تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور؛ الذي يحتوي على الكثير من الخدمات، التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المدرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
ومات مبتسماً
ما بال هذا السعال لا يفارقه حتى وهو فيلحظات نومه وهدوئه ..؟ يحاول أن يتخلص منه بأن يبتلع ذلك الدواء المقرف.. لطالماكره أن يشربه ولكن لا مفر فطبيب المخيم نصحه بشربه و إلا فإن حالته ستزداد سوءاً ..ابتسمبسخرية ، منذ متى كان يهتم بحياته ؟ منذ متى كان يعتبر نفسهإنساناً له كيان..وجدان .. مشاعر ..؟ فلتزدد حالته سوءاً وليذهب جسده للجحيم ..هذا الجسم النحيل الأسود الذي ضاق ذرعاً بحمله معه أين ما حل ..لماذا..؟ لماذا يحمل لنفسه كل هذه الكراهية استقر ببصره على زجاجةالدواء التي بيده ..صارت فارغة ؛ أنزعج لذلك ورمى بها نحو زاوية الخيمة التيامتلأت بالزجاجات الفارغة . ألقى بجسده على الفراش المتواضع وجال ببصره نحو أركانالخيمة المتهالكة . زم شفتيه بمرارة تحمل كل ذلك الألم الذي عانى منه طوال تلكالسنوات ..منذ عامه العشرين وحتى عامه الثلاثين عشر سنوات منالمعاناة ..مذ غادر وطنه المليء بالثورات والتمردات والمذابح هرباً من القتلوالمرض والفقر والتعذيب .. أملاً في أن يجد ضالته من الراحة والهدوء في وطنآخر ووصل به المطاف الكر والفر اللجوء إلى عدن ..عدن السمراء ..وظنبأنة بوصوله إليها سيرخى بجسده لينام بهدوء دون أن يقطع نومة صوت القنابل والقذائفالتي تنهال على مدينته ليل نهار ..سيأكل بهدوء وسيعمل بهدوءأيضاً..وربما وفر بعض المال وبنى له بيتاً وربما يتزوج .. وتصير له أسرة..من يدري ؟ وتهاوى كل شئ ..عدن لم تكن هي المرفأ الجميل الذي أحبأن يستقر فيه ..وحينما خاب ظنه تلاشت أحلامه وتضاءلت آماله . نظر إلى جسده المريض حتى استقرت عيناه علىسقف الغرفة ، عرف أخيراً أن هذا الجسد قد أنهكه المرض و استوطنته جرثومة خبيثة ،هذا الجسد آن لة أن يستريح ..يستريح من حياة الذل والفقر والمرض والاضطهاد ..وكأن كل ما يكرهه ويخاف منه هو أن يموت وحيداً ..يحب صحبة الناسويكره الوحدة ..يكرهها ويخاف منها كثيرا منذ متى كان وحيداً ..؟! منذهربه وتسلله إلى عدن وبالأصح منذ أن توفى والده في تلك الحرباللعينة..بعدها ضاعت أحلامه في العيش بكرامة وفقد رغبته في الحياة وفر إلىعدن..لاجئا ؛ وجد الكثير من الإهمال..وعدم اللامبالاة بلجوئه ..ورأي أعداداً هائلة من اللاجئين أمثاله ، ضمهم جميعاً مخيم واحد يشرف عليهأطباء يعملون في المنظمات الدولية .. مرتأيامه..شهوره..سنينه..وهو لا يجد الراحة..كيف له أنيعيش ويحيا وكل من حوله يمقتون وجوده..بل وجودهم جميعاً ، ويعتبرونهم حثالةألقت بها بلادهم إليهم.. لطالما سمع هذا ممن يقتربون منهم ومن مخيمهم ..ولطالما رأى نظرات الاستعطاف والشفقة من زوارهم..ما كان يخطر ببالهأنه سيكون محط شفقة أنظار الناس . وما كان يفكر ولو للحظة أنه سيقضي كل أعوامه الشابةفي أركان مخيم.. تنهد بعمق.. لقد توصل لأمر ما ..بعد هذهالسنوات..ما عاد في العمر بقية ..هذا السعال..في الأمر سر ما ..! ذلك الطبيب ذو الوجه الأحمر المتقد تحدث بلغة لا يتقنها هو..لميفهم شيئاً مما قاله..وما شعر به هو تلك النظرات التي تبادلها مساعدو الطبيبحينما استمعوا لتعليقه على نتائج فحصه . أدرك حينها بأنه مريض ..ومرضه مستعصٍ..لا يدري ما هو..؟! ولا يظن بأنه يدَّعي المرض ..فهذا المخيم الذي يقطن فيه..والحال المزري..والأوبئة التيتحيط بهم..وتلك الدماء التي يخرجها من فمه في كل نوبة سعال تنتابه.. الأمر لا يتحمل السخرية والابتسام..صحته في تدهور مستمر ..إذن لماذايبتسم ؟ وبدون سابق إنذار..في لمحة بسيطة وجد نفسه يعتدل من رقاده صارخاًمنادياً زملاءه .. دقائق..حتى ألتف حوله زملاؤه ..زملاءالشقاء والمعاناة وكل منهم يهدئ من روعه ويخفف من حدة صراخه .. لماذا صرخ ...؟ ولماذا أحب أن يراهم.. هل هي صحوة الموت؟ هل هو الخوف من أنيفقد آخر أمانيه.. الخوف من أن يموت وحيداً بعد هذا العمر المُضني .. لم يعديشعر بشيء مما حوله ..كل ما استطاع أن يلمحه بعينيه المليئتين بالدموع ، هوتلك الجلبة التي أحدثها صراخه وذلك الطبيب الذي حاول أن يحتوي الموقف بأن يغرز لهبعض الإبر في ذراعه .. لحظات ..عيناه ترتخيان وبعض التأوهات الهلعةتصل مسامعه، لم يعد يرى شيئاً ؛ بعض الدماء تحجب عنه رؤيتهم . السعال أخرج ما تبقى من دماء فيجوفه،وبرغم كل ما حدث أغمض عينيه بهدوء ..وابتسم .. أجل ..ابتسم بعد سنين العناء ولأولمره من القلب ..ودون سخرية..الآن ..الآن فقط لم يكن لوحده فيأحرج مواقفه..وأخيراً كان هنالك من يخشى وفاته ويحاول إبقاؤه على قيد الحياة . وأخيراً ..مات مبتسماً..!!
التعليقات
()