تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
صباحات ذابلة
[font=times][color=darkblue] بين "هنا" الموغلة في صراع الحياة ، وبين "هناك" المضطربة من فرط تماوجها تقع معادلة وجودنا الصباحي الرتيب في مواجهة باب مدرستنا الخشبي شبه الموصد .. هنا نقف أمام مدير مدرستنا الذي يدلج حول بابها بحركة لجوج تؤكد حيرته بين أن يدخلنا المدرسة أو يصرفنا عنها لأسباب يرى أنها منطقية ، أهمها أن المطر الهامي بقوة قد جعلها مهددة بالتهاوي ، كما أن هناك في البعيد أخطار حرب ضروس تكشر عن أنيابها .. إن فعل الأولى تجشم عناء فزعنا ، وإن هم بالثانية سيقال عنه قائد انهزامي ضعيف ؛ ومدير غير مقدام .. طبول الحرب على أبواب البعيد تقرع لكنها ليست بدائية إلى هذه الدرجة التي قد تسمع قرعها فعلاً ؛ فصداها هو ما يمكن أن يصل إليك عبر مذياع يتواثب صوت المذيع منه بجزع ملول . هاهو المدير يحزم أمره. يحرك نظارته إلى عمق وجهه الصغير ؛ إذ على نحو مباغت يتحول إلى عصامي ثائر ؛ يقرر ؛ بل يأمر بإدخالنا الجهاد . نلج فناء المدرسة الطيني بثيابنا المهترئة وجيوبنا المفتوحة، وبكراساتنا الممزقة ووجوهنا الشاحبة بفعل الإهمال ،وأحذيتنا المسحولة .. تلك التي تحدث في حركة الدخول إلى الفناء جلبة تشبه الأغنام لحظة أن تدخل (المراح) .. أي أمر تريده من أهل السفح يا هذا غير ما تراه من بؤس ينشب مخالبه في أعناقنا ، وغير ما تطالعه من وجع يأتي على هيئة معاندة بائنة من أهلنا لعوامل الفناء هنا ؟! . * * * * * الإذاعة الصباحية للمدرسة تزف نذر الحرب أيضاً . للهزيمة المبكرة والمتوقعة وقع بائن على وجوه من حولنا من المعلمين والحرس والسعاة . أما المدير فمحنته ـ فيما يبدو ـ لرائيه هذا الصباح أنها أصعب بكثير ممن حوله. الجو بارد .. قل عنه لطيف في موقف غير هذا ؛ حاول جاهداً ألا تلغي فطرية الأشياء حول هذه المدرسة المتثائبة بكسل رغم نذر الحرب المنبعثة، أو تهاو محتمل لأجزاء منها على رؤوسنا . * * * * * "رمضان" يمضي في أسبوعه الثاني . الصائمون يعاندون سياط الجلاد ..هزيمة ؛ انكسار ؛ نذر غير محمودة تتجلى في صباح رمادي غائم يوحي بفاجعة ؛ رعب أطفال يبين في صمتهم .. بعضنا ورغم واجب "الصوم" يحمل كسر الخبز . معلم هناك ينحني على فتات الأخبار يحرك المذياع في جهات عدة . يلتقط وقع الهزيمة الرتيب .. انسحبوا إلى الخطوط الخلفية .. تكتكوا ؛ تقهقروا ؛ انهزموا .. خذوا مواقع دفاعية.. سندحر الأعداء ، وسـنهزم المعتدين …وسـ وســ .. خذ من الوعد الكاذب ما تريد ببلوغ مجد الانتصار المزعوم .. صاح المدير بنا طلبة ومعلمين :كلمة الصباح ؛ لم يستجب لصياحه أحد .. صاحبها غائب .. لكزني أحد الرفاق خلفي في الطابور .. ترى من يخرج ليشنف آذاننا بقطعة من المطالعة ؛ هذيان المدير محتمل أمام الطوابير الستة للطلاب . كل طابور ينتظم فيه عدد من الطلبة المجهدين .. كان الصف الرابع هو أكثرها وأشقاها .. في ديباجة المدير وتمهيده للأمر المفزع وتهيئة عالم المدرسة لتقبل الهزيمة صاح مفتعلاً الرزانة : من يخرج الآن أمام زملائه لتقديم كلمة الصباح ؟.. ها هو أشقانا وأكبرنا عمراً وهيئة يفصح عن رغبة بليدة .. يخرج (فايد)متهدج الأوداج جاحظ العينين : أنا يا أستاذ سأنشد .. أنشد ما بدا لك فالهزيمة ـ فيما يبدو ـ على أبواب عالمنا . تنحنح بطريقة متحفزة تشبه رغبة الترنم : ـ "هيه يا بو جديله فوق متنه تثنى كيف صهيون وربعه يلعبون بوطنا" انفرط عقد جلدنا وصمتنا بضحكات مستنكرة هذه اللجاجة والصهيل .