باعتبارها مكملة لجنس الرجل في الحياة والمجتمع"(2).

 

الهامش

 

 

1- عبد النور إدريس" الجسد الأنثوي وفتنة الكتابة" مجلة أفق الثقافية، الرابط الالكتروني هو:

http://ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=2892

2- عبد النور إدريس" المرأة والكتابة بالجسد" الموقع الإلكتروني إيلاف – ثقافات عالم الأدب الرابط الرقمي:

http://www.elaph.com/ElaphWeb/ElaphLiterature/2005/10/99499.htm

 

 

 

عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
1/18/2006 8:06:41 AM

 

صالح السهيمي

18-07-2005كتب بتاريخ:

وصدر كتاب عبدالنور أدريس
عن " الكتابة النسائية "
بالمغرب .
شاهدت له عرضا في برنامج
ثقافي بالقناة المغربية .
مبارك للكاتب وللمنتدى .
وللجميع كل الود
.