تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
( حالة خاصة )
حملتُ الحقيبة ، وهرولت مسرعة .. إضاءة ناصعة تنبعث من أعماقي ، تصافح صباحاً مشمساً يدخل معي في السيارة ، ويجلس في عينيّ .. صباح معبأ بالصحو .. على غير العادة !! جميل أن تخرج إلى يومك وأنت ترتديه وتتزين بلحظاته المفعمة بالنقاء .. عندما ينبع من داخلك نهراً شفافاً تسبح فيه زهرات ساعاتك المورقة بالعمل المضني !! يومٌ يأتيك على أجنحة عصافير تحمل معها حقول الكون المزروعة بورود الأمواج العشبية .. وتشعر أن العالم كلّه يقف أمامك خالياً من أحقاده .. يضحك لك بعينين تشعان بالصفاء .. يقول لك بابتسامته ما لم تقله الحروب على مدى عصور من السواد .. يرسم لوحته الملوّنة بأطفال الضحكات الشقية ، يخاطبني كأم ، ويحترف الحنان كحلم لم يكن الطريق يوماً يحلِّق هكذا في عينيّ ، لم يكن يوماً ضفافاً خصبة لأسماك الفرح تسبح في بساتين مشاعري !! رأيت الطرقات تقطف لي بحار المباهج في صمتها الحنون .. أشعر أن صباحي يتدفق لهفة إلى مدار يرمي بأحزانه إلى ما وراء المجرات ، حتى صوت المذيع الّذي كان يهدينا على طريقته صباحاً ملغّماً بالإحباط ، صار الآن كأنه يأتي من زمن ما ، ويرحل إلى زمن آخر !! عندما كان يصبُّ في أعماقنا القهوة الصباحية الطافحة بالمرارة كنتُ أنا أصب في أعماقي أنهاراً من الضياء تنبع من ذكراك .. في العمل كانت صديقتي تقبل ناحيتي بقامتها الفارعة وشعرها الأسود القصير ، تحمل إليَّ أوراقاً لأضع توقيعي عليها ، وهي تنفث من التعب وتشكو لي عدم التعاون الّذي تبديه بعض المراجعات ، ابتسم في وجهها ربما لأمتصَّ ذلك الشعور بالكآبة الّذي يغلِّف ملامح وجهها ، وربما لأنني اليوم أشعر بذكراك معي فابتسم للذكرى لا غير ! ـ اهدئي .. الأمور لا تُحلُّ بهذه الطريقة .. أجلسي وأشربي معي كأس الشاي بالنعناع! تنظر إليَّ باستغراب وشبه ابتسامة ترفّ على شفتيها الورديتين .. ـ خير !! .. ما الحكاية ؟ أراك اليوم سعيدة ؟؟ ضحكت في أعماقي .. أ لهذه الدرجة تبدو معي في ابتسامتي ، وتضحك مع كلماتي ؟!! انتابني شعور بالخجل والإحراج .. تشاغلت بتوقيع الأوراق المكدّسة أمامي ، وأنا أحاول أن أبعد ذكراك عن مخيلتي .. كنت أريد أن أدخل إلى عملي ككلّ يوم بكلمات جاهزة للتحاور والجدل ، بوجه مرتّب ليصير وجه مسؤولة تنتصب بجمود منهك خلف مكتبها .. وليس بوجه محبّ .. على وشك أن يعانق كلّ من يدخل إلى الغرفة في ذلك الوقت !! كنت مرتبكة ، منحازة بطريقة ما إلى اللون الوردي المبهج ، كان هناك غناء ما يتردد صدى آفاقه في أعماقي ، كنت طفلة تريد فجأة أن تنهض عن كرسيها الوقور ، وأن تلعب خارجاً بالمطر الّذي بدأت زخاته تطرق النافذة الموصدة بخجل ، كنت أريد للمطر أن يمسك بيدي ، وأن نبدأ انهمارنا معاً ! أليس للفرح حضور سري يعيد القلب وردةً معّطرة للكون ؟!! تركت جسدي يتنقل بين الموظفات في الصالة الرخامية الدافئة ، أواجه عيون النساء المنشغلة بهمومها الخاصة ، أردُّ على بعض التساؤلات والاستفسارات الموجّهة من بعض الموظفات ، لكنني كنت خارج ذلك كلّه !! .. كنت أمشي فوق الأرض الرخامية كمن يمشي فوق قطع الغيوم المتناثرة في وجه السماء قمرياً ، هامساً للنجمات المتلألئة بحبّ أكثر ضياءً ودهشة . ماذا لو كانت الحياة تشرق علينا من وراء غيمة ، نلّمها في وجنة القلب ! ، كم من حقيبة سعادة تحملها أيدي النساء الجالسات أمامي وفي أعينهن تعبر الحكايات الصغيرة للهموم اليومية المعتادة ، هل تخرج من أعين الأرق في فوضى مشاعرهن لتدخل قلبي بكلّ بكاء الأيام وتقلّبها ؟! .. أمامي تجلس ، يدها مهد صغير تنام فيه الأوراق النقدية الملوّنة ، وعيناها ماكينة سريعة لعدّ النقود .. تلفّ أصابعها حول الأوراق المالية في نهم .. عيناي على لوح الزجاج المغلق والمطر ذراعان نهريان يلمعان في الظلام .. بك أيها العمر الجميل تشرق أحلامي .. أغدو عذبة كثغر طفلة تنمو في شجرة ياسمين .. تطلعت إليها .. سمراء ، رشيقة ، تختفي خصلات شعرها المصبوغ باللون البنّي الفاتح خلف الطرحة السوداء الخفيفة .. تلتفّ بعباءتها الحريرية ذات الأكمام المزخرفة .. شقّت رداء الصمت النغمة الموسيقية المنطلقة من هاتفها النقّال قالت بصوت هامس متحشرج كأنما تسيل على لسانها الأوراق المالية : \" انتهى كل شيء .. انتظر سأخرج بعد قليل \" لابد أنه زوجها .. ينتظر رزم المال تنهال عليه ، ما الذي سيغيره ، ويجعله أكثر قرباً منها ؟!! .. ربما اعتقدت أن الوهج الذي يخلقه ذلك المال في عينيه سيجعله يحبها بشكل أفضل ، ربما أرادت أن تشتري قلبه !! كانت السماء تحمل عيونها الدامعة في الفضاء كلّه وتنظر نحوهما فيما كانت السيارة تغيّبها في الداخل وفيما كانت عيناه تحلّقان حول حقيبتها الممتلئة كصقر يحوم حول الفريسة ويشتهي اقتناصها .. كانت عيناي ستحكيان لها عنك لو أنها انتظرت قليلاً ورفعت رأسها نحوي والتقت نظراتنا بذلك الامتزاج الغريب والتداخل المفضي إلى الحديث التلقائي كنت سأقطف إحدى الغيمات وأطلقها في سمائها ، ستبني لها عشاً من الأنهار وسترفّ أعشاباً خضراء تغطي قلبها . كانت ستبكي بين يدي بكاءً حارقاً وستحكي لي عنه هذا الذي يتوارى خلف عتمة سيارته ويشهر خلفها عينين حادتين كاشتعال الحرائق في عروق الغابات ستقول لي أنه لا يفرد لها ابتسامته إلا بعد أن تنشر في عينيه وداخل جيبه تعب نهارها المُجهَد .. سأربّت على كتفها ثم أطلب منها أن ترمي به خارج نافذتها لأنه لا يستحقها .. ستضحك وستقول لي إنها لا تستطيع ذلك لأنها اعتادت وجوده في حياتها !! .. أيا قلبي هل ألومها ؟ أيتها النساء هل يمكن أن نعيش في جزيرة تضمنا وحدنا ؟ سوف نشعر بأن في الأمر خطأ ما ، وسوف نحثو التراب على الجزيرة وندفنها ونجدّف في البحار كافة حتى نصل إلى جزيرتهم المضيئة بعرائس الأقمار ونرمي بأنفسنا في قلوبهم ، نقيّد قلوبنا إلى أشجار أوامرهم ، ونلفّ حولنا ـ ونحن نتذمر ـ حبال قراراتهم الصارمة ، ولا ننسى أن نزرع همساتنا الدافئة في عروقهم ليذعنوا لنا !! غيمة أخرى ترشّ حبات المطر ندياً بالفرح على وجنتي الزجاج الجانبي للسيارة في طريق عودتي إلى البيت ، كانت الشوارع تتهيأ للاغتسال .. والحياة تتدفق طازجة في عيون الناس والباعة الّذين يقف بعضهم أمام دكانه ينتظر إطلالة زبون ما في هذا الظهر الندي .. وشمسك تسرق الضوء من أعين السماء المبللة بزخات مطر حنون وتصبّها في عينيّ دافئة متوهجة بعطر قصائد لم تستنشق بعد عبيرها بساتين أحرف تندلع من أجنحة الفراشات .. طفل يحمل علب مناديل ورقية يقفز بها إلى رأسي الّذي يختبئ خلف الزجاج ، يمارس فراره الواهن من بين يدي براري تدقّ صحاريها ساخرة في الهواء الرطب داخل أنفاسي .. كانت عيناه ملونتين بشوارع مضنية العبور .. تركض فيهما كلمات تهشّ التعب وتنفض الصداع .. يمدّ العلبة في عينيّ وأخرج من خربشة أحلامي بك إلى عواء أنفاسه المحترقة .. وتلك الأشجار التي تكسر مصابيح عناقيدها تباعاً وتجري متعثرة بنوم الكبار .. \" علبة مناديل سيدتي \" وكدت أن أخرجك من العشب المنتفض داخل عيوني لتراه .. صغيراً وقانعاً تضطرب اللحظات لمرآه .. ولسكرية الكلمات الذائبة في فمه الّذي يجرّب لغة الاستجداء !! أيا قلبي المتعب بك .. ثمة حياة لا ندرك كم هي مثخنة بالوجع .. ثمة صفعات للحياة لا نسمعها وهي تسقط بقسوة على وجنات صغيرة وطريّة وكان يمكن أن تدخل إلى أحلامها بتلقائية طير يفترش غمامة !! .. يركض مخلِّفاً في حجري علب المناديل التي كان يحملها تتبعه نظراتي وقد توسّدت كفّه الصغيرة جيب قميصه الأزرق الباهت .. صحاري ألم تزحف نحوي ، أحتال عليها بحضورك في ذاكرتي .. وأنت إلى جانب أيامي أعبر بك المنعطفات المنسية لذاكرة الحياة عمراً منحازاً إلى مطر صوتك يهطل ندياً على ظمأ القلب .. أحملك في داخلي غابات أحلام متقاطعة ، أتجول بك وأتوقف في محطة غاباتك المضيئة لأنك لا تنتظرني !! .
التعليقات
()