تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
ماذا يبغي منّا الكبار ؟
أميل إلى اغتراف شيء من تلك الأوهام .. أجوس كظل سقط من غيمة حديقة أحلامي القصيرة الضبابية الناتئة من أعماقي كنبتة تفاجئ الصخرة وتطل برأسها الصغير على العالم الخارجي للبهجة ! .. في المدرسة لا أحتمل أن تنظر لي المعلمة ثم تشير لي بإصبعها الملطلخ بالطباشير الملون لأنهض وأجيب على سؤال أظنه ساذجاً بالقدر الذي يجعلني أبدو فاترة في وقفتي متمايلة قليلاً رادة رأسي إلى الخلف .. توتر ما يشمل جسد المعلمة .. تبدأ عيناها في تجميع الحطب وإشعاله ناراً متأججة .. تغتال لحظات الهدوء والروقان في وقفتها التي تصير صلبة ومتحفزة تندفع الكلمات الغاضبة من فمها كسيل هائج لا يتوقف .. أنظر إلى فمها .. أعبر شفتيها المرتجفتين إلى أسنانها .. بشرتها تتبقع باللون الأحمر .. لسانها يلتوي داخل فمها وعيناها تتسعان .. أقف كمنبوذ دون ملاذ .. كيف يفكر بنا الآخرون ؟ لماذا بدت مقتنعة بأني إنما كنت أسخر منها .. أتحداها عندما وقفتُ ببرود !! .. ماذا يبغي منا الكبار ؟ بدا سؤالي عابثاً كصفحة دفتر معبأ بالشخابيط وبصوت صفير خافت يأتي من الوراء ! التفت وابتسم وشيء في رأسي يهجم بشراسة على منطقة التوتر التي بدأت تغلي في داخلي ! وقفتُ دون حراك وكانت عيناي تحكّان شرر الغضب في أوداجها النافرة مسيطرة والمكان كقبضة يدها الملمومة .. أتوجس أن الأمر لن يمضي دون عقاب .. كلبؤة شرسة توشك أن تنقض عليّ تذكرت ما قالته صديقتي عنها ذات صباح هزيل \" ودّي أشوفها مع زوجها \" ولم أجد ما أعلِّق به سوى أن التهمت فطوري بنهم .. \" أبقي هكذا واقفة طوال الحصة حتى تتعلمي الأدب \" قالت ذلك ومالت بجسدها كلّه ناحية عيني كأنما تقول لي \" إنني أتحداك ولن يمكنك أن تفعلي شيئاً .. جربي \" بقيت صامتة .. لم أكن أجد مشكلة في الوقوف على قدميّ بمعدة خاوية .. ليس ذلك ما يشغلني الآن على الأقل .. انتقلتْ ببطء ناحية السبورة .. كان نصفها الأيمن ينجذب ناحيتي بتوتر .. أشعر بعينيها تدوران في محجريهما وتتلمسان وقفتي العابثة .. ملت ناحية الجدار واتكأت بكتفي على بشرته الملساء الباردة .. كان رأس زميلتي هيفاء يحاول أن يتجاوز قامتي المائلة والتي بدأت بالتراخي ثم قالت فجأة بصوت عالي مزعج : \" أبله ما أشوف السبورة \" ونسيت العلكة في فمها الواسع .. بصوت حاد خاطبتها المعلمة وكانت نظراتها تركض بعيداً عن وجهي : \" قبل أن تعترضي أرمي العلكة من فمك \" بصقت العلكة في راحة يدها ودستها داخل الدرج .. نظرتْ إلى الطالبات بإحراج .. مرّت على شفتيها الرطبتين ابتسامة سريعة ثم دفنت رأسها الصغير في الدفتر المفتوح أمامها .. بدأت المعلمة تشرح الدرس دون أن تنظر باتجاهي وكأنني كائن غير موجود .. عندما وجهت سؤالاً للطالبات رفعت إصبعي الممتلئ وكأنما أضعه في عينها ! .. تجاوزتني تفعل ذلك عامدة .. لديها تلك النظرة التي تحاكمني وتلفّ حولي حبل المشنقة وتدلّيني أمام عيون الطالبات .. تخيفهن بجعلي كائن مهمش أمامها .. \" تمسح بي البلاط !! \" كما سمعتها ذات نهار تحكي للمعلمات بعنجهية فارغة .. كانت قدماي خدرتين وأنا جائعة منذ ليلة البارحة عيناي طائران منتوفا الريش .. ولا زلت أطاردها بإصبعي الناتئ كعود قصب .. بدت محتدة وهي ترمق جرأتي .. قالت \" لم تكوني منذ دقائق متحمسة لأسئلتي وبدوتِ غير مكترثة \" قلت بصوت غسلته جيداً في حنجرتي : \"كنت مهتمة لكنك لم تمنحيني الفرصة \" قالت بغضب : \" عندما تحدثيني لا ترفعي عينيك بي .. هل فهمت ؟ \" قلت : وكيف تريدينني أن أحدثك إذن ؟ وعيناي في الجدار ؟!! ارتجف فمها الغليظ .. رأيته كسعف نخلة في فم عاصفة هوجاء .. اقتربت مني .. قالت بصوت يرتعش : \" هل ترفعين صوتك علي؟ \" أجبتها بصوت واهن مضطرب : \" لم أرفع صوتي .. أنا أردّ على كلامك فقط \" \" لا تردّي .. لا أريد أن أسمع صوتك \" \" ولكن .. \" قلتُ صرختْ قائلة : \" لا أريد أن أسمع صوتك \" أجبتها محتدة : \" كيف إذن تريدين أن نتعلم دون أن تسمعي أصواتنا ؟!! \" أدارت ظهرها بسرعة وخرجت .. قالت نوف وعيناها تلمعان خوفاً : \" يا ويلك .. بعد قليل ستناديك المديرة \" تلقفت سارة الكلام قائلة :\" لماذا تردين عليها ألا تعلمين دكتاتوريتها؟ كان عليك أن تسمعي وتسكتي \" قلت بصوت متعب : \" هل مسموح لي الآن أن أجلس.. أشعر بأنه سيغمى علي \" جلستُ منهكة والصمت يطنّ في أذني حتى جاءني صوت من الخارج يقول : \" أمل تبغاها المديرة !! \"
التعليقات
()
عواض شاهر
Public Anonymous User
7/23/2002 7:06:42 AM
مما يميز قصصك ، صدقها الفني وشفافية علاقتها بجوهر الشيء . الروح النفاشة ، الملأى بالإدعاء واصطناع القيمة لا توجد عندك . وهذا مما يحتاج أن يفر منه الفنان فرار العندليب من حدائق الطيور . حليفك المجد .