تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
لوليتا
لوليتا
لوليتا  : قصة قصيرة                 اسم ناعم  مدبب وصغير مغزول من ماء البحيرات الخضراء وأشجار الظل الهادئة .  محض مروره في هذه الصحراء  كان عقابا شديد القسوة.  منذ ساعة وصولها خلعت عليها أمي اسم ليلى  بعد أن فشلت في التمرين عليه أما جدتي فقد شرعت تناديها باسم لولوة على سبيل التدليل وكان صوتها الخشن يخترق الجدران حين تناديها فترد بنت الجيران من خلف السور فيما يناديها بقية العائلة كل على طريقته . لم تمض عليها عدة أيام حتى أصبحت سلة أسماء . وهي وحدها لا تدري هل هي ليلى أم لوليتا أم لولوة أم أنها شيء مثلي كبقية الأشياء المهملة  ؟؟ ولم يكن لها خيار إلا أن تمتثل وتتعايش مع واقعها الجديد كما لو أنها قبلت أن تحذف من عمرها عامين منذ أن قررت أن تكون صفقة في معادلة بطلها نخاس بليد قادم بمحفظة متخمة .   وحدي الذي أتقن أن يناديها باسمها . لأنني عاطل وليس لي مهنة سوى الكلام  أجر جسدي الثقيل مستندا على صابونتي ركبتي اللتين اتسختا كثيرا وأنام حيث يداهمني النعاس في المطبخ تارة أو في بيت الدرج أو تحت العتبات تراة أخرى . أتخيل أن والدها كان نحاتا أفنى عمره في الغناء ليختار لها هذا الاسم بمزاج رائق  وأمها كانت خياطة تسند جذعها إلى جذع صفصافة و تطرز للأشجار فساتين خضراء  قبيل حلول الخريف . قوامها يتناغم كثيرا مع اسمها كأنها ولدت قبل ولادتها لوقت طويل على هيئة رحيق سال من ابتسامتين  انفلتتا معا لصبية طرية على أهبة أن تكون أما وفتى يافع يلهث فرارا من برودة الوحدة التقيا مصادفة في ممر أخضر ضيق  قي غابة بكرلا يتسع بالكاد لعبور أكثر من شخصين .    لوليتا التي جردت من كل شيء حتى اسمها  وملابسها ولغتها وحياتها وأبنائها وصياح رضيعها والهواء القادم من البحر والشمس الرحيمة في بلادها والشوارع التي تثرثر بخطوات العشاق جاءت من أجلي . .حتى ذلك اليوم كنت أعتقد أن كل ما يحدث قدر لا مفر من القبول به وأنني مثل بقية الأشياء . لم يخطر ببالي لماذا ولدت بقدمين فائضتين عن الحاجة ليس لهما من وظيفة سوى إضافة فصل عذاب إلى جسدي الذي بدأ يصبح ثقيلا .  لم أسأل متى اختطفت الجن ذلك الولد ذات مغيب وأعادته مجنونا يصيح في الأزقة : (( أنا أبوكم وأبو شوشة وأجوزكم خيزران )) . وحين كان الأولاد يهرعون هلعا منه كنت أدب على يدي كالتمساح المشلول لأجتاز عتبة البيت .  