تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
حياةٌ على جرف
الثلاثاء بينه وبين المغيب ساعة نحاسية الأفق .أما أنا ، فبيني وبين سكني ليلة كاملة ستمتص دمي على جرف ناتئ في شاطئ البحر . البعوض مثلا….. سوف تنشق شهوته العارمة للدم عن قدمين مثل مزهريتين محطمتين في الركام . يداي ستهرشهما أيضاً ، وأنا تحت سجادة الصلاة ستلفحني رطوبة البحر في وجهي ، وفي ظهري .. أيضاً ستأكل كتفي أرضية الجرف الخشنة .. أما قلبي فهو وحيد ، ولن يدعني أنام . بعد أن خرجت من عملي ، وعند الإشارة الأخيرة ، كان أمامي طفلان في سيارة يلعبان في المقعد الخلفي ، مع أحدهما مفتاح بسلسلة طويلة تنتهي بحلقة معدنية لامعة مثل التي معي .. أقصد مثل التي نسيتها في المكتب أو الكوخ الحقير الذي لابد منه لكي أتحدث مع رئيسي بالهاتف كل يوم ، وأرسل إليه التقارير ، وأسجل الإنجازات الصغيرة بخط أنيق كما يحدث كل يوم أو كما حدث اليوم عندما كتبت استقالتي .. لاحظت على أحد الطفلين عاصفة من البكاء بينما يضحك الذي معه المفتاح ويرقص على المقعد مشكلاً بالسلسلة دوائر مترادفة في وجه الآخر ……. شكراً أيها الشقي الصغير . لقد نسيت مفتاحي وهذا يكفي . حتى لو مضى الطفلان بعيداً ، وهذا ما سوف يحدث ، حتى لو أعطى الطفل الذي يضحك ذلك المفتاح إلى أخيه الذي يبكي ، فصنع دوائر مترادفة أخر ، ثم راح يرقص على المقعد ، ثم راح يضحك ، ثم أخذ الأب المفتاح بعد أن تقف السيارة أمام البيت ، وفتح الباب ، فدخلوا ، وغاصت الشمس في حمأة المغيب ، و امتشقت المصابيحَ الغرف ، وجلس الرجل إلى جوار زوجته ، وتشمم رائحة النهار على رأسها ، فلن أنسى السلسة في يد الطفل أمامي .. دوائر في إثر دوائر دونما غاية محددة سوى أن اللعبة راقت للطفل .. لكن ، لو لم يكن معه المفتاح هل سوف يقدر على ذلك ؟!. ولو لم تكن السلسة طويلة ومرنة ترى ، كم دائرة ستصنع بريقها وسلطتها ومجدها كما حدث أمامي ؟!. لقد كتبت استقالتي وهذا يكفي .. ومفتاحي الوحيد الذي يفتح باب سكني نسيته في الكوخ !. ولن أعود إلى العمل فيه بينما هو يتمتع بمزايا رجل مهم !. أخبرته في المرة الأولى أن الشمس حارة في التاسعة صباحاً ، لكنها بدءاً من العاشرة تجلدني بالسياط ، وتمتلئ النافذة المفتوحة بالذباب والرمل ، وتصعد إلي دمدمة الأرض ، وبقع القار في وجه الإسفلت . وأخبرته في المرة الثانية أن مكيف الهواء ، لم يعد ثمة فرق بينه وبين المروحة اليدوية التي في يدي . وأخبرته أن المطر على قميصي ، أصفر بلون خشب السقف ، وإذا هطلت السماء بغزارة صار بلون القار ووخزت كتفي مسامير صدئة كريهة الرائحة . وأخبرته أن مكتبه الواسع الفخم لا يشير إلى أن الحياة صعبة بالفعل كما يقول . وفي كل مرة كان يضحك ، كنت أنا اضحك . اليوم كتبت استقالتي بخط أنيق ، والليلة أنام على جرف ناتئ في شاطئ البحر . في دورتها الأخيرة ارتطمت السلسة والمفتاح بيد الطفل الذي يبكي .. توجع وزاد بكاؤه . استدار ناحيتي وأوغل في دمعتين سخيتين فاغراً فاه ، مصوباً بريق عينيه إلى عيني الحجريتين قبل أن تبتعد السيارة .. في البيت سوف يسكت بالتأكيد . هناك غرفة صغيرة مكتظة باللعب سيدخلها مهرولا..