العرس
[cr] [l] وقالو كانت البنت لا تعرف عن أمر زواجها إلا ليلة الزفة [lc] [crc] كنت أفزُّ من النومِ عدةَ مراتٍ ، ثم أعودُ فأغفو من جديد ، و الآن إذا فتحتُ عينيَّ كان ضوءُ الصبحِ يدخلُ كشراعٍ أبيضَ ، لكنني بقيتُ كامناً في فراشي مثل قطعة فحم تحت رماد الموقد أديرُ رأسي ذاتَ اليمين وذاتَ الشمالِ ، و أحاولُ أن أفسّرَ مفرداتِ الحلم ، ثمةَ مطارداتُُ لا أتذكرُ تفاصيلَهَا ، وهضابُُ مفتوحةُُ على أفقٍ أسود ، وكان الممرُّ الذي يجبُ أن أسلكَهُ بعيداً عنهم مليئاً بالجثث . جلست في حين كنت ألهثُ من الفزع .. وبالكاد كنت أستردُّ أنفاسيَ الضائعة . شربتُ ما تبقى من فضلاتِ الماءِ في كأسِ البارحة ، وشعرتُ بأنه يتعينُ عليّ أن أبذلَ جُهداً كبيراً للتخلصِ من فضلاتِ الحلمِ في نفسِ الوقتِ الذي كنت أتساءلُ:هل أنه محضُ حلم؟! لكنّ أحداً لم يظفِرَ بي أبداً مهما كلفّ الأمر!! على هذا النحوِ فسرتُ رؤياي ، وأرسلتُ يديَّ لأمحوَ رغوةَ النومِ عن وجهي 0من باطن أصابعي تسللتْ رائحةُ بصلٍ من عشاء البارحة،كانت بائتةً وكريهةً إلى الحد الذي كان يكفي لأصحوَ تمامًا0 وعند هذه اللحظةِ لاح لي وجهُ أمي التي لم أكنْ رأيتُها بعد0 رسمتُ في زرقةِ هذا الصباحِ الصيفيِ العذبِ ملامحَها البهيةَ في خيالي،فندتْ من رضوضِ الروحِ آهةُُ من فرحٍ طفوليٍ خائف،وجعلتُ أتلفتُ في الصمت.. أجرد الحجرةَ الهادئَةَ كباخرةٍ ميتة، وأسأل من أيقظني؟!غزالةُ الماء،الملائكةُ،أم سحابةُ الغربان التي كانت تطاردني بمناقيرها المسننة طوال النوم!! بخفةِ عصفورٍ نهضتُ.. وضعتُ المخدةِ في مكاني للتمويه.. ولما واريتُها بالغطاء رجفتني قشعريرةُُ من لذة.. وأنا أقرأ غضونَ الشرشفِ الجاثمِ كزبدةٍ تتفسخ للتو0 مشطتُ أجسادَ النائمين من إخوتي في فُرُشِهِم الوثيرةِ،لم يكن أحدُُ منهم يشبهني،تخطيتهم مشياً على رؤوسِ أصابعي باتجاه الباب،ألقيتُ نظرةَ وداعٍ إلى الطفلِ النائمِ بدلاً عني.. وفكرت للحظةِ أنه من الملائم أن أرقص رقصة من لا يفكر في العواقب،كان يجب أن أقوم بهذا المشهدِ المسرحيِ حتى تنجح عمليةُ التهريب0 عند ناصيةِ الشارع وقفتُ أنتظر المرأةَ التي سميتها فيما بعد خالتي 0 فاتراً كان هواءُ الشارع،لم يكن شارعاً بالمعنى الحرفي للكلمة0 وهي المرأة التي قَبِلتِ التحدي والمجارفة0 المرأة التي أصبحت كلماتهُا فيما بعد تروى،وتتردد على الألسنة كالمأثورات المقدسة:\"مشواري هذا ـ يا قطّاعين الأرحام – يعادلُ حِجة،الولد لازم يشوف أمه\"0 ولسنواتٍ طويلةِ ستأتي ؛ سوف يظل سكانُ القرية يرددون المثلَ في كل المواقفِ المشابهة:\"مشوار حصة يعادل حجة\"!! على طول الزقاق تناثرتْ كراتُ الروث ، وختمت الأغنام التي مرت مبكرةً وشياً صباحياً بأضلافها . كان الوقت يمر رخواً وبطيئاً ، شرعت أضع إصبعي لكي ألهوَ عن خوفي قليلاً ـ في ثقب الجدار .. وأعتقل النملَ العائدَ بالرزقِ، يتوقفُ الخيطُ الأسود ُ،أَنْزَعُهَا فيعودُ يصبّ في الثقب ويختفي،وحينما مضغني السأمُ وفكرتُ أن ألعبَ خصمًا لنفسي لعبةَ \"الصكة\" كانت المرأةُ التي سميتها خالتي قد أقبلتْ،لمحتُ عباءتها وهي تلوذ في بداية الزقاق0 نزوتُ إلى عتبةِ بيتنا أسترقُ السمع.. ورجعتُ ألهث من الفرح لأن الصمتَ كان يخبز الفناء عن آخره .. وكانت في اللحظةِ ذاتهِا على بعد خطواتٍ مني ،عانقتها،فاختطفتني من يدي دون أن تتوقف،وجعلتُ أهرولُ معها هرولة،دثرتني بعباءتها وشممتُ رائحةَ البرسيم تفوح من ثيابها فانفتحتْ لي سماءُُ ملبدةُُ بالعصافير ،ولمحتُ على يدها أَثَرَ جُرحٍ طري 0 عندما ابتعدنا قليلا عن البيوت عبر الممرات التي تخترق البساتين أفلتتْ يدي كأنها تفك عن معصمي أغلال الخوف وتلقي بين يدي سكة صغيرة من الأمان،ثم كشفتْ عن وجهها وتناولتْ خدي لتلتقطَ قبلتين صغيرتين، ولهما صوتُ انفجارٍ مليءٍ بالعذوبة(لا أتذكر أن قبلتني امرأة)!! مسحت العرقَ المتفصدَ من وجنتيها كيفما أتفق، وقرصتْ أذني فيما كانت عيناها ترمقان قدمي الحافيتين دون أن تنبس.. لكنها قالت وهي تجرني من ذراعي: ـ سأشتري لك \"صندل\" لتذهبَ معنا إلى العرس،فانفتحت لي آنئذٍ سماءُُ أخرى مشغولةُُ بالأغنيات والحلوى والأضواءِ الكثيرة ورائحةِ البخور والهبات السخية0 من خصاصِ الأشجار التي سيَّجَتِ الحقولَ نَفَرتْ الأصواتُ الصغيرةُ تهتفُ من خلفنا \"العبد الأسود قرقع الباب..قالت شريفة وش نبي به\"بضعة أولاد يشيدون بمناكبهم صفاً ويُغَنّون ويدقون الأرض بأقدامهم في رقصة جماعية0 أفلتُّ يدي من يدها..وتفرستُ في الأرض أنقبُ عن حجر ،لكنهم كانوا قد اختفوا غِبَّ أن أسفرتْ مرةً أخرى عن وجهها وَنهَرَتهْم\"يا عيال الحرام\"ثم راحت تجدفُ بصوت أقل صراخاً على أنوفهم الحمراء،بيد أن أصواتهَمُ كانت تجيءُ جوقتهم من بعيد تغني بإيقاعٍ مرتب:\"يا محمد..يا مقمَّط .. يا عروق البيدجانة قالت أمه..