شمس مبكرة
في تلك الظهيرة الطاعنة في السواد كان علينا ان نقف بالباب بضع دقائق (مرت كأنها بضع ساعات ثقيلة ) بانتظار أن يُفرجوا عن أشواقنا ويسمحوا لنا بالدخول.. وكان خيال قاماتنا الذي تعكسه مرايا الباب كافيا لمضاعفة الشعور بالأسى والقنوط ) .   الأبواب الصقيلة في مداخل المستشفيات ترى فيها كشخص مصاب بعلة قريبه الذاهب في غيبوبة طويلة ضعفك وقلة حيلتك وملامحك الذليلة وأنت تتسول العابرين في الممرات الطويلة أن يتصدقوا عليك بأكاذيب تحتال فيها على هذا الطبل الذي يقرع في صدرك المختنق مشيدا سلما ينزلق عليه سؤال مكرر : ترى هل ما زال على قيد الحياة ؟ لاحت لي على الزجاج صورة امرأة جاءت من الخلف لاهثة تخترق الصفوف وثمة أصوات مدببة تتطاير مع أنفاسها كأن دزينة من عصافير محبوسة داخل قفص صدرها.. راحت تحاول دفع الباب بكف منخولة بالنمش ومن تحت عباءتها فاحت رائحة حساء يخبئه الزوار عادة بقصد تهريبه إلى احد المرضى.   انغزست في داخلي شوكة حسد : ماذا تخبئ أنت القادم المثخن باليأس لشخص يلتقط أنفاسه بوهن كخياط يجر خيط النول ذاهبا في غفوة بعيدة . تكدسنا كالتلاميذ.. وشرعت الأصوات تستغيث بالرجل المكلف بالحراسة أن يفتح الباب وهو يتنزه فوق البلاط البارد, وبعد أن دبت الفوضى بالمكان التفت إلينا وحدق في ساعته مبتسما بسادية لا تليق بمهنته لكي نطمئن على أننا تحت وصايته. سألني الواقف إلى جواري عن الساعة ولم ينتظرني لأجيب لكنه بادر على الفور قائلا: لقد حان وقت المباراة؟! وبدأ على رغم الزحام والاختناق- يدخن مصوبا عينيه إلى سحابة الدخان  العالية تعبيرا عن شعوره بالاضطهاد. *** وكانت الصور تتداعى على سقف مخيلتي تباعا : رأيته وهو يسوي طاقيتي المشغولة بالقصب عائدا من الحج, ورأيته يعالج أزارير قميصي بعدما أجلسني أمام عدسة المصور استعدادا لدخول المدرسة.. ورمقته بامتعاض يوم أن تركني ارتجف في حجرة المدير بعدما وضع ملفي الأخضر في الدولاب. وعانقني خارجا في المغيب يتقطر من ذراعيه ماء الوضوء.. وإذ يسدد نحوي نظرة اعرف معناها, أهبّ لأحضر له عباءة الوبر بعد أن أمكث قليلا في  ضيافة شعرها الدافئ لا يقطعها إلا صوته الذي يفاجئني في ليالي الشتاء الباردة موحشاً ومخيفا: (انجز قبل ما اخلي اذاني وآذانك أربع ) .  وهالتني شجاعته في تلك الظهيرة حين رأيته حاسر الرأس تحت عريشة الخوص جراء ضربة شمس لئيمة والطبيب الشعبي يحبس عنقه اليابس بأصابعه الزاحفة كعنكبوت سوداء بعد أن اطمأن على قضيب الحديد الذي يحمر في المجمرة. عند اللحظة الحاسمة أشار إلينا بعينيه أن نبتعد لكننا تراجعنا لخطوات ثم أوقفنا الفضول لتملي المشهد.. فوقفنا نتملقه بصمت أن يتركنا وشأننا.. حتى رأينا  ذلك الأخدود العميق في رأسه لينهض كحصان بري لا يقبل بأقل من المجازفة. وفي صباح العيد نهرع خلفه حالما يفتح باب غرفته المبللة برائحة عود الند يحشو جيوبنا الصغيرة بالحلوى والنقود ثم ينسل الى الفناء بسرواله الطويل مخبئا يده القابضة على السكين وراء ظهره ينتظر أن يرفع الخروف رأسه من طاسة الماء فيتلُّه من قرنيه.. ويجهز عليه في لحظات خاطفة ويتركه بقعه من الصوف ترتعش على بقعة من الدم. ورأيت صورته العالقة كالوشم في ذاكرتي  يمتطي فرع النخلة العالية في مواسم الجذاذ ويهيجن فاتحا رئتيه عن أقصاهما بذلك اللحن القروي الموغل في الوجد: (يا عين لك بالهوى لفتة ما انتي على دين الاخوان) وبعد أن يجرد نخلته جردا ينزل من أعلاها زاحفا على يديه كدواب الحقول.. ثم ينحني على أخي الذي بدأ يدّب بخطوات ثقيلة ويناوله أصابعه التي علق الدبس على مواضعها وبدوره ينكب الطفل -كالضأن الصغير- ويلعقها بلهوجة.   