ستضيء بضغطة زر عند الباب وحالما تضيء سترتبك طيور معلقه بجوار النافذة .. سيمر المساء حافياً صغيراً مغموس اليدين في اللعب وسينكر الطفل أنه بكى.. حين آلمته الضربة سحب يده جهتي ووضعها بيني وبينه.. كانت السيارة تبتعد ، بيد أن أصابعه تدفقت نحوي. وعندما همزت سيارتي خلفه لا مستني. أحسست بالضربة في يدي.. كان المفتاح حاداً وفوق قدرتي على استيعاب أن الحياة صعبه .. لقد طلبت منه أن يمكث معي في ذلك الكوخ ثلاثة أيام في عز الصيف ، وقلبت له الموكيت المهترئ ثم رحت أسرد عليه الرياح التي هبت من جهة الجبال ، والرياح التي هبت من جهة الصحراء التي دون البحر ، وأدخلت يدي في التجاويف ثم أخرجت له عقارب ميتة وخنافس سوداء مهشمة جاء ت مع الرياح من صحاري بعيدة .. ذكرت له أن ثمة أنفاس ما تلبث أن تتكسر تحتي وتموت في الرمل الناعم كلما ارتفعت أنفاسي من شدة الحر.. نتقت أمامه السقف فتساقطت منه أمطار قديمة صفراء وسوداء تضج برائحة خشب متعفن يمشي فيه الدود .. كان طفله يبكي في السيارة الفخمة التي أمامي ، وكان هو يحادث زوجته بوقار رجل مهم .. كان يبتسم كلما التفتت إليه مندهشة .. آه ، إنها نفس الابتسامة الماكرة وهو يقول لي أن الحياة صعبة …. الثلاثاء يضرم النار حمراء قانية فوق البحر وظهره إلي.. كان يكفي أن أمد رجلي من فوق الجرف ليتلبسهما غسق نابت من تحت الماء كالنفط .. لا رذاذ على الحواف يخصني سوى أن الريح مضرجة برطوبة غير عادية ، والجرف ينوء بوحشة البحر ..
التعليقات
()
عواض شاهر
Public Anonymous User
11/12/2002 8:06:42 AM
السيد قارئ . شكرا لك عميقة . ربما يوماً يتمخض عنها عمل روائي . من يدري ؟ ..
عواض شاهر
Public Anonymous User
11/12/2002 8:06:42 AM
السيد متابع الرياض . شكرا متأملة لوجهة نظرك . يخطئ من يعتقد ان مفاتيح العمل لدى كاتبه فقط . ولم أدع يوماً أن اكتب نصاً على أن أحتفظ بحق تأويله . لذلك فوجهة نظرك في عين الاعتبار ، لكني أتصور أن تلك الجزئية التي ذكرت إنما كانت _ من وجهة نظري _ تكثف لذعة المفارقة في أحد أهم مفاصل النص . السلسلة تقود دوائرها على الأغلب لصالح من يمتلك اللعب بها ويحوز مفاتيحها. أليست تلك إحدى ركائز عرض المعضلة الإنسانية في انفلات المعايير فيما يخص تكافؤ الفرص وتوزيع الأدوار تبعاً لمنطق الأنسب ؟ .. هو مجرد تصور من قارئ يعانق النص بعد كتابته بسنوات خمس على الأرجح . شكرا لك .
قارئ
Public Anonymous User
11/9/2002 8:06:42 AM
تسلسل القصة و تدرج الاحداث البسيطه حلو ------- لكن مكانها اكبر من القصه ,,,, الروايه مثلا !
متابع الرياض
Public Anonymous User
11/5/2002 8:06:42 AM
هذا النص يحمل لمحات فنية مميزة, لكن لاشك ان الاطالة في الجزئية الخاصة بالسلسلة والدوائر افسدت بعض متعة القصة شكرا للكاتب.
عواض شاهر
Public Anonymous User
5/12/2002 7:06:42 AM
ندى . أشكرك على الزيارة والتعليق الذي يشبه نفحة الهواء العليل . تحياتي
نــــدى
Public Anonymous User
2/23/2002 8:06:42 AM
كم مرة قرأت هذه الحياة التي على جرف؟ ثلاث مرات؟ لا .. ربما أكثر. أنت قاص رائع يا سيدي.
عواض شاهر
Public Anonymous User
1/6/2002 8:06:42 AM
:) سعيد بزيارتك ، فتحية لك...واحفظ السر