تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
رفرفة طير حُبّ
لم تقتصر دعابات هواء نوفمبر الليلي على مصابيح الشارع العالية ، بل كان كل فينة يهبط ليشاغب ياقة ثوبي ، مثل نورس ينثني ملتقطاً سمكة من موجة هائجة ؛ رغم ذلك لم أبرح رصيف الإشارة اليومي ، متجولاً بين السيارات الفارهة كما يليق ببائع جوّال متمرس ، يعرف البلاط الرمادي جيداً ، ويقرأ الإسفلت حصوة حصوة ، يدرك اليد التي ترتفع بغتة ، ويلحظ العين التي تطرف أو تشيح أو تلعن !! تشح مساءات الجمعة بالعابرين ، لا أحد يخرج من منزله أيام الجمع ، لا بد أن الأمهات يعددن العشاء ، ويضعن في المواقد حطباً ، تحفّه أباريق الشاي والحليب والنعناع ، أما الأولاد فقد انهمكوا في تغميس كعكاً في أكواب الحليب ، بعد أن أنهوا واجباتهم المدرسية ، واستعدوا للنوم الباكر . لو لم أدفع بيدي صدر مدرس الجغرافيا ليسقط أرضاً ، وتنتاب التلاميذ نوبة ضحك هائلة ، جعلت المدرس يكتب في تقريره أنه تعرّض إلى اعتداء من طالب ، الذي تم رفعه إلى الجهة المختصة ، التي اتخذت قراراً سريعاً بفصلي من المدارس نهائياً . لو لم أفعل لكنت الآن أحاول حل واجب الرياضيات الحديثة ! ! اللعنة على هؤلاء الطلاب المرعوبين ، كيف لم يشهد أحد منهم على ما حدث في الفصل ، وما تعرضت له من جلد عشوائي بخرطوم مياه ، بسبب أنني لم أرسم خريطة العالم بشكل جيد ! ! اللعنة على العالم كله ، الذي لم يساعدني لكشف الحقيقة ! ! إلاّ ذاك الصحفي المسكين ، الذي زارني عصراً وسألني كثيراً ، وطلب مني أن أشرح الواقعة بالتفصيل ، وصدرت الجريدة في الغد بعنوان : طالب يتعرض لجلد عشوائي وفصل من المدرسة ! ! أعجبتني كلمة : عشوائي . بعد ذلك التحقيق الصحفي لم نعد نقرأ اسم ذاك الصحفي في الجريدة ، ولا في أي مطبوعة أخرى ! ! في مساءات الجمعة الكئيبة ، وفي ساعات متأخرة من نوفمبر ، تقف عند الإشارة سيارات فارهة سوداء ، حتى زجاجها مظلل بلون داكن ، فلا أرى شيئاً بداخلها ، لذلك لا أفهم مايحدث داخلها ، كثيرة هي الأشياء التي لا أفهمها في هذه المدينة الغريبة ، لذلك لم تكن كتب المدرسة تعلمني ما يحدث في الشارع ! ! هاهي سيارة كحلية بزجاج مظلل ، تقف بجوارها من ناحيتي سيارةٌ أخرى بلون اللؤلؤ ، زجاج سائقها مفتوح قبالتي ، لكن عيناه ، بل رأسه كله ، مرسل نحو السيارة الكحلية المجاورة ، كانت يده تومىء بعد أن فتح زجاجة المقعد المجاور إلى منتصفها ، فجأة هبطت الزجاجة المظللة الخلفية للسيارة الكحلية ، فأطلق طير الحبّ في القفص الذي أحمله تغريدة متواصلة ، لفتت انتباه سائق السيارة اللؤلؤية ، فنظر نحوي ، كأنما انتبه للمرة الأولى إلى وقفتي الليلية الطويلة ، أشار : بكم ؟ . بخمسة وثلاثين !. أخرج من حافظته الجلدية ورقة خمسمائة ، ناولني إياها ، وباليد الأخرى ناولني ورقة صغيرة مطوية ، مشيراً برأسه تجاه السيارة المجاورة . أخذتها مرتبكاً ، ودسستها من النافذة المظللة الزجاج ، فلم ألمح سوى أصابع طويلة وناعمة ، منتهية بأظفار ملونة تشبه أقماراً صغيرة ! ! بالكاد استطعت أن أصل إلى جزيرتي الآمنة ، على الرصيف ، حتى اخضرّت الإشارة ، ولوحتُ بالقفص للسيارة اللؤلؤية ، التي لم ألمح من نافذتها سوى إبهام السائق مشيراً أن كل شيء آخر تمام ! ! وقد أفزع صرير إطاراته طير الحب بمنقاره الصغير المحدودب ، ليخبط بجناحيه هائجاً جنبات القفص ! ! فتحت يدي المعروقة رغم برودة ليل نوفمبر ، فلمحت الورقة النقدية الكبيرة منطوية بسخاء ، لأول مرة في حياتي ، داخل كفي . وضعت القفص على الرصيف ، وخلعت بابه ، وهششتُ بيدي طير الحب لأطيّره ، ثم اجتزتُ ، خفيفاً ، الشارع الخالي ، دون أن أقرأ شروخ الإسفلت ، حتى لاتذكرني تلك الشروخ بخطوط خريطة العالم التي لم أتقن رسمها أبداً .
نوفمبر 2000م
التعليقات
()
سمير الفيل
سمير الفيل
10/8/2007 5:21:04 PM

