الزمن المكسور..
يتمنى أن لا يكون في هذا المكان، فللشعر طقوس للاستماع، التصفيقات التي يسمعها تتهاوى على الأسماع ، لديه إحساس أنه سمعها من قبل،إنه نفس السيناريو الذي يتآكل على الرفوف ...الشاعر ما زال واقفا ... مصلوبا أم ميتا... المهم أن الصالة ما زالت تردد للبياتي:
" نحن جيل الموت بالمجّان ، جيل الصدقات،
طحنتنا في مقاهي الشرق حرب الكلمات"
رنين كلمة "شرق" لم يبق له نفس الرنين السحري، إنه أصبح يقلق .. يُحرِّض..
الزي الكرنفالي لم يرهق إلا السواعد الميتة في حضرة الرقص...الأمطار المزروعة في الأرض تنبت الجراد... القبور تحت الأرض تحتفل بالشعراء .. هي ندوة الشعر "الميت" كانت ملصقاتها معلقة منذ الأزل على باب "الجحيم".. الندوة أقامها "الغاوون" لمحاصرة وظيفة الشعراء...
قبر "هوميروس" يصافح الآن قبر "عبد الرحمان المجذوب" تختلط الوجوه وتلعب الكلمات لعبة النط على الحبل وتتدفق القصائد...جذور البراكين...يصيح المصلي في وجه الفجر " بينهما برزخ لا يبغيان"
تطل الوجوه شاحبة اللون من راحة الجنون ، يلفُّها الضباب من بين ألياف أحشاء الماء..نقيق الضفادع يحيط بالأسماع، أُغلق أذني... تمر طلقات الريح الشاحبة لتخترق الجدران...حصان طروادة لا يمل الوقوف على الأحلام ... يجثم على خاصرة الزمن البابلي..
المشنقة منتصبة تنتظر الجماجم الصغيرة والكبيرة..تلفظ الرؤوس الحليقة، وتثور على وظيفتها.. تتنفس برئة العنقاء.. برومثيوس العربي يخنق نفسه في ثياب الكلمات .. قيل أن عزته تطل من أرنبة أنفه.. لقد أضاعته لغة الانتصارات فلم يحتفل بأيام نُحوسه ومآسيه.. قسيس المعمرين الجدد يصلي على الأرواح المخنوقة .. والمجذوب يحمل نعليه ويجري في مكانه ويصيح ..
"راكبة على ظهر السبع
وتقول الحداء ياكْلُوني"
ويردد شعراء المدن والخيام بصوت مسائي رخيم " بارد وسخون..."
المرأة المنتفخ بطنها تخترق شارع محمد الخامس وتلتفت في سماء الألوان والضوء، تشير إلى بطنها والعيون جامدة على الكراسي تلحس المساحيق... وتسافر نحو الألوان الهاربة..هي السفرة الثامنة" لسندبادنا" تعلن الإبحار والإبهار...
.. تطلق النساء الزغاريد المبحوحة..حيث ترقد الفصول على شرفات العمارات.. شيء بداخلي لا يصارحني وفراشاتي الطليقة تسرد أحلامها على مسامع القناديل المعلقة.
.. الصيف شديد الحرارة.. الرأس تنفجر..كل الطرقات صائمة وأنا أفتح الشهادة أمام السيارات.. البركان من ورائي ينفجر.. تتقاطر الشرارات على رأسي ، تشُجُّه ، بدأت في البحث عن كلمات الشهادة في جسد الوسادة فوجدت أسئلة كثيرة طُرحت على الماضي وما زالت الأجوبة الجاهزة منذ ألفي عام لم تنشر بالجريدة الرسمية...
الرأس مشقوق.. الجسد ميت.. يخرج الدخان من الفم، إن الشهادة بداخلي تحترق..والزمن رابض مكسور تحت الأجفان.. قطرات الماء تتكاثر على صِدْغي كالجمر، ركن الحلبة لا يسعني كي أسبح وأغير قاعدة اللعبة... لكني أجدني مُبعثرا بين أوراقي أمارس أحزاني الضاحكة...
التعليقات
عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
7/5/2005 7:06:42 AM

 

تحية عبقة للأستاذين :

الكاتب حسين الخطيب من سوريا

الكاتب محمد البشيٍّر من السعودية

أشكركما على مروركما من هنا

أما بخصوص أقصوصة " الزمن المكسور" فهي تشتغل علىإنتاج صور ذهنية تنتقل بالتدبير الانساني إلى الفضاءات المتعالية ، من المرئي إلى التهجيس باللامرئي .

فهل تتم الولادة بالموت؟

إن للصورة الذهنية التي توحي بها الأقصوصة لها علاقة وطيدة بموت الشاعر وهو موت بدون تخوم ،فالموت علة الحياة ، وقد يطلق الشاعر نظرته الأخيرة على التماثيل التي تصاحب جنازته  فيستحيل الأحياء إلى صور والشاعر إلى حامل نعشه إذ وحدها صورة الشاعر هي التي تتلقى التأبينات وهي وحدها الصورة التي تحافظ على نفسها من الانحلال

"الرأس مشقوق.. الجسد ميت.. يخرج الدخان من الفم، إن الشهادة بداخلي تحترق..والزمن رابض مكسور تحت الأجفان".

شكرا مجددا لمن مر من هنا

مودتي

  ..

 

محمد البشيِّر
Public Anonymous User
7/1/2005 7:06:42 AM

الأستاذ / عبدالنور إدريس

تحية لك ولقلمك الواعي .

النص مليء بالجلد لانكسار الزمن ، الشعراء تحت الأرض ، الشعر الميت ، المعلقات على باب الجحيم ، الغاوون أينما حلو ورحلو .

ثقافة الكاتب الواعية تظهر على النص بإسقاط الأسماء ( البياتي ، عبدالرحمن المجذوب ، هوميروس .. ) واستعارة شخوصهم لإسقاطهم في النص باقتدار .

تحية لك .

حسين الخطيب
حسين الخطيب
7/1/2005 7:06:42 AM
أستاذي الكريم عبد النور إدريس ..... شكرا على هذا القلم " التحليلي " الجميل .. والحمد لله أننا ما نزال على قيد الحياة !!!!
عبد النور إدريس
عبد النور إدريس
6/30/2005 7:06:42 AM

القاصة المبدعة فاطمة بوزيان..

.أنا سعيد بمرورك من هنا

وأشكرك على ذلك الترحيب الثمين وتلك الشهادة التي أعتز بها خاصة من قاصة لها مكانتها المتميزة بمعمار السرد العربي.

حكايتي مع القصة ابتدأت مع بداية التسعينات حيث كنت مواظبا على نشر بعض الأقاصيص بجريد  بيان اليوم المغربية .

أتمنى أن أتعرف كثيرا على أعمالك القصصية خاصة ,انا منهمك الآن على إتمام رسالة جامعية  حول السرد النسائي العربي.

دمت متألقة ..مبدعة بسمائنا الغائمة..