لم أنتظر أن يجيء المصعد.. لم يكن في مقدوري أن انتظر حتى يجيء حين أبصرت العجوز تدلف الى الداخل بعدما انغلق الباب من تلقائه عليها تعزز لدي يقين ما بأنها ما جاءت إلا لتلفظ بقية أنفاسها هنا. وفكرت: هل سينجو أبي من العملية وهل انه سيعود الى مبخرته التي أصبحت من بعده أرملة ويتيمة؟!  أم إن طائرة الإخلاء أقلته عبثا.. وأن أخي الذي رافقه هاتفني بالأمس لأشاركه طقوس الوداع?!. منذ أن فشلت أدوية العطارين ووصفات الطب الشعبي في إنقاذه من نوبات المرض وأصبح ينقاد الى المستشفيات بسهولة أدركت أن فجيعة ما سوف تحل بنا عما قليل.. ونشأت بيني وبين أخي من يومها أزمة ثقة صار كلانا يلح على الآخر ان يعيد الإجابة مرة أخرى قبل أن يتنفس أحدنا الصعداء. أقول: يا الهي كم كان كابوسا مرعبا وابدأ بسرد المنام الذي فزعني. - ولكنه هاتفك للتو لقد هاتفك فعلا سيُجرون العملية غدا!! هل أحضر لك ماء, تقول زوجتي. اشهق ببلاهة: هاتفني?!. فيجيء الصوت هادئا لتفادي الانكسار: ولكن غرفة العمليات ليست مقبرة?!. *** لقد مكث عدة سنوات يقاوم السكر والضغط ونوبات الربو المفاجئة وفجأة فضحته المضاعفات الخطيرة وغيّرت الكثير من عاداته اليومية. في ذلك المساء تأبط مخدته بعد أن افتعل شجارا مع الجميع اثناء تناول طعام العشاء ونام في المجلس وفي اليوم التالي بدأ يأنف من وجود الخادمة وعندما هدد أمي بالطلاق أصبح السر عاريا الا انه لم يكن قابلا للتداول. سألت الممرضة بلغة انجليزية مكسرة عن غرفته فأجابتني بعد أن نقبت في جهاز الكمبيوتر بلغة عربية هزيلة, لكنها محايدة, وفي الممر عادت الصور تومض من جديد. رأيته يتشبث بجذع (منيفة) نخلته الأثيرة بعدما أوقف طلعها للفقراء نفقة لامي التي ماتت فجأة كأنما كانت تفتديه بروحها وتهديه بقية أيامها رأيته يتشبث بكرانفها ويجدف على لجنة البلدية التي جاءت مع بدايات الطفرة  لتخطط القرية وتقتلع جزءاًمن البستان وحين رأى العربات الصفراء تمضغ جدار الطين وتحيله في لحظة خاطفة الى حفنة غبار بكى كما لم يفعل من قبل واقسم أنها إحدى علامات الساعة. ورأيته مرة أخرى بعد أن أذعن نهائيا  للمرض يبتلع الأقراص وقبل أن يخلد إلى النوم ينادي بصوته الواهن (سالومي) فتهرع الخادمة التي تفهم اشارته وتضع له سطل الماء في مكانه المعتاد بعد أن تمهد له الفراش. *** أفاق للحظات من اثر المخدر ونادى (سالومي.. سالومي) ثم عاد لينهدم كمئذنة شائخة ولما فتح عينيه الكابيتين بعد قليل سألني عن راكان هل عاد من جلوته? نظرت إلى أخي لعله يسعفني بالجواب فإذا إن راكان هو بطل المسلسلة البدوية ؟ تغرز الممرضة ابرتها في ذراعه العاري فيكز أسنانه على الألم وأبادر لأسند ذراعه إلى كفي على سبيل المواساة فتنث من كل مساماتها رذاذاً ناعماً وتلوح لي خلف السديم نخلة شاهقة تكمن في فرعها غيمة من عصافير الحقول وبضع سعفات تتهادى على إيقاع من مقام الوجد  (بلاك من واحد شفته عوده من الزين رويان ) نتأهب لنحمله أنا وأخي و نجلسه على الكرسي ذي العجلات (يبدو خفيفاً كسلة تمر فارغة) فتومض في اللحظة نفسها عدسة المصور على ذلك الولد المحفوف بغربته وخوفه وأسئلته ممتثلاً لأصابع تدب لتسوي ياقته تعدل طاقيته  وعلى طول الممر ادفع الكرسي (يبدو خفيفاً وخالياً لدرجة أنني أتأكد أنه لم يتماهي مع نسمة الهواء) أتأمل رأسه المأهول بزهور الفل وأوغل في أسئلتي: أهذا هو أنت أيها البدوي القوي؟   أنت الذي كانت تكفيه قدم واحدة ليتسلق بها أعلى جبل وأطول نخلة؟ من ثقب السؤال تتسلل ثلاث شموس صغيرة تتربص بي كلما عن لي الخروج من البيت : (بابا.. بابا) انحني على آنية الورد واقبلها بحب فيتحرك رأس أبي ويستأنف أحلامه في اليقظة. يسأل مرة أخرى هل عاد راكان من جلوته ؟ ويذهب في السبات يا الله!! كم أبدو قاصراً وصغيراً فلماذا نتبادل الآن أدوارنا أن أكون بهذه السرعة أباك, وتكون شمساً رابعة تشرق قبل أوانها. لكن, لا. انه ليس أبي تماماً بل هو على الأرجح أنا في عام 2020.  
التعليقات