رعشة الوداع
  عندما انعطفت يمينًا مارًا بجوار الحديقة الصغيرة القريبة من منزلي، الذي يقبع قبل نهاية الشارع يسارًا، وأنا أتوقف بجوار باب المنزل، لمحت نظرته الباحثة عن دفء في هذه الليلة الشتائية الباردة، ضامًا يديه إلى جوار بعضهما، ومتكومًا ككرة صوف لفت على عجل، لافًا حوله ذيله المنتفش، كان متكومًا على الرصيف المقابل، وعندما أطفأت محرك السيارة أقبل باتجاهي - كما تقبل علي قطتي الصغيرة – واتخذ له مكانًا تحت السيارة. بحثت عن المصباح اليدوي رغبة مني في رؤيته، وعندما التقت عيناه بضوء المصباح انحنى منه مواء متوسلًا البقاء، فأطفأت المصباح خشية أن يرحل ويترك الدفء تحت السيارة . حينما دلفت إلى المنزل كان أفراد أسرتي محيطين بالمدفأة، بينما تركت لهوها قطتي الصغيرة، وجلست على مقعدتها مادةً إحدى رجليها وثانية الأخرى، ومتكئة على يدها اليسرى وتلوح باليمنى ترحابًا، ومشرئب عنقها نحوي تطير حمامات البراءة، ثم تهم إلي حبوًا، فأستقبل قطتي الصغيرة، آه ، يا صغيرتي، سأغسل في عينيك تعب اليوم. أمسح على رؤوس إخوتها وهم يتابعون أنشودة على الشاشة. أناولها لأمها؛ لكي أبدل ملابسي. - بدل ملابسك، وتعال لتشرب حليبًا دافئًا. هكذا هتفت زوجتي. بدلت ملابسي، وناولتني كوب الحليب . ضممته بيدي الباردتين؛ لأدفئهما بسخونته، وأرتشف منه قليلًا لأشعر بالدفء ، ولكني في الحقيقة لم أشعر بذلك فقد شغلني حال ذلك القط تحت سيارتي. كيف سيقضي الليلة بعد زوال دفء المحرك. - اللي ما خذ عقلك ؟ قطعت زوجتي شرودي. - أبدًا لا شيء، كنت أفكر في حال قط احتمى تحت سيارتي من البرد حين أوقفت المحرك. - مسكين ! - ماذا سيفعل في هذه الليلة الباردة بعد زوال دفء المحرك. - أعتقد بأنه سيلجأ إلى الدخول قرب المحرك؛ ليستمتع بالدفء. انتبه غدًا صباحًا قبل أن تشغل السيارة، فربما يكون بالقرب من مروحة المحرك. مسكين هذا القط يبحث عن الدفء الذي يشبه امرأة نامت على جانبها في العراء، وضمت ساقيها إلى بعضهما، وضمت ركبتيها إلى بطنها، وضمت إلى صدرها خيال حبيب غائب، ثم أغمضت عينيها؛ لتنام . في الصباح قبل أن أشغل السيارة طرقت مقدمة سيارتي؛ ليستيقظ ضيفي من نومه، سمعت صوت ارتباكه بالقرب من محرك السيارة - كما توقعت زوجتي - ثم خرج مسرعُا ، ولم ينس أن يمنحني نظرة امتنان لحظة توقف قليلًا قبل أن يكمل مسيره إلى مكان آمن ومشمس، ليضم يديه تحت صدره - وأنا أتأمله إلى أن يسخن المحرك - إذ يفاجئني بوثبة على عصفور مر بالقرب من رأسه؛ ليحرك سكونه، فيتكأ على قدميه راكزًا يديه، وقد اتسعت عينيه مراقبًا حركة العصفور بكل شبق. بعد عودتي من الدوام لم أخرج من المنزل فقد أخذ مني الإرهاق كثيرًا ففضلت عدم الخروج، ولكني شعرت بالندم حين جاء وقت النوم؛لأنه هناك تحت السيارة سيتوسد البرد مخدته، فكيف سيبيت ضيفي المسكين ليلته هذه، آمل أن يجد له الليلة محركًا دافئًا لسيارة أحد الجيران . لم أطرق مقدمة سيارتي هذا الصباح كالعادة؛ لاعتقادي بأن ضيفي المسكين لم يبت البارحة تحت سيارتي الباردة، ولكون يدي تنعمان بدفء جيوب معطفي. وأثناء تشغيلي السيارة لاحظت عامل النظافة الآسيوي يحاول أن يحمل شيئًا من على الإسفلت، بدا لي كأنه هو بفروه الأبيض والأسود. ترجلت من سيارتي ؛ لأستطلع الأمر فإذا هو ضيفي المسكين ينزف دمًا دافئًا على الإسفلت البارد. أخبرني عامل النظافة بعربية مكسرة بأنه شاهد عيان على مصرعه ، حيث سمع صوته يموء مع تشغيل جارنا لمحرك سيارته، فخرج منها وهو ينزف؛ ليسقط هنا مرتعشًا رعشة الوداع. حمله العامل وألقى به في حاوية المهملات كنهاية مؤلمة لقط مشرد. ذهبت إلى سيارتي متحسرًا على حياة هذا المسكين التي ذهبت من أجل الدفء. شعور مؤلم ما أحس به الآن زاده ألمًا حين لاحظت عامل النظافة يضم يديه إلى صدره، ويبحث عن مأوى دافئ لأطراف أصابعه، بينما أطرق برأسه من الألم المتجهم على ملامحه. نزلت من سيارتي، ونزعت عني المعطف وناولته إياه. وبنظرة امتنان كان يهز رأسه شاكرًا لي. عدت إلى مقعد السيارة وارتميت في أحضانه، وضممت إلى صدري خيال حبيب غائب، فشعرت بدفء يحتويني.
التعليقات