 سأعود لهذا النص بالذات ، مرة ثالثة ، واقتطع من السرد جملة في غاية الأهمية :

لم تكن كتب المدرسة تعلمني ما يحدث في الشارع!

 وهكذا يمكننا أن نقرأ النص بتراتبية جديدة ، فنفهم حقيقة ما حدث في إحدى الجمع العربية التي تمر بالبشر ، وهم يطاردون حبا مستحيلا فيحدث أن يـُـطلق طائر من أسره!

ياسلام يا يوسف هذا السرد الجميل!

سمير الفيل
سمير الفيل
9/17/2006 11:12:18 PM

يوسف المحيميد

من جديد ، وبعد أكثر من ثلاث سنوات اعود لهذا النص البديع ليوسف المحيميد ، فن مدقق ومثير للدهشة ، وربما كان من حق الجيل الجديد علينا أن نعرفه بكتاب متحققين لهم تجاربهم . وإن كان الكاتب قد توجه بكليته لعالم الرواية فهو هنا يقدم لنا نصا رائعا مثقلا بالدلالات

 تحياتي للكاتب وأتمنى ان ينشر جديده هنا

 

سمير الفيل
سمير الفيل
2/26/2003 8:06:42 AM
منذ أكثر من عشر سنوات كتبت عن يوسف المحيميد فى اليمامة .كانت مله مجموعة قصصية قد صدرت لتعلن مولد كاتب جاد ،وهاهى السنوات تمر فيجدد الكاتب لغته وينضج أسلوبه ،فيما يظل مشتبكا مع نفس القضايا الحميمية أما الخريطة التى فشل البطل فى رسمهــا ،فهى نفس الخريطة النازفة بخطايانا.للكاتب تقديرى .
احمد السليمان
Public Anonymous User
8/3/2002 7:06:42 AM
الأخ عبد الملك .. قديما قيل : إذا لم تستطع شيئا فدعه ــ وجاوزه الى ما تستطيع وأعتقد بأن القاريء ( العادي ) كما تسميه انت ليس بنفس المستوى الذي انتهى إليه تذوقك الأدبي وفهمك حفظك الله ورعاك ! أما المكتبات فهي لم تشتك قط من تراكم هذه الكتب فأنت ترى وتسمع الأصوات الباحثة عنها بشتى السبل . والحقيقة أن المكتبات أتخمت بكتب السحر والشعوذة والفن والرياضة والتسطيح والمطبوعات التجارية الرخيصة معنى ومبنى. أخي .. ( دع ما يريبك الى ما لا يريبك ) ! ان لم تستطع اغلاق نوافذ الريبة أساساً .
عبد الملك
Public Anonymous User
4/4/2002 8:06:42 AM
مرة أخرى لماذا تكتب ما لايفهم . ولا عجب أن طوى القارئ العادي كشحه عن نتاج المبدعين المولعين بالتجريب ، والضحية أرفف المكتبات ومخازنها ...
محمد الدخيل
Public Anonymous User
12/6/2001 8:06:42 AM
القصة جميلة جددددددا ، وهي تمثل فعلا واقعا نراه يوميا ، المشكلة استاذ يوسف أننا لانستطيع أن نحصل على مؤلفاتك .. لم أقرأ لك غير ( رجفة أثوابهم البيض ) وقد وجدتها في مكتبة جرير .. هل تساعدني بالحصول على أعمالك الأخرى؟؟؟؟؟