تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المدرجة في جداول التحديث.

قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى

ترتيلة لأربعة من طيور الحب
ترتيلة لأربعة من طيور الحب
قصة قصيرة ترتيلة لأربعة من طيــور الحب موسى غافل الشطري لم أفرغ بعد، من اعداد لوحة ضمنتها ميلي إلى شفافية اللون والوصول به إلى منح الواقع بعدا حالما، ساحراً ، بحديقة يظللها الأيك. و توكِّر على أغصانها الطيور . ولكي توحي : بمعين مسموع الخرير. كنت.. أُحاول: أن اترك بلمسات ريشتي، مسحة بهيجة على ملامح الطيور. فأسرفت بجمال ألوانها ، و شفافية إيحائها، انحيازا لحب الطيور. ولكونها رموزا توحي بتطلّعي: الى حياة حالمة. راودتني الفكرة : لكي أشغلها بجنينة عامرة، بما يحلم بها حالم مثلي. فانشددت برغبة جارفة : أن اعتني بأجمل طيور. فرسمت لهن غصناً مكللاً بالأزهار. نافراً فوق ترعةٍ، نضحت من معين. لأيّ طيور جديرة أن تؤُمه؟ ... فاجأني طرق على الباب ، فدعاني مرغماً: أن أعزف عن لوحتي ، وأُغادر مع السيد خليل منحدرين شرقا بعربة ( لاندكروز)، سالكين طريقا ترابياً ضيّقاً. مرسلة صريرا صاخباً، وقد عجّت خلفها زوبعة ترابية. حتى انحرفت باتجاه بيوت ريفية ، لم تكن متجانسة. هـــــذه هي إذن القرية المقصودة، و التي يسكنها صاحبي ، ربما .. أنا واحد من كثرة ، تجاوزت العشرات.ممن أتى بهم خليل ليشاهدوا بليّته، أو : ليهوّنوا عليه، وإن كنت لا أعتقد إنّي جدير بتلك المهمّة. ذلك .. إنّي بلا حول .. ولا قوّة. جلست لا ألوي على شيء. ولا أنا قادر على فعل شيء.فقط.. كنت أتمعّن بأربعة أكبرهم صبية ، اسمها ( ابتهال). كان يفترض أن تكون .. ذات وجه متألّق. لكن عينيها بدتا بلا رموش. ربّما زغب ضنين. كذلك هو حال جلدة الرأس. جرى ذلك بفعل حالة مرضية نادرة الوقوع، أسموها بإنعدام ( البايوتين) . من أصل ثمانية أطفال.. بقي هؤلاء الأربعة ، في صراع من أجل البقاء. وكان على الأب أن يقاوم من أجلهم. عرّفني الأب على( ابتهال) قائلاً لها: ــ صديقي العزيز.. إنّه رسام ماهر. ثم همس بإذني: ــ لو كنت قد شاهدتها عند افتقادها العلاج، كم كانت ملامح عينيها مرعبة؟ تبحرت بالعينين.. كانتا أنيستين حزينتين. لهما نظرة آسرة. لكنهما تفتقران الى أهداب. حاولت أن أُجاري الأب بذلك الحزن ، الذي أطلّ من عينيه . هل.. أبتسم له ابتسامة مُشجّعة؟ لم أك أعرف كيف أُداري ارتباكي ــ أنا الخجول ــ كي أُبرر جدوى مجيئي. جلس الأربعة ، و بدت حالاتهم المرضية متفاوتة. في حين .. انشغلت الأم بإعداد الشاي. من الواضح .. إنها ألفت هذه الحال . لا اعلم .. إن كان يؤنسها دأب الأب على شرح مأساتهم الى أمثالي . لكنّي لم أُشاهد أي شيء واضح على ملامح الأُم: هل تشارك الأب بدأبه على إطلاع الآخرين؟ هل لديها تصوّر.. عن أسباب مرضهم؟ كنت محرجا و أنا أُشاهد الأب يتابع عيون الصغار، ومنهم الكبيرة ، التي بدت مدركة لماساتها. غير انها تابعت باهتمام ، انغمار أطفال القرية :بجريهم لاعبين . فبدوا كأنهم جراءٌ يَهرّون، و يندفعون ضاحكين. يستلقون الواحد فوق الآخر. لاحظت كفّي ( ابتهال )يضغطان بعضهما على بعض. و الفم يفتر عن ابتسامة حذرة.