تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
صفيــح المراوبــة
[font=times][size=8][color=teal] على مهل أطل . شارداً . متأثراً . ينظر إلى هذه الشواهد الثلاث .. [color=green]خضرة النخل [/color]، [color=sienna]سواد الجبل [/color]، [color=skyblue]وزرقة السماء [/color].. نظرة تعكس ضياع الخطوة ، وخواء المكان . لفيف من نخل متداخل بعضه ببعض . متشابك السعفات بفوضوية . جذوع شائخة تنتسب إلى عهد قديم غير هذا العهد المليء بالإهمال لكل ما هو بسيط . المتجاهل لكل ما له علاقة بالأرض والجبال والكهوف والنخل والماء .. كأن الماضي عاد إلى وكره مثخن الجراح ليأتي هذا الرجل قبل الغروب متجهماً يرى بحياد هذه العوالم الصامتة منذ دهر .. ربما سعى لانتشال ذلك الماضي وصقله كجوهرة .. قد تسأله : من أنت ؟! لكن لا حاجة لهذا السؤال الآن .. دعه يمعن النظر . ستجيبه ذاكرة الحكايا عما يريد . استعادة التفاصيل غير ممكنة . رتق الفارق بينه وبين الحياة المعاندة هنا غير وارد.. ربما قد يكون ضرباً من المكابدة الشاقة ؛ لكن الأمر يغوي بأن يسير على هدي ذاكرة مشوشة : هذه نخلات جدي . هذا لفيف آخر لجدي من أمي .. هذا (حبس) عمي ، وتلك (غية مثلومة) لم تنج من التجاهل والإهمال حتى ظلت بقايا نخيلات تنتظر الفناء .. ذاك حقل الجوار الباسق . نخل مدلل ما زال يشع نضارة وارتواء لفرط عناية يوليه إياه تاجر اغتصبه باسم استعادة حقوق سابقة أو لاحقة . وحده الماضي هنا . آه .. دويه هائل يعذب .. هو ما يجعل التاريخ مجرد وهم صغير . وحده النخل المتقزم هو من يترك هذه الندوب المعاندة في وجه الفناء المحتمل في هذا العالم النائي . أخافه بحق هذا التشابك والالتفاف ، وهذه الفوضى التي يتركها النمو التلقائي للنخيلات دون تهذيب أو تشذيب . لا يرى من الأرض إلا دروباً ضيقة ، وممرات ملتوية تصنعها حاجة ما لولوج هذه الأحراش . مسارب ماء السيل الخاوية تفصح عن وجودها الفطري بتلك الأخاديد المتوسطة العمق . هجس على نحو فاجع لحظة أن نظر إلى الطرف الآخر .. بقايا أرض جرداء تحافظ على صمتها : لله در من اختار هذه المقبرة البسيطة . إضمامة قبور لبعض أهلنا الطيبين . اقترب : هاهو قبر أبي . قريب من قبر أمي .. ذك قبر من ؟ قبر من ؟! أظنه لعمي ، وذاك لعمي الآخر ؛ وذاك الجدث الصغير قيل أنه لجدنا الكبير ؛ بل قيل أنه لصغير سقط في بئر (الغوية).. هل حقاً كان جدنا حقير البنية لهذا الحد ..؟! أم تراه محض افتراء .. صدق ما تشاء من الروايتين ؛ فالأمر متساو ، وعديم الجدوى طالما أن لا أحد يمكن أن يسألك (من أنت..؟). أحدث خروج شخص غريب بين النخيلات دوياً وخشخشة لفتت انتباهه،وقطعت حبال تأمله المدلاة ببئر الماضي . ظل الغريب يرقبه لبرهة . تبادلا النظر . من أنت.. ؟! فاتحة القول المحتمل دائماً . قاوم رغبة لمحها تتوارد على قسمات هذا الرجل الخارج للتو من أعماق النخل بطريقة مفاجئة تنم عن فضول ورغبة بالإجابة على سؤال ( من أنت..؟!) . بيمين الرجل حينما أقبل (منجل) ، وبالأخرى (فأس) . لا تبدو على الرجل نوايا شر غير ما تتركه دهشة اللقاء الأول ، وما يرتسم عليهما من ملامح مفاجأة اللقاء .. (من أنت..؟) تتجدد كجوهرة صقلتها يدا الحذر ، والحياد في الحديث المقتضب بينهما بعد تحية عابرة مألوفة . الرجل الخارج من أعماق النخل قصير . بلحية كثة وعينين صغيرتين ،حادتين . ترك الزمن ندوباً فيما ظهر من يديه ووجهه .. ما كان منه ؛ورغبة في الخروج من مأزق الموقف المبهم إلا أن انحنى يحز أواخر سعفات النخل مشذباً .. سأله الضيف العابر .. (أبي صفيح المراوبة) . باغته المطلب ؛ليعتدل ، وهو يوجه إليه سهام دهشته : (وشلك بصفيح المراوبة) . رد العابر بما يشبه الإشفاق والمهادنة : أريد رؤيته . لي به ذكريات جميلة .. لعله كان يدعي زيفاً حينما قال ذكريات جميلة . كأن الرجل الخارج للتو من عتمته يراوغ : لم تأت إلا لتسأل عن هذا الصفيح .. جاء السؤل المدهش والمقلق على طبق من ذهب ( من أنت ..؟) ؛لكنه لم يسأل !! . ظلا على الحياد ، وظل الرجل المسن يواري سوأة التاريخ بغطاء فاخر من الكلمات : لو لم أكن هنا ما رأيت هذا النخل . الحياة تأخذ بالزوال والأفول والتناهي .. جميعهم هربوا .. أنت من بين من أدار الأكتاف عن هذا الصفيح والقيعان والغيايا .. بل والجبال ، والأرض . أنتم تحملون وزر قطيعتكم لهذا النخل . قد يحترق أو يزول لفرط إهمالكم .. هاهو يطنب بادعاء : أتركوه بالله عليكم لمن يحسن صونه ورعايته .. لا تتعجلوا رحيل هذا العالم الصغير.. احتد الرجل وهو يحز دون تركيز ما وقع تحت يديه من السعف الأخضر أو اليابس : قل بالله عليك من أتى بك إلى هنا ؟ ، ولماذا تسأل عن صفيح المراوبة ؟!.. (الخلف على الله وين صفيح المراوبة وين غيتهم التي تظلل الجمال وين القاع وباقي النخل ؟!) ناحت غابة النخل ، وأعاد النظر إلى الرجل الذي يعمل ويهذي بشكل متناغم : كل ما تراه أقوم على رعايته . هو حياتي الباقية هنا .. لكنك لم تجب .. لماذا تسأل عن (الصفيح) تحديداً ..؟ . قبل هذا وذاك عاود النخل نواحه بفعل هواء يبدي صلافة معهودة . جف نهر الضياء . تجهم الأفق ،وتهيأ العالم دخول العتمة .. ( من أنت ..؟!) لم يأت وقت لهذا السؤال حينما سار بمحاذاة المقبرة الصغيرة عائداً. ثار فزعاً لحظة أن تعثرت أقدامه بنخلة صغيرة ميتة . نحو المفازة المضيئة عبر مخلفاً رجل خرج من بين الشجيرات كثعلب وطأته حوافر الحذر .. [/color][/size][/font]
الرياض 12/10/1424هـ
التعليقات
()