تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
صفحات من ذاكرة منسية
\" أبحث عن وجه يعيد إليّ ذاكرتي فأنا فاقدة الذاكرة \" !! جروح مخيلتي نزفت ذكرياتها لسبب أجهله .. وراحت تلتحف الضباب ، وتستحم في بحر النسيان بلا ماض ! عبثت أصابعي بأوراق تناثرت على طاولة أمامي بغير اكتراث .. هذه الأوراق منقوشة بكلمات غامضة ، ومع ذلك استمرت أصابعي في فضولها الأخرس تداعب دفترا كان مختفيا بين الأوراق ! في أول صفحة وعلى الهامش كتبت كلمة \" مذكرات \" ! تأملتها .. هذا الدفتر قد يكون لي أو لأخرى غيري ، ومذكراته هذه ربما تمثل ماضينا الذي هرب أو مرحلة من مراحل حياتنا التي ضاعت في أدغال الزمان . شعرت برغبة جامحة تدفعني لقراءة صفحاته .. إذ ربما أجد بين طيات السطور ذلك الوجه الذي سيعيد إليّ ذاكرتي ؟! وبدأت أقرأ .. الصفحة الأولى \" كان الليل مقصلة النهار .. ولحظة الإعدام أعلنها لون الغسق .. في تلك الأمسية .. قالوا للصبية : - بعد غد ستتزوجين ! كانت في رأسها الأحلام معرّشة كالياسمين .. ندية كحبات المطر .. وملونة كالربيع . بنت قصرا بين النجوم .. وضعت فيه اسمين : اسمها واسم فتاها الذي ستحبه . تسلقت الثواني ، وعبرت الساعات ، وخطت حدود الأيام بكل القوة التي أغدقها عليها شبابها الفيّاض كي تصل بشغف وحنين إلى قصرها المزعوم . وفي أسفل السلم كان هناك رجل .. راح يقضم الدرجات بأسنانه .. كلما تسلقت الصبية درجة نحو الأعلى أعادها هو درجات نحو الأسفل ! وسقطت الصبية بين ذراعيه .. إنه زوجها الذي زفت إليه .. زوج يبدو كالخرافة في بدلته الذهبية .. وقد احتفل منذ مدة .. بعيد ميلاده السبعين \" !! الصفحة الثانية \" اليوم ربيعي .. والدنيا في ألق ساحر .. وعلى كتف النهر .. جلسا معا : رجل وامرأة \" ! - قالت له : يا شاعري .. ما تزال لك في القلب كل المواسم .. فلا تنه قصيدتك! - قال : يا طفلتي .. لا تأمري الشعراء .. فلكل قصيدة نهاية ! - قالت : إلا قصيدتي .. اجعلها قمرا غير مكتمل يوحي للمحبين باستمرار دنياهم. - قال : دعيني أنهي القصيدة فإن هناك – في انتظار نشرها – مليون جريدة ! - قالت : وماذا بعد ؟ - قال : سأكتب قصيدة أخرى . \" ومن وراء الجبال .. سمعت كلمات بلا أبجدية .. كانت تقول : - نعم .. سيكتب قصيدة أخرى .. في ربيع آخر .. على كتف نهر آخر .. ومع امرأة أخرى \"!! الصفحة الثالثة ارتفعت الأصوات صارخة : - أمي .. إني جائع . أمي .. لقد ضربني أخي وسرق مني لعبتي . - أمي .. بطني يؤلمني . ويتعالى الزوج العائد من عمله : - يا امرأة .. إني متعب وأريد أن أرتاح قليلا . تركض إلى أطفالها بخفة غزال .. تطعم الأول .. وتقاضي الثاني .. وتراضي الثالث .. وتداوي الرابع . يسود الصمت في البيت الصغير . تنظر إليهم بسعادة غامرة .. تحضنهم بحب وكأنها تحضن الكون كله .. تمتزج دقات قلبها مع دقات قلوبهم . آمنت أن الزمان ما استمد بقاءه إلا من هذه القلوب الصغيرة ! تقبلهم قبلات محمومة .. وتغمض عينيها لتحلم بآفاق مستقبل رائع . فتحت عينيها .. فتساقطت كل الكواكب مع دموعها . فلم يكن الأطفال الأربعة سوى وسادة احتضنتها بين ذراعيها .. ولم تمن هي سوى امرأة .. عاقر !! الصفحة الرابعة توسلت إليه .. وقد اختصرت العالم في ثلاثة أطفال احتضنتهم في عينيها الغجريتين: - يا سيدي .. أريد عملا يطعم أولادي رغيفا من الخبز ! قال برثاء : - يا امرأة .. القناعة صخرة تتكسر عندها آفاق الطموح .. فلا تقنعي برغيف واحد . - أطفالي صغار .. يكفيهم اليوم ذلك الرغيف . حاول إقناعها : - يوما ما سيطلبون منك أكثر .. فاحتاطي للأمر ! عقدت كل إشارات الاستفهام والتعجب اجتماعا مصيريا في عينيها : - وماذا سأفعل ؟ - لك عندي عمل في المساء ,, وتحت ضوء القمر . قالها وهو يتأملها بخبث ثعلب فنزفت الحياة في أعماقها . - أريده خبزا .. نظيفا ! - عند الجوع نأكل الصخر ونستاف التراب .. فما بالك برغيف معتق بضوء القمر ؟ \" في تلك الليلة .. كان القمر يتكوّر من الألم .. أخذ يتحول إلى رغيف من الخبز تبللت أطرافه بدماء الفجر التي راحت تنسكب من آنية يوم جديد .. \"!! الصفحة الخامسة قالت لصديقتها وهي تبكي : - لقد قال إنه يحبني . - كل الرجال يملكون هذه الأسطوانات فلا تصدقيها .. إنه وحش .. واستغلالي .. و .. و .. قالت باستسلام : - مع حق .. سأرفضه ! مسحت الصديقة لها دموعها بيد .. بينما اليد الأخرى وراء الظهر تنسج شبكة متينة تصطاد بها ذلك الحوت الذي رفض البحر إيوائه بين أحضانه .. الصفحة السادسة قبل أن تغمض عينيها اغماضتهما الأخيرة نظرت إلى المحيطين بها .. شعرت بدموعهم تغمرها .. تجاوزت عيناها كل الوجوه الضبابية واستقرت على وجه زوجها . هذا الرجل الذي أحبته بإخلاص حتى آخر لحظة في حياتها .. الآن تتركه وترحل .. إلى حيث اللا عودة . رأت دموعه تنهمر من عينيه اللتين تعشقهما.. خزنت صورته في عينيها .. أخذت المسافة بين جفنيها تصغر وتصغر . وقبل أن ينطفئ آخر نور في عينيها .. تراءى لها زوجها وقد انتهى من مراسيم دفنها ، وراح يتلقى التعازي وهو يبحث بطرف عينيه – اللتين تعشقهما – عن زوجة له بين المعزيات ! الصفحة السابعة جعلت كل أبجديات العالم وحروفها أسلحة تدافع بها عن نفسها : - يجب أن أتعلم ! عند كلمات من هذا النوع تتحول كل الصخور وكل الجبال وكل الطيور إلى وحوش تعرف كيف تقطع رؤوس الأحلام وتثبط همم الشباب وتجعل من الربيع شتاء موحشا : - أنت فتاة .. والفتاة مومياء .. مكانها بين جدران أربعة ! وتوالت الضربات تطعنها من كل جانب .. راحت تصبغ عمرها بلون أرجواني .. وحين لم تنفعها كل أبجديات العالم البلهاء ، ذوّبت سني حياتها وصهرتها في صرخة بصقتها في وجوههم . سكنت في صوتها حشرجة المحتضرين .. ونهش البرق أجنحة طموحها ، وحرق ريشها وذرّ رمادها في عيون كل الصامتات . *** أغلقت الدفتر .. وكأن كل ينابيع الألم صبت في ذاتي .. وراحت تصطخب بأمواجها وتلطم كل الضلوع : - هل هذا هو الماضي الذي كنت أبكي فقدانه ؟ -أهو حقا ذلك البحر الرائع الذي كنت أتسوّل لأجله وجها يعيدني بين مرافئه ؟ للمرة الأولى منذ فقدت ذاكرتي .. أشعر أنني إنسانة تخلصت – بنسيانها – من مرض عضال كان يسكنها !
\" القصة الفائزة بجائزة الأديب السوري / سعد صائب / في سوريا/ 1989\" ، وهي أيضا \" عنوان المجموعة القصصية الأولى التي صدرت للقاصة عام 1989\"
التعليقات
()