من يسكت هذا الناقد لحالنا ، من يقول له إن الهزيمة لا تحتاج إلى هذه الترانيم الهزيلة ؟! * * * * * ظل المعلم الفلسطيني جلداً صبوراً إذ لم نره مأزوماً كهؤلاء . بل انكب يرقب نباتات يرعاها في فناء المدرسة ؛ (فول ولوبيا وبعض الخس والبقدونس ) ؛ يصر ـ فيما يبدو ـ على الوفاء لحزنه .. الحق يقال إن تقطيبه زاد بعد أن أتحفنا هذا الأخرق بما لديه من ترانيم عفوية .. سر غياب عدد قليل من الطلبة هذا الصباح تكشف للمدير حينما علم أنهم فروا إلى الجبال مع ذويهم وكأن الحرب على أبواب قريتنا الشمالية البائسة . * * * * * أحدق في الفناء أمامي أرقب نشاط جمعية الجغرافيا ومعلمهم . رأيت من فوق أكتاف الزميل أمامي في الطابور لوحة لبنان وكأنها "كلية" ذاوية لونها أخضر تلتصق بمياه المتوسط . سوريا صفراء وفلسطين ينخرها السرطان ليبقي على غزة كحبة الأسبرين . الجزائر برتقالية ، واليمنان بلونين متنافرين رمادي وأحمر .. لوحة القدس معلقة وعليها سياج يحوطها ، وعلى السياج رسم طالب شقي حية تطوقها .. لا أدري لماذا خريطة العالم العربي تهتز ؟ لماذا لم تثبت ؟ أهو بفعل الهواء ليل البارحة وأمطاره ..! أشياء كثيرة ستسقط في هذا الإصباح المتشنج : المدرسة ؛ هيبة المدير ؛ خريطة العالم العربي إن هي داومت التأرجح بهذه الطريقة القلقة . أرى بدهشة خطوط الحدود وهي تتقطع وكأنها بعض القصاصات التي تقول : ……."قص هنا"……… طابور الصباح من ينقذه هو الآخر من رطانة المدير المفوه .. هذا الذي يسمعنا مقولات يرى أنها ضرورية في أي كلمة صباح . فيما يبدو أنها تغطية لفشل الفتى "أبو الجديلة" رفع أخرق آخر يده طالباً الخطابة .. عادت يد زميلي تذكرني بمشهد جديد : (أخونا جاب العيد ) .. تحركت حنجرة (نافل) بأصوات التهيؤ والثبات . أطلق لنفسه رغبة المواء : ـ " يا زيد خل الشفر يمشي على هونه ونقضي الوقت مع مدعوج الأعياني ..) يتبع أخونا هذه الترنيمات الواهية بدندنة يحاكي بها عواداً غائباً في فلوات النسيان . نضج بوجبة قهقهة جديدة يكتمها عادةً صراخ المدير الذي يتوعد كعادته كل من يكركر أو يعبث في الهدوء الهش والصمت الذائب من فرط تردده .. هش المدير صاحبنا (نافل) بعد أن أخرسه إلى الصفوف المتعرجة وهو يبث شكواه إلى الله من هذه البلادة والخواء : أين نحن وزيد وشفره ؟! .. لا شك أن (مدعوج الأعيان) مصاب برمد لا يبصر مآلنا الآن !! لوحة العالم العربي تتحرك خلف المدير والمعلمين ؛ تكاد تسقط .. قطبت حواجب المعلم الفلسطيني وكأنه لا يعرف ما يجري من هذر وترنيمات بائسة .. صرف المدير تلاميذه ومعلميهم عن الطابور الصباحي ، لم يطلب منهم الدخول إلى الفصول المنذرة في التهاوي لفرط أمطار همت ليل البارحة على أرجاء القرية .. اختلطت أصوات الطلبة بتلاوات القرآن الكريم .. (عبد الباسط عبد الصمد) .. ومراوغة معلم التاريخ أن يسمع أخبار (لندن) وهواجس المدير من سقوط وشيك للمدرسة فوق رؤوسنا .. حرب على أبواب البعيد .. كيف سنصعد طريق العودة إلى أهلنا محملين بوهج هزيمة منكرة تحيكها يدا الآخر لنا؟!. [/color][/font]
الرياض 25/3/1424هـ
التعليقات
()