أول مرة أشعر بأنني أحد أفراد العائلة بعد سنوات من انتمائي إلى عالم الزواحف عندما أخذوني معهم إلى المطار لكي نستقبل الخادمة . طوال السنوات الفائتة كانوا ينسونني حين أنعس في الفناء لأستيقظ على الماعز تلعق قدمي أو على دجاجة تلتقط بقية الغداء العالقة في يدي  استقبلتها  أنا وأخوتي الصغار وبنت جيراننا  التي أرسلوها معنا لتتفرج عليها ولما عدنا كانت أمي واقفة في انتظاررنا . عانقتها وقبلتها قبلات شوق كأنها تعرفها منذ سنين وحلفت عليها باليمين الغليظة أن تعتل حقيبتها بدلا عنها وجدتي أهدتها في اليوم الأول قرطين من ذهب هما آخر ما تبقى لديها من خردوات زفافها الغابر وأقسمت ألا تتناول وجبتها إلا بمعيتها  كأنها تكافئها سلفا على حفظ مواعيد الصلاة والأدوية المسلسلات البدوية التي تتابعها بشغف  ولم يمض سوى أيام قليلة كانت خلالها تستقبل الممرضة التي تزورنا وترصد خطواتها كقصاص الأثر حتى تعلمت أن تحقنها إبر الأنسولين بنفسها .  وتعرف أسماء الممثلين في المسلسلات وتفرش سجادة الصلاة لجدتي . أختي الكبرى التقطت لها  في اليوم الأول من وصولها صورة بملابسها التقليدية وجارتنا جاءت للتهنئة ومعها قدر مليء بملفوف ورق العنب .  أما أخي الأصغر فلم يجد وسيلة للتفاهم معها وراح يدربها على أغنيته الأثيرة : مرعية يا البنت مرعية . وكانت لوليتا تذعن وتحاول محاكاته باذلة أقصى ما يمكنها من جهد لاعتقادها أن هذه اللعبة جزءا من عملها الذي جاءت لأجله من وراء البحار .  أجر جسمي بين الممرات  فلا تبخل علي بنظرة فاترة  تفيض رقة وحنانا وحين تمرق إلى جانبي تترك يدها الناعمة في ضيافة رأسي بلمسة خاطفة كمن يرشقني بعشبة طرية تنفضني على إثرها قشعريرة من حياة لم أتذوق طعمها . امرأة تشبه تلك الدمى الصغيرة المعروضة في دكاكين الألعاب : فم  صغير تحفه ضفتان من شرائح البطيخ وعينان ضيقتان تختفيان  تماما بعد كل ابتسامة . أحببتها لدرجة أنني أتمنى أن أحظى منها بشتيمة . لا تتذمر ولا تئن أو ترفع صوتها الذي يبدو دائما خافتا  كما لو أنها تصلي. تتقن ارتداء الملابس التي اضطرت لتبديلها فيتضاعف الجمال المخبوء في جسدها الفاتن. تنهض من نومها مبكرة وتظل تحت الخدمة وبرسم الطلب حتى يرقد أخي الأكبر بعد أن تسخن له كوبا من الشاي  في مواعيده المضبوطة وكانت أحيانا تخرج من غرفته منكسة الرأس كسنبلة خائفة . لا تبادر بالكلام إلا نادرا وبكلمات مقترة بمقدار ما تفرضه  شروط المهنة  لكنها شيئا فشيئا تؤلف لنا قاموسا جديدا في البيت . تكتب الكثير من الرسائل وتتحين ساعة خروج أبي إلى العمل بدون أن تنبس ليلتقطها فتبدو يدها بالقرب من يده الضخمة أشبه برسم كاريكاتوري . هل كانت تنام  ؟ كان ما يشغل ذهني هل ومتى وكيف تنام  هذه العروس الفاتنة ؟ أفكر : ربما  تعمل على البطاريات مثل الدمى المزودة بمفاتيح صغيرة مضبوطة على مسجل صوت تضحك وتبكي وتغني وتنادي بابا وماما ؟ أزحف كالتمساح إلى غرفتها وعلى الباب أتوقف لاهثا جراء الجهد الذي بذلته أثناء صعود السلم . أسمع خشخشة غامضة لشجيرة تتنهد خلف الباب الموارب . وينكسر ظلي على هيئة هضبة صغيرة تتقدم باتجاه بحيرة مكشوفة عن آخرها .
التعليقات
()
محمد شامية
محمد شامية
12/26/2008 8:08:08 PM

