تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
وشوشة جدران ناعمة
كثيراً مايمشي أبي في ظل الجدار ، لا يحب أن يلفت نظر أحد ، ويكره أن يحكي جليسه في السياسة ، يقول لي دائماً ، انتبه لنفسك ، لاتثق بأحد حتى لو بدا لك صديقا ، ربما ورث هذا الخوف عن جدّي الذي اشتهر بكلمته المعهودة : ( يابني ، لاتكن رأسا ، إن الرأس كثير الآفات )، حتى أن أبي يضيف من عنده ، أن أول مايُجز من السنابل رؤوسها ، وأول ماينحر من الدواب الظاهرة للعيان ، فلا تظهر حتى لاتؤخذ على حين غرة . أما أمي فقد حفظت عنه ، أن للجدران آذان ، فلا تملك إلا أن تصمت في حضرة الصمت ، إذ الجدران وإن بدت صامتة فإنما هي تتنصّت وتصغي . لكن لا أحد عرف قبلي أن الجدران تهمس ، توشوش في وله ، وتغمغم في لوعة مفرطة ! ! لا أحد وضع يده ليلاً على الجدار ، فهاله دقّات قلبه التي تشبه قلب طير مطارَد أو ذبيح ! ! لاأحد تحسس الجدران في ليلة صيف سواي ! ! أول مرة حكت فيها جدران غرفتي كانت قبل منتصف الليل بقليل ، غرفتي التي في ركن البيت ، يحفّها من الجانبين منزلان لا تربطني أي صلة بساكنيهما . ففي اللحظة التي أقلب فيها صفحة من " مدار الجدي " لهنري ميللر، جاءت دقتان خفيفتان على الجدار ، فبدا كأنه يتأوه ، كأنما كل دقّة جدار حرف ، الأولى ألف ، والثانية هاء ! ! أحسست أنه ينطق : آآآآآآآآآه ، لكنني لم أكترث ليلتها ، فنمت . بعد ذاك جاءت حروف الأبجدية كلها ، الألف والحاء والباء والكاف ، رغم أنني عرفت الحروف باكراً ، في الصفّ الابتدائي الأول ، لكنني هذه المرة صرت ألمسها ، ألمس الألف ، فأشعر بنعومة تشبه نعومة جلد أفعى ، كذلك الهاء التي لانحنائها ملمس هرة يمتد ذيلها قربها ، حتى أنني صرت أشعر أنني سأنام في حضن الحاء ، وستتلقفني بذراعيها الطويلتين . كل ذلك بسبب الجدران التي لم تعد تتنصّت كلصٍ عليّ ، بل بدأت تتمتم في ليالي الصيف مثل ساحرة . تعلّمت أن أمسح بكفّي على الجدار ، كأنما فارس يهادن أو يداعب فرسه ، حين تأتي في ليالي الصيف دقّتان متباعدتان ، كنت أجيب بثلاث دقّات ، ثنتان منهما متتابعتان ، والثالثة بعيدة شيئاً ما ! ! في الممر أصبحت عيناي تتلقّفان الأشياء الملقاة هملاً ، هاهنا ورقة مدعوكة ، غلاف مقوى لدفتر أحمر ، هناك وردة جافة ، مغزل تطريز ، قطعة قماش مشجّر . . كل شيء يدعوني لأن ألتقطة ، وأتفحّصه طويلاً ، وأطلقه في مراعي المخيلة ، أجملها كان ورقة من دفتر تفصيل بمربعات صغيرة انتثرت عليها حروف متضاربة ظللت ليلة كاملة أفكّك رموزها ! ! وسط الجدار العالي كانت تغفو نافذة ، تخفي خلفها ستارة ، ربما مقلّمة أو مضفورة من صوف أو قطن . النافذة التي وسط الجدار كانت تستيقظ أحيانا ، تفتح عيناً أو نصف عين ! ! وفي حدقة عين النافذة أرى البنت ، بشعر معقوص من الخلف مثل ذيل فرس ، أحيانا تتجول داخل الغرفة دون اكتراث ، وفي أحايين أخرى تظهر يدها المحفوفة بالأحمر وهي تحضن قماشاً تمسح به الزجاج من الخارج ، لكنها مؤخراً بدأت تحدّق في عصافير شجرة البنسيانة الضخمة ، ثم تلقي صوب الأسفل عينيها الذاهبتين في الخضرة ، فتراني أتحجج بسقي جورية