ليه،ليه قال أبوه ……… \" واتتني الشجاعةُ إلى جانبها ، وحاولتُ أن أهاجَمهم ، غير أنها جذبتني بعنف ، وسألتني وهي ما تزال سافرةً وقد انحسرتْ عن وجهها إماراتْ الصلف:- هل أيقظتَ أحداً ؟! فأجبتها بأني لا أدري..وبعد ترددٍ أضفتُ\"وضعتُ المخدةَ في مكاني حتى أضمنَ نجاح حيلتي أطولَ وقتٍ ممكن وهم يظنوني نائماً\"0 ولم تعلق على دهائي الذي أثار إعجابهَا إلا بقولها\"يا عفريت\"!! وتدفقتْ من شفتيها ضحكاتُ تأييدٍ كانت خافتة لأنها أسْدَلَتِ الحجابَ على وجهها سألتُها ، وَيَديْ تتدلى كالخوصةِ بين أصابعها كيف ستهتدي إلى الطريق وهي محجبةُُ بهذا الشكل فلم تزد على أن دفرتني بهذه اللازمةِ التي طالما سمعتُها من الكبار عندما يخُفِقُون في العثور على إجابات مقنعة :- الله كريم يا محمــد !! - هل هو بعيد بيت أمي ؟ ! - الله دليلنا يا محمد !! \" عدّ للميه ونكون عندها \" وبدأت أعدّ. قبل أن أصلَ إلى الرقم عشرة خانني حجرُُ وتعثرتُ ، فعادتْ – بعد أن كانت قد اختفت – أصواتهُم تنابزني من جديد . آن التفتّ كان ( ناصر ) يشلح سرواله قبالةَ الحائط ويتأهبُ ليبولَ على اسمي المكتوب بالطباشير للتو . وبحركةٍ سريعةٍ من يدي أرسلتُ له بريداً يفهم مغزاه جيداً ، كان بياضُ ساقيه صرخُ تحت شمسِ الصباح ، وفخذاه مكتنزان . أَخَذَتْ الحجر الذي أعاقني ، وناولتني إياه ، وقالت بحسم لا يحتمل الأسئلة الفضولية :- أتفل ، وسمّ الله . قلت : \" بسم الله ، وبصعوبة استطعتُ أن أتفل \" هل يضايقونك دائماً ؟ سألتني خالتي . نعم ، عندما يجتمعون فقط ، لكنني فيما بعد أتربصُ بهم في طريق المدرسة وأقتصُّ منهم واحداً واحداً . ستكون إن شاء الله سيافاً في المستقبل!! عند هذه الكلماتِ انفتحت لي سماءُُ ملطخةُُ بالدم،وكُوِّى سواء تمُطِرُ جماجِمَ ساخنةً وعظاماً وعيون قتلى تبلط طريقنا،وعاد الهلعُ الذي اعتراني في أحد نهاراتِ الجمعة يوم أخذني أبي لنتفرجَ على القَصَاص لا من أجل شيء ،إلا لكي يُلقنني درسا في الموت لو أني فتحت فمي وسألت عن أمي،منذ ذلك اليوم الأسود لم أعرف طعم الأمان ولا مذاق الانتماء ،ومن يومها وأنا أسأل: أين أنا؟هل أعثر على نفسي في السياف أم في القتيل في انتقام السيف أم في توبة الرقبة المكبة على الأرض 0 ظللت بعد ذلك لأسابيع طويلة لم أزدرد طعاما قط إلا تخيلته مغموسا بالدم لاحت لنا عدة بيوت بائسة..