تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
صغيرتي
استيقظتُ منتشية بلون النهار المعتاد ، وقفتْ بقامتها الصغيرة فوق رأسي ، دنت مني وهي تقول : \" انهضي يا ماما \" قبّلتُ وجنتيها الورديتين .. سارت إلى جانبي وأنا أخطو فوق أرضية المطبخ . أعددت فنجان قهوة لي ولها كوب حليب ساخن ، كانت رائحة الهيل تتضوع كغابة من أعواد البخور ! بدأ يومي هادئاً ، كنت أتمنى لو أني أحتفظ بقفص خشبي صغير يزقزق في داخله عصفوران ، ملونة أجنحتهما ، ولهما منقاران دقيقان أُدخِل صوتي كلّ صباح إلى حيث يقفزان ويتنقلان داخل القفص الخشبي الملموم بروعة مضيئة . نظرتُ إلى صغيرتي التي كانت تحاول عبثاً الصعود فوق الكرسي والجلوس خلف الطاولة وتناول فنجان القهوة معي ! تحب تقليدي وأحب دفئها العذب وعينيها الصافيتين كنهر مولود للتو من أعماق أرض بكر . أبتسم بمرح ، أضمها إليّ ، أجلسها على ركبتي ، أضع فمي خلف أذنها وأشمّ رائحة شعرها البرية . تعبث أناملها الطرية بقطع السكر في الآنية الزجاجية ، اقرِّب إليها كوب الحليب الساخن تلتفت وتطالعني بتلك النظرة المستعصية على الوصف ، أضمها أكثر تمدّ شفتيها الزهريتين وتنفخ فيه ليبرد ، أضحك ، تبعد يدي عن الكوب وتقرّبه من شفتيها ، تشرب الحليب ينسكب بعضه على مفرش الطاولة ، عيناها تلتفتان نحوي ، تلمح بوادر ضيق ارتسمت على ملامح وجهي ، تتململ ، تنزلق من فوق ركبتي أنشغل بتنظيف مفرش الطاولة . ركضتْ سريعاً إلى الصالة ، فتحتْ درج المكتبة الكبير وحشرت رأسها داخل الأكياس المعبأة بأشياء لا لزوم لها . خرجتُ من المطبخ وبيدي قطعة خبز صغيرة مدهون سطحها بقليل من الجبن السائل قلت لها : \" خذي قطعة الخبز هذه \" لم تبال بي ، ظلّت تبعثر الأشياء حولها ، ناولتها مقصاً متوسط الحجم كان موضوعاً على الرف العلوي ومجلة قديمة ، انهمكتْ في قص الصفحات السوداء ، أثناء ذلك أكملتْ تناول فطورها ! ... عند الظهر أحضرتُ لها وجبة الغداء ، طبق يحتوي على قليل من الرز وقطعة لحم صغيرة . كانت قد خرجت إلى الحديقة ، جلستْ على حافة السور المنخفض وفتحتْ صنبور الماء ؛ تدفق الماء بشدة في الجدول الصغير الذي أعدّه والدها ليتحكم في مجرى الماء داخل الحديقة قلت وأنا أمدّ لها يدي : \" كلي يا عزيزتي \" أشاحت بوجهها عني ، تجمعت على وجنتيها وجبتها قطرات من الماء . أغلقتُ الصنبور بعصبية ، نهضتْ مسرعة إلى الداخل ، تبعتُها ، قالت لي : \" أريد حذائي الجديد \" وتناولته من داخل الدولاب الخاص بالأحذية . جلستْ على عتبة المطبخ وهي تضعه في قدميها الصغيرتين ، انتهزتُ فرصة انشغالها ودسستُ ملعقة الطعام في فمها . تنهدتُ بارتياح وضحكتْ بشرتي التي لفحتها الحرارة العالية في الخارج . دخلت المطبخ لأجلب كأس اللبن عندما عدت كانت تمسح البلاط الخارجي بيدها وتلعق التراب ، صرخت فيها : \" لا تفعلي ذلك \" نظرت إليَّ بعينين يمتزج فيهما الخوف والمرح وقالت : \" لا تنظري إليّ ، ابقي في مكانك \" رفعتها من تحت ذراعيها لكنها لزمت مكانها . جلست إلى جانبها وملأت الملعقة بحبات الرز ، نهضت فجأة واقفة ، واختفت في الداخل ، صوتها يعلو : \" أين دراجتي ؟ \" وقفتُ وأنا أتنهد متعبة ، تبعتها قائلة \" هاهي \" ردّت علي \" ليست هذه إنها صغيرة أريد الدراجة الكبيرة \" رحت أبحث عنها ، جاءني صوتها من الحجرة الداخلية \" وجدتها \" قالت لي بدلال \" احمليها معي إلى الخارج ، الله يعافيك \" أرفع مقدمة الدراجة بيد وأحمل طبق الغداء باليد الأخرى ، ركبت دراجتها ، أثناء انشغالها بتحريك مقود العجلة دسستُ ملعقة أخرى في فمها ! راحت تتنقل على الدراجة في الحوش الكبير وأنا أمشي خلفها ، أنتظر أن تنتهي من مضغ اللقمة ، الحرّ شديد ، أشعر ببشرتي تلتهب ، اقتربتْ من ألواح الخشب المتكومة على جانب السور ، نزلت من دراجتها وتسلقت سطحها الخشن . انحنيت نحوها وناولتها ملعقة أخرى ! حشرت جسدها الصغير بين القطع الخشبية العريضة وراحت تقشِّر سطحها الخارجي أنظر بسعادة إلى فمها وهو يمضغ الطعام . لم يتبق شيء في الطبق ، أحملها بين ذراعي إلى الداخل وأغلق الباب بالمفتاح ، لا أبالي بصراخها ... أنظر إلى نفسي في المرآة بقع حمراء كبيرة موزعة أسفل رقبتي لابد أن ذلك حدث بسبب الحرارة الشديدة . أتمتم قائلة : \" لن أدع هذه الصغيرة تقودني مرة أخرى ولو بقيتْ دون طعام العمر كلّه !! \" بعد نصف ساعة كنت قد أحضرت تفاحة ، قطعتها بالسكين إلى نصفين ، تناولتُ قطعة منها واتجهت إليها ، لوت رأسها العنيد بعيداً عني . قالت لي وهي تشير بإصبعها الأبيض الطري : \" ماما افتحي الباب أريد أن ألعب مع القطة في الخارج \"
التعليقات
()