تشوبها مسحة حزن ، تحفّزت في مكانها ، كأنها عازمة على أن تنهض مثلهم ، و تلحق بهم . غير أن الجميع اندفعوا عائدين يَهرّون بصخب، متجاوزين المكان الذي قبعت هي فيه و إخوتها. بدت صبيّة بمثل عمرها تؤرجح بجدائلها تيهاً، ممراحة على نحو واضح. فهمس الأب بإذني : ــ كان شعر ( ابتهال )أكثر جمالاً و كثافة و استرسالاً. لاحت الأم وقد انتبهت لما همس به الأب، واقفة ويداها متصالبتان على صدرها باستسلام، بينما بدت عيني الأب تغرورقان بالدموع . حاولت أن أُجاريهن لكنّي بدوت ضنينا بدموعي و لأول مرة ، و أنا أعرف رقّة مشاعري،و ضعف جَلَدها، أمام هكذا حال، لكن دموعي أحرنت بعناد. عندما أتى بي الأب.. هل أراد أن ارسم مأساته؟أم أُجاريه بآلامه؟لا أعلم . بيد إني مدرك تماما:إنني لا أُجدي نفعا. فلا أمتلك: سوى إني أرسم الحزن، و الألم على نحو مزرٍ .وفي الحق: إن قلبي يبكي بصمت. كان الأب قد لحق بزوجه الى الداخل،. وعاد توّاً بـ (قندول ) السكر ، بينما تبعته هي بعدّة الشاي. أطفال القرية واظبوا على لهوهم . و على إثارة الأتربة ، و أطفال خليل : كأنّهم: أُنيط بهم أن يلعبوا دور المتفرّجين. قال الأب دون أن يخفض من صوته، كما فعل قبل هذا، وهو يحرّك ملعقة الشاي: ــ أتعرف.. إني تعرفت على أطباء عالميين؟و إن أطفالاً من إيطاليا مثل( تيزانا )، و من فرنسا و الإمارات يتراسلون مع أطفالي و يرسلون لهم العلاج ذاته، و هدايا أُخرى؟ تحرّكت ( ابتهال )وهي تجهد نفسها إلى داخل الغرفة، و عادت بعلبة جميلة، فيها صرة مهداة و رسالة من ( تيزانا) . كانت الرسالة توحي، بأن صاحبتها ريّانة . تتفجّر ابتسامتها من الكلمات. وكأنها تعمّدت ، أن تترك شعرة من شعرها بين عباراتها الرقيقة. كذلك .. احتوت العلبة على ( سيت ) ألوان نادرة، و دفتر رسم. الصغار و الأب ابتسموا. و الأم لا أكاد المح على مُحيّاها أيّة ابتسامة. قال الأب : ــ إنهم معروفون هنا و ربما في دول أُخرى. فقلت هامساً : بالتأكيد إنهم معروفون. بالتأكيد ستكون حالتهم شاغلة لاهتمام الآخرين . - ظلّت ( ابتهال) واقفة . فقلت لابتهال: ــ هل أنت راغبة أن أرسم لك لوحة بهذه الألوان، و ربّما ترسليها إليها؟ ابتسمت موافقة. أمسكت بدفتر الرسم، و قرّبت الألوان، و بدأت أجهد نفسي : لنقل أسمى قًيِم، مما كنت قد أبدعت في تلك اللوحة الرائعة، مُتوخيا الصدق، لكي تذوب خصوصية الطبيعة ، حتى تتكشّف قٍيًما جماليّة.هدية من كل مشاعري : لأربعة من طيور الحب، لم يزغبن بعد.فكسوتهن ريشا زاهيا. وبما إني مغرم باللون الوردي .. نزفت لهن مداد قلبي، ومغّرت لهن خدودهن و أرّجتها. بدت ريشتي تكتب شعرا و نثراَ ، و تنزف ألماَ ، وتُحوّله إلى ضوء مُتفجّرٍ .لكي تكتمل اللوحة، فرسمت الآن.. الأيك. و ترعة الماء. و الغصن المزهر... و أربعة طيور حب، يزهين بألوان ريشهن الجذّاب. فكنّ.. كما لو إنهن يُحلّقن توّا و يُغنين. ولكي يكتمل كل شيء.. كسوت الأرض بخضرة نضيرة. و المعين .. اكتسب زرقة رقراقة. كما إن هناك .. قد تجلّت وجوه حسناء: لأربعة، تألّقن بحمرة الخجل، و نسلن ريشهن بخيلاء .
التعليقات