حررت يدي،وأسرعت خطواتها، وثب الرجل الذي عرفت أنه جدي لأمي عن العتبة،وبعد أن سيطر على جسده الضخم انحنى وعانقني جالسا،كانت يداه محجلتين بالطين الأزرق لأنه يرمم بعض الندوب في الجدار،وكان يرتدي ثياب الشغل،له صدر عريض أشبه بطاولة،وخزتني الإبر النابتة في فوديه مما جعلني أرتد عنه،لكنه جذبني،ورمى بوجهي إلى شعر صدره الأشيب،طوقني بمرفقيه0 كان يتفادى ما أمكنه الحذر أن يوسخ ثيابي..وكنت أحس بحركة رأسه،وعيناه تفتشان عن وجهي الضائع في المتاهة0 تناهت إلي أصوات متقطعة تشبه البكاء، وهو يقبل عنقي 0 علقت فجيعتي في سؤال لم تفوه به: هل يمكن أن يبكي الكبار مثلنا إذ كنت أعتقد أننا عندما نصل إلى سن معينة نتوقف عن الكثير من أعمال الأطفال مثل البكاء،والتبول في الفراش ، والمعارك الصغيرة،وإيذاء العصافير ، وتهديد المراهقين الذين يدخنون سرا في الخرائب أو في داخل العربات الميتة بعيدا عن الطرقات وعيون الأهل0 زعقت خالتي حصة من خلفنا:(لا تخنق الولد يا شيبة عرعر)0 أذعن لها جدي إذ هب من فوره وانسحب واقفا ،كانت الفرجة بين ساقيه من الاتساع بحيث تكفي أن أتسلل منها وأعبر تحت جسده الشبيه بتمثال إلى ناحية أمي الواقفة في ضحى البيت0 انهدمت خيمة من الأسى عن وجه يختلج فيه البكاء 0 امرأة أصغر مما توقعت0 ضمتني إلى صدرها،لم أشعر تجاهها بشيء ،وقفت بين يديها هادئا ورخوا كطحلب،تقبلني وتطلب مني أن أبادلها القبلات نفسها،لكنني ألتفت صوب جدي الواقف كأنه راية منكسة 0 في الظل المنكسر عن الحائط الشرقي جلسنا نحن الثلاثة نراقب جدي ،وهو يضع مزيدا من التبن على رغوة الطين ويكلم نفسه بكلمات تفوح برائحة الرثاء واليأس0 كان الفناء مملوءاً بالجلود التي تنتظر الدبغ0 طفت حواليها قليلا،ثم دلفت إلى غرفة أمي،فاستحسنت أن أجرب فستانها المعلق على ظهر الباب،وأفاجئ الجميع بأن أتقمص دور امرأة تتسول،لكنني أحجمت بسبب الجوع ، من الخارج جاءني صوت أمي وهي تناديني لأول مرة في حياتي،وأثناء إفطارنا صاحت خالتي: -وأنت- يا شيبة عرعر- متى نفرح بك بعد المرحومة؟ رمقها مليا،كأنه يحدث نفسه أن يتجاهل خفة دمها،لكنه قرر أن يسايرها،وقال: -ما بي جلد يا حصة على الحريم؟ - لكنك تبدو فتى قويا ولك زند يبرك عليه الجمل أضافت على سبيل التهكم ولا تخلو من الوسامة - اذكري الله يا مخزية العين وصلي على النبي! جمل يبرك عليك إن شاء الله0 ولم يعطها فرصة لتجيب،إذ دعاني على الفور لأضع بصمة بباطن راحتي على بقعة الطين الندية،عندما قفزت ملبيا نداءه لاحظت أمي مزقه ثوبي عند موضع الركبة ،جاءت بالإبرة وخلعت ثوبي وشرعت ترتقه ،سألت متى نذهب إلى العرس؟ فرت من عينيها حمامات مرتبكة ومرت على قسماتها غيمة من خفر،وانصرفت تحدق في المرأة التي هربتني كأنها تحثها على الإجابة بالنيابة عنها،والتي فهمت بدورها الإشارة،ونسلت على الفور من صدرها ورقة من النقود ولوحت بها لي على سبيل الإغراء طالبة مني أن أغني لها من أناشيد المدرسة.. وقعت في شرك النقود،ورفعت عقيرتي بالغناء \"نحن أبطال المطافي.. قبل أن ندعى نوافي\" مخبئاً أملاً كامنا في اقتناء دراجة جديدة.. أدفعها بيدي ثم أنط فوقها وأخيط كل الطرقات،فإذا خلوت ب(ناصر) عرضت عليه المقايضة.. أن يستدير بالدراجة التي تسمح لي أن أركله من مؤخرته في مقابل أن يغشي الملعب ذهابا وإيابا ،ولحظة أن أصفر له عليه أن يمتثل أو يستأنف اللعب لقاء مذلة أخرى0 نصحتني أن تعطيني- بعد أن ختمت نشيدتي- ساعة بدلا عن النقود فرفضت،عوض أن تشتري لي ساعة،طلبت منها أن ترسمها على معصمي0 قهقهت وهي تلوح لي بمرود كحلها،ومن ثقوب ضحكاتها المتقطعة كانت الكلمات تتطاير من شفتيها المكتنزتين،ويداها مشغولتان بالتصفيق وجذعها يتراقص \"العبد الأسود قرقع الباب…………… \"تعبيرا عن السخرية من خطوط الكحل على معصمي السوداء0 في الحال وثبت عليها،واختطفت نقودي حتى سقطت مغشيا عليها من شدة الضحك وتكومت فوقها لكي أرغمها أن تكف عن الشماتة0 ولما لم تفلح في مقاومتي هددتني بالختان0 بعد المغيب بقليل كان بيتنا يغص بالأولاد0 أمي اختفت بعيد الظهيرة،وكنت باستمرار أذهب إلى الحمام كي أطمئن على النقود..وأتأمل\" الصندل\"الأزرق المشغول من موجة ضالة،باردا على قدمي،وملتفا حول كعبي بحنان منقطع النظير0 وإذ عدت في المرة الأخيرة.. كانت النساء يشيدن أغنيات صغيرة ذات إيقاع سريع واسم أمي يلتمع خطفا بين الكلمات ثم يغيب، ووحدها كانت منكسة الرأس داخل الزفة والنظرات تتجه إليها،ترتدي ثيابا زاهية ، وقد بدت أصغر بكثير من سنها0 وحدي كنت أراقب الحلقة المرصعة بالنساء باستغراب..وأصغى إلى صوت العصي التي تهوى على الطبول في الخارج..أتحسس ظهري،وأحول بكل ما أوتيت من خوفي من الغد..أن أجد خالتي ،التي لم تكن إلا خالتي من الرضاعة لعلي أجد في عباءتها المضرجة برائحة البرسيم خيطا أرتق به آثار الجروح التي ستتفتح عندما يتنزه السوط على طول جسمي وأنا تحت قدمي أبي أرقب السماء البعيدة ، ومن حدقتيه يتقادح شرر أحمر ممدداً على بعد سيف أو شاهدة من موتي.
التعليقات
نادية كيلاني
نادية كيلاني
12/14/2008 12:18:27 PM