الكاتب عبد الرحمن سلامة

تحية طيبة

ذكرتني قصتك بما حدث في مدينتي (حلب) منذ فترة ليست بعيدة .... دقائق من السيل الخارج بكميته عن المألوف أغرق حلب وجعل من فوهات الصرف تنبع بدلا من ان تبتلع السيول وخسائر بمئات الملايين التي لم يعلن عنها اعلاميا لكي لا يكشف عن التخاذل بالاهتمام بشبكات الصرف في المدينة وعائلات وكبار تجار تدمرت حياتهم بالكامل وغرقت ممتلكاتهم وبضائعهم بالماء وفسدت ..... وكثيرون كبطل قصتك غرق منزلهم بالماء حتى السقف ولولا رحمة الله لكانو في عداد الاموات ... ولا ادري ان كان هنالك ايضا خسائر بشرية غير معلن عنها ..... قد اكون خرجت عن الموضوع استاذي الكريم لكن شجعني على ذلك كونك صحفي

طبعا نصك يتوقف عند مرارة الفقر اكثر منه عند وجوب الاستعداد

مودتي

محمد السنوسى الغزالى
Public Anonymous User
12/24/2008 5:19:13 PM

الصحفي النشط الشاب الزميل عبدالرحمن سلامة مررت للتحية وايضا للإشادة بهذا السهل الممتنع الذي تكتبه هنا..وهذه هي تجربة الصحفي المُثابر يوظف ما يدور حوله على نحو فني رائع ..لك التحية

زايد التجاني
زايد التجاني
12/23/2008 10:48:30 AM

الاستاذ عبدالرحمان

قصة مشوقة ، ذكرتني بالمثل القائل : مصائب قوم عند قوم فوائد

نزول المطر يعتبر فائدة عظيمة عند الغالبية من الناس ، وأيضا مصيبة عند البعض وحتى عند المزارعين في حالات خاصة كفصل الصيف مثلا . لكن يبقى ان المصلحة العامة أولى ..وجعلنا من الماء كل شيء حي..ربما  هي دعوة منك الى ضرورة الاعتناء بالفقراء ...بتوفير السكن للمعدمين ..

جزيت خيرا

تحياتي 

عبدالرحمن الدرعان
عبدالرحمن الدرعان
12/14/2008 8:05:19 PM

الأخ مدحت منصور

تعليقك أسعدني  بشكل مضاعف

شكرا لك

عبدالرحمن الدرعان
عبدالرحمن الدرعان
12/14/2008 8:03:39 PM

الأخت نادية كيلاني

أسعدني تعليقك وشكرا لمرورك

مدحت منصور
مدحت منصور
12/14/2008 7:42:14 PM

أخي المبدع/ عبد الرحمن الدرعان

قرأت القصة مرتين مستمتعا بتعبير شدني نحو شئ خفي و أول ما فعلته أن رجعت لصفحة الكاتب لأني خيل إلي أن كاتبها هو بطلها الراوي و ذلك طبعا من روعة التصوير لمشاعر الفتى الزاحف ,دمت مبدعا

تحياتي

نادية كيلاني
نادية كيلاني
12/14/2008 10:39:03 AM

الفاضل عبد الرحمن الدرعان

قصة رائعة، على لسان طفل يزحف أروع ، شيقة جدا لا يصلح لها قراءة واحدة، ولكنى أحسها عمل روائى كبير

لغة بكر ونابضة وطازجة

سلمت على هذه القصة المطرزة 

 

نادية كيلاني
نادية كيلاني
12/14/2008 10:39:02 AM

الفاضل عبد الرحمن الدرعان

قصة رائعة، على لسان طفل يزحف أروع ، شيقة جدا لا يصلح لها قراءة واحدة، ولكنى أحسها عمل روائى كبير

لغة بكر ونابضة وطازجة

سلمت على هذه القصة المطرزة 

 

عبدالرحمن الدرعان
عبدالرحمن الدرعان
12/8/2008 5:08:42 PM

الأستاذة نورة شرواني

أسعدني مرورك الجميل . وشكرا للماحيتك فثمة حلم يراودني

أن أكتب نصا طويلا يتضمن ملامح من هذه القصة بدأته ولكنني لم أتمه بعد وربما كتبته ذات يوم

نوره شرواني
نوره شرواني
12/8/2008 12:53:52 AM

لغتك فاتنة أستاذ عبدالرحمن ..

لكنني من التشوق والاستمتاع بالقصة تخيلت أن هناك بقية ..

عبدالرحمن الدرعان
عبدالرحمن الدرعان
12/7/2008 8:56:43 PM

الأستاذ يحي ولد أحمد الهادي

تحية  مغزولة بالضوء لمرورك