المدخل ، وتبتسم ! ! بعدها ، لم تعد يداها تكتفيان بمسح زجاج نافذتها من الخارج ، بل وصلت إلى جدران غرفتي من ناحيتها ، تعلّمت أن تلقّن الجدار الإسمنتي شوقها ووحشتها ، كانت دقّات الجدار رسائل لايفهمها أحدٌ سوانا ، عرفتُ أن الجدران دافئة وحميمة ، وأنها تنطق وتحكي ، تهمهم وتبوح وتبكي ، تعتب وتحنّ ، تشفق وتئن وتهجر وتغدر وتغامر ، بالضبط الجدران تغامر وتخطىء أحياناً ، لتضعنا في مهب الخطر ! ! ألم تكن يدها المحفوفة بالأحمر وهي تلقّن الجدار أربعة حروف أعرفها جيداً ، قد أخطأت التقدير ذاك المساء البعيد ، حيث أمي بالصدفة تضع أمامي كأس شاي أطرد به النعاس استعدادا لامتحان الغد ، فأنصتت معي لخبطات الجدار : ماهذا الصوت ؟. تلعثمتُ : أحد يدق على الجدار ! ! تساءلتْ : لماذا ؟. قلت : يمكن أحد يعلّق لوحة ! ! غادرتْ سريعاً دون أن تقول شيئاً ، دون أن تسأل : ومن في نصف هذا الليل سيعلّق لوحة ! ! وفي ظهيرة الغد ، بعد أن عدت دائخاً من الامتحان ، كان سريري ومكتبتي الصغيرة وطاولتي في غرفة أخرى من الجهة المعاكسة للمنزل ، بينما غرفتي القديمة قد تحولت إلى مستودع للأثاث القديم الزائد ، دون أن تكفّ جدرانها عن الوشوشة ليلاً .
الرياض -نوفمبر 2000م
التعليقات
()
محمد عبد القادر بافقيه
محمد عبد القادر بافقيه
5/23/2005 7:06:42 AM

ولليل مجتمعا ، يبحث عن قصص جميلة

سعاد آل خليفة
Public Anonymous User
5/10/2003 7:06:42 AM
لقد استهوتني الخصوصية الغرائبية التي تسور بها قصصك !! لم أفقد حماسي قط وأنا أقرأ نسيج خيالك !! ولم ينتابني شعورا بالغربة وأنا أتجول بين أجواء فضاءاتك !! بل غرقت حدّ الاندهاش في ملكوت ملغم بالغموض اللذيذ!! سرني هذا التميز .. تحياتي
صالح القرني
Public Anonymous User
12/1/2002 8:06:42 AM
ما اروعك.....دمت لنا مبدعا
محمد الاصفر
Public Anonymous User
11/5/2002 8:06:42 AM
الجدران ذاك الاسى القديم مضغتنا جدران من لحم رحمنا ايضا هاجس الخوف المرضوع مع حليبنا من الوالدين .. شكلنا المستطيل اللحمى الغير محدد الابعاد ان تشظى ضاع .. الحرية فى التفتت ولالتئام نوع من العبودية المحددة بحيز القبر السيارة الزوجة كل الاشياء المحيطة بنا جدران احيانا لا تكون من اسمنت او فولاذ .. ان اعتى انواع الجدران هى جدران اللحم التى لا تتقتت الا بالنار فمن اين لنا بجدران نحرقها دون ان نشم روائح المها .. الجدران ماذنبها ؟ هى مثلنا مكلفة بعمل كى يرضى عنها .. التوفيق والتالق ومزيدا من الحب ..
احمد السليمان
Public Anonymous User
8/3/2002 7:06:42 AM
ما الذي يجعل من هذه القصة وأخواتها للأستاذ يوسف متعة كبيرة ؟ هنالك سر . والسر يكمن في نظري في طريقة بنائها. طريقة النحت والحفر والتشذيب . نعم ، ان الاستاذ يوسف من أولئك القلة من كتاب القصة المحليين لذين يمتعونك لسبب بسيط وقريب هو عملية (النحت ). فالجمل لا تكتب هكذا مرة واحدة وانما هي منحوتة بعناية بالغة ، وقد أنفق الكثير من الوقت في نحت كل عبارة .. هذا ما أراه بأم بصيرتي . وهذا ما يمتعني دائما في قصصه . انتظر منك الأروع دائما . وفقك الله ورعاك .