عبدالرحمن الدرعان

فوجئت أن القصة من سنة 2002 ومرت عليها السنوات 2008 / 2007 / 2003 / ثم 2002

 وأنا وحدى من حرم من هذا الفيض الغض وهذا النهر الذى يسقينا عسلا ولبنا، بوركت أخ عبد الرحمن وبوركت أناملك التى وشت هذا الرداء الكاسى لطموحنا فى أن نحصل على النص الذى يخرجنا من ربكة الحداثة

  

مجتبى محمد عثمان
مجتبى محمد عثمان
12/9/2008 11:08:51 AM

أحد أجمل القصص التي قرأت مؤخراً، يعرف القاص كيف يضع المعلومة في سياق القص دون أن ننتبه إلى أنها جملة خبرية، مثل (:"مشواري هذا ـ يا قطّاعين الأرحام – يعادلُ حِجة،الولد لازم يشوف أمه") وهي جملة غير مباشرة تحمل خبر جديد وهو أن الطفل سيخرج من البيت ليرى أمه مع خالته ، وهذا الأسلوب أفضل من أن نقول مباشرة (خرجت من البيت لألقى خالتي التي ستذهب بي لزيارة امي)
هذه الملكة تختصر سبعين بالمائة من ملكة القص الكلية، تذكرنا بجابرييل جارسيا في هذه القدرة الرائعة على التكثيف التي يمكن أن تصل فيه عبارة حوار واحدة إلى مستوى قصة قصيرة بحيث يستحيل النص إلى مجموعة من القصص القصيرة المتشابكة
لست ناقداً محترفاً لكني أرى أن الراوي الذي في الاجمال هو الصبي الطفل يجب ألا يشعرنا بأنه على قدر من البلاغة في بعض المواقع، وأنا أعيب ذلك على الكاتب فبينما نقرأ القصة من منظور طفل صغير فإن التشبيه الحاذق مثل (وأتأمل" الصندل"الأزرق المشغول من موجة ضالة) ومثل (سألت متى نذهب إلى العرس؟ فرت من عينيها حمامات مرتبكة ومرت على قسماتها غيمة من خفر) وهي تشبيهات لا تتأتى لذهن صبي وبالتالي فهي تعيدنا لذهن الكاتب مما يجعل شخصية الطفل ممتزجة بشخصية الكاتب في بعض مناطق النص، بينما من الأسلم أن يكون الكاتب مختفياً تماماً خلف ظلال شخصياته (يظهر الراوي فقط)حتى يحس القارئ بأن الكاتب لاوجود له على الإطلاق وأن القصة تحكي نفسها بنفسها.
هذه الإشكالات يمكن معالجتها بحيل لغوية بسيطة جداً فعبارة (فرت من عينها حمامات مرتبكة) التي لايمكن أن تتأتي للطفل يمكن أن تكون (وبدا لي وكأن شيئاً خرج من عيني أمي .. شيء أبيض كالحمامة الصغيرة ) وإذا رجعنا إلى النص مثلاً قبل الجملة الأولى (بعد المغيب بقليل كان بيتنا يغص بالأولاد  أمي اختفت بعيد الظهيرة،وكنت باستمرار أذهب إلى الحمام كي أطمئن على النقود..وأتأمل
" الصندل"الأزرق ..) نجد أن النص يسير مسترسلاً فالبيت مليء بالأولاد والأم اختفت وهي ملاحظات صبي اذ لايعرف أين ذهبت الأم التي من الواضح أنها ذهبت لتتهيأ للعرس ، وكان أيضاً يذهب إلى الحمام ليطمئن على النقود وهذا أيضاً تصرف طفولي فهنا النص يسير بشكل جيد وسلس وحين يأتي التشبيه (الصندل المشغول من موجه ضالة) تبدو كنتوء في النص يمكن الهروب منه بأن نقول مثلاً (الصندل الذي يذكرني بأمواج البحر) حتى يظل القارئ يتأمل الواقع من وجهة نظر الصبي (الراوي) وقدرته الذاتية البسيطة على التشبيه فمن المهم جداً أن نكتب حين نكتب بأن نكون شخصياتنا.

بشكل عام القصة رائعة جداً واستثنائية مزيد من الابداع أخي عبد الرحمن وفقك الله

 

عبدالرحمن الدرعان
عبدالرحمن الدرعان
12/8/2008 5:33:41 PM

الإخوة الأعزاء

سمير الفيل

جلنار

بسام

خجل من نفسي وأنا أجيء متأخرا لأقدم لكم جزيل الشكر على كلماتكم الباذخة

ولكن لم يكن ذلك بيدي فكلمة المرور ضاعت مني وأخيرا أدركني الصديق العزيز حبير شكرا له وشكرا لكم

سمير الفيل
سمير الفيل
10/11/2007 12:23:07 AM

رحلة البحث عن أم .

قراءة في قصة " العرس " لعبدالرحمن الدرعان

 

رؤية نقدية : سمير الفيل

 

رحلة التعرف على الأم . هي تلك الرحلة التي يقدم عليها الابن عن طيب خاطر كي يلتقي بتلك المرأة التي انجبته ثم غادرته منذ زمن بعيد فلم يعد يربطها به شيء سوى ذكريات مضببة بعيدة أو حنان شاحب بهت من أثر الغياب .

 استطاع القاص أن يحفر في أعماق الطفل حتى لامس الطبقات الجوانية الخفية ، فهو يحاول أن يحصل على النقود من تلك الأم ،  ويلعب مع أطفال من سنه لا أكثر ، وحين يحتضنه الجد لا يشعر بأية عاطفة ، وكذلك يفعل مع أمه

وسوف نرى أن رحلته مع الخالة ـ من الرضاع ـ كانت مؤسفة فالصغار يطاردونها بقرص الكلم، وهو يحاول أن يدافع عنها وعن نفسه كغريب في مكان ليست له معه أية ذكريات.

في الحلم ، وقبل أن يغادر البيت متسللا طارده حلم أسود ممتليء بالجثث ، وهو الأمر الذي يتحقق حين تذهب تلك الأم وتفلت من يده في موكب زفاف كان شاهده .

مفردات البيئة بكل ما تحمله من تفاصيل مشهدية تقاطعت مع ترديدات الحكي بما يرتد بنا لمثل هذه الرحلات الجنائزية المشحونة بخيبة الأمل وانكسارات النفس.

 بوضعه الوسادة كخديعة للأب يكون قد تواطأ مع الخالة وأحسن تدبير أمره فرؤية أمه كان هاجسا يعيش داخله ، يؤرقه ألا يعرف قسمات وجهها .

لن تنصفه الأم لحظة رجوعه إذ تحتضنه فقط دون أن تدرك أنهما غريبان بكل معنى الكلمة ؛ فهو ابنها برابطة الدم لا أكثر .

لكنها في تلك اللحظة بالذات ـ لحظة اللقاء الذي تأخر كثيرا ـ ستنفصل عنه وجدانيا بعد أن غابت عنه جسديا على امتداد سنوات بعيدة.

عبدالرحمن الدرعان استطاع ان يحافظ على الحكاية بوعي عميق ، وأمكنه كذلك أن ينقل لنا بكل صدق واحتراف معنى أن يكون  قادرا على  أن يتسلل للقلوب الصغيرة فتعيش اليتم مبكرا.

لا يمكن أن يفارقنا مشهد الجد ،  وهو يرمم جدار البيت ، فيضع كومات التبن على رغوة الطين ويكلم نفسه كلمات تفوح منها رائحة اليأس والرثاء. مشهد بسيط وجماله انه تم بدون أن يتلفظ شخص ما بكلمة واحدة .

تناوش" حصة " الجد بكلمات مرحة ، وهي تقود الطفل " محمد " ليقابل الأم وجها لوجه، ربما هي كلمات تخفف من قتامة اللقطة لكنها بالطبع لا تزيحها كلية .

لقاء مرتبك ، فاتر ، به مثاقيل حزن ، ربما خففته براءة الطفل وقدرته على مواجهة الأسئلة الصعبة بروح لا تعرف القنوط ، ولا تجمد " الصورة "  في الذاكرة طويلا .

في مشهد واحد وعبر زوايا متعددة كأنها المرايا سيكون أمامنا ثلاث شخصيات سردية ، كل منها يتجه اتجاها مختلفا عن الآخر:

 الأم ستذهب إلى بيتها الجديد بعد الزفاف ، لتجرب حظها مرة جديدة ،  والولد سيعود لبلدته وحيدا مجددا حزنه العتيق ، وسوف  يتلقى ضربات الأب الموجعة ، ويتحمل توبيخه، فيما سيبقى الجدالحكيم  واقفا يرمم الجدران القديمة.

قصة موجعة لكاتب صاحب خبرة إنسانية توسطت مفرداتها المتن السردي المشغول بإحكام لغوي واضح .  جسدت الحكاية تلك المأساة المتكررة في قرانا ومدننا العربية  بكثير من الحكمة .

 حسنا . هي الحكمة التي تصنع مساحات واسعة  لكشف المفارقات تدرك نقائص الحياة وتستوعب مكائدها كبرت أم صغرت!

 

سمير الفيل

دمياط 10/10/ 2007

 

 

جلنار
Public Anonymous User
6/23/2003 7:06:42 AM
حقاً لا أدري أين كان هذا القاص المتمكن ! أندهش بشدة إن تبرق أسماء في سماء الأدب ، بينما تبقى أسماء ذات ضوء خافت ، لانعرف عنها إلا صدفة! تمنيت لأول مرة أن لايحرق كاتب كهذا ماكتبه ! نصيحة للقاص حين يتلبسك الجنون ،أسرع لأخفاء ماتكتب قبل أن يطالها جنونك !