سالم العنزي
Public Anonymous User
4/6/2002 8:06:42 AM
رائع .. رائع .. رائع لكن ياأستاذي العزيز كيف وأين نجد كتبك ، فعلا لقد دخت السبع دوخات ولم أجد لك شيئا
عبد الملك
Public Anonymous User
4/4/2002 8:06:42 AM
شكراً على هذه القصة وسؤالي من الذي يجب عليه أن يفهم : لماذا تكتب ما لايفهم / لماذا لا تفهم ما يكتب ...
c>
Public Anonymous User
11/19/2001 8:06:42 AM
يوسف !! هناك ما يهمك ؟! لفت نظري هذا الموقع بأسماء لم نعرفها وأسماء كتاب عرفناها منذ البعيد وأعجبت بكثير الأسماء!! لكن هناك شيء ربما أعتبره لك المهم حول كتاباتك..هناك البناء وانت ممن يخفقون دائما الى تماسك في البناء وبلوغ القيمة الجمالية في الاسلوبية النهائية للنص . وهو ما يتطلب من القاص امتلاك رؤية قصصية متكاملة عن الحدث المطروح، كي يعي حقيقة ما يقوم به تجاهه والعمل على تسيير دفته على وفق ارادته ورغبته.وغير معقول ان تحدد إتجاه يبدوا أنه الفرادة هنا تتأتى من امتلاك التقنية اللازمة لانجاز النص المتضمن مراحله المترابطة من استهلال وعقدة وخاتمة، حيث يستمد هذه التقنية من الهموم اليومية لشخوصه، شارحا انفعالاتها وفعل انتمائها لواقعها بصدق ودون الحاجة الى رتوش تجميلية إعتبرها نقطة هي مربكة ، أنت كقاص لاتلبث أن تلبث ان تتحول بعده مع نفسك الى حوارية طويلة، ثم تلجأ الى اسلوب الاستفهام كثيرا في متن نصوصك كوسيلة لكسر رتابة القص في السرد. وهذا التداخل لا يعد تحولا في القصة الحديثة وتجريبا لم يعتمد السرد وحده عنصرا لها. فأسلوب الاستفهام يتكرر كثيرا، اذ نجده في كل قصة من قصصك هنا، بل بشكل متكرر. وتلك الاسئلة التي تجيء ضمن طيات السرد او في المقاطع الحوارية كما أسميها عملت على تحريك اللغة ونقل النص الى مراحل اخرى تجعله اكثر حدة بنظرة تفقد بعض القبول.. أتمنى ان لايكون ذلك مزعجا وأتمنى لك التوفيق..
ناعمة
Public Anonymous User
10/18/2001 7:06:42 AM
سؤالي للكاتب:هل شعرت يومآ بمتعة وشوشة الظلام ؟؟بداخلناومن حولنا تحيط بنا وشوشة مخاوفنا ..وحبنا ..وحزننا !!!وقد نملك في لحظات أن نترجمها الى مفردات مسموعة ومكتوبة!!ولكن يأسرنا الخوف..والتردد من جمود الواجب والمفروض ..والمتوقع منا وعلينا !! لقد أحسنت أمك بتغيير غرفتك عن جدران لن تحمل لك سوى الوشوشة ..والتي ستتحول الى طنين مزعج اذا أرادت صاحبتها وطالبتك أن تترجمها الى موسيقى ناعمة في سماء حبكما !! أرى أنك بارع جدآ في الوشوشات التي تهز الجدران ..وتطفىء أعمدة أضاءة الشوارع ليلآ !!وترمي بالوردة الحمراء أرضآ ..وتحفر بالقلب جرحآ لن يندمل !! ومع أمنياتي أن لاتستمر الوشوشة الناعمةالا تحت الضوء ..ومن خلال القنوات الرسمية..وأن لاتعتبر الغرف الصغيرة فوق السطوح المتهالكةهي الملاذ الوحيد لما في القلوب !!