تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
حادث على الطريق
الطريق إلى الوزارة والطريق إلى المنزل يشبهان بعضهما رغم أنهما متعاكسان •• لكنهما يختلفان بالنسبة لي في أني كل يوم ومنذ أن أخرج من المنزل في السادسة والنصف صباحاً أتخيل أني سأعود في الثانية بعد الظهر إلى ذات الزوجة •• وأنها ستتلقاني بنظراتها الراثية المشفقة وكأنها تنظر إلى شيخ مسنّ أكبر منها بعشرين سنة •• تزوجنا في الثامنة عشر من العمر ، لم تكن أكبر مني ولم أكن أكبر منها •• تربيت معها في ذات الحي •• أعرف تاريخها وتاريخ أسرتها •• اخترتُها من بين العشرات من اللاتي خطرن في مخيلتي عندما كنتُ مراهقاً متلهفاً على الزواج•• لكنها اليوم تبدو في عيني أكبر مني بسنين •• يا الله •• هل يطول عمر الرجال ويقصر عمر النساء؟!•• لقد رأيتها البارحة تجفّف شعرها فهالني مفرقها •• خف شعرها الغليظ الناعم وازداد بياضاً •• تحاول المسكينة أن تخفي ذلك بالأصباغ أو الحناء لكن دون فائدة •• هناك أيام تنسى ذلك ، وما إن تقترب مني حتى أحس بأني أحد أبنائها •• أعوذ بالله •• ما هو حساب السنين في عمر النساء •• هل يكبرن بسرعة أم ماذا ؟•• الشمس حارقة والحرّ شديد في هذا اليوم وقد تأخرت •• متى أصل إلى سيارتي •• لقد ركنتُها بعيداً عن المنزل ، والحي الصغير لا يتسع لكل هذه السيارات التي تتمدد طوال الليل كالحيوانات الخرافية •• آه•• سيارتي كالحة كزوجتي •• إنها أصغر منها بسنة واحدة فقط •• اشتريتها بعد ولادة \"عائشة\" بشهور •• لازلتُ أرى فيها سيارة صالحة للسير في الشوارع رغم مرور عشر سنوات •• \"علي\" و\"احمد\" يكبران بسرعة •• و\"عائشة\" و\"منيرة\" تكبران بسرعة أكثر •• أما أمهم فقد أصبحت حياتي معها صعبة ومملة •• آه•• أخيراً وصلت إلى السيارة •• الطلّ يبللها •• لونها أبيض رغم أنها رمادية •• هكذا السيارات دائماً •• حتى النساء يتحولن جميعاً إلى البياض •• لقد كانت تحاول دائماً ألاَّ تُريني شعيراتها البيضاء بعد أن عرفت أني أمتعض منها •• لكن ماذا تفعل •• الزمن يحفر لنفسه الطريق حتى في الصخر فكيف في شَعْر النساء ؟!•• وكل شيء يسير في اتجاه هذا الزمن •• ما أضعفني أمام تلك التجاعيد التي أراها يومياً أسفل جفنيها •• أليس من الغريب أني لا أشعر بتقدم العمر الذي أشعر به في زوجتي !!•• ليست التجاعيد فقط بل الحياة المملة والرتيبة •• والنكد اليومي •• بريق المرأة •• أنوثتها •• حنانها نحو الرجل لا نحو الأبناء وأبو الأبناء •• أنا اليوم لا أحتاج إلى حنان من زوجة تعاملني وكأني أحد أبنائها أو كأني أب لها •• آه•• أستغفر الله العظيم •• ليست هذه رجولتي ولا شهامتي التي عرفتني بها •• هاأنذا حين أتطلَّع في المرآة كل يوم لأعود إلى الوراء بسيارتي لأخرجها من هذا الزقاق لا أرى شعرة واحدة بيضاء •• لا تزال بي نضارة من شباب وقلبي يرجف بالحب •• قبل يومين انتهيتُ إلى قرار أكيد لا أدري إن كانت زوجتي قد فهمت بوضوح ما كنتُ أعنيه لها أم لا •• -\"اسمعيني جيداً لقد حاولت إفهامكِ بأني مللت الحياة معكِ لكنكِ تزدادين خمولاً وتتعمدين استفزازي بنمط حياتك •• أخرُجُ من المنزل وأنتِ نائمة وأعود وأنتِ نائمة •• أخبريني في أي ساعة أعود وأجدكِ كما أنتِ عندما تزوجتكِ قبل عشر سنين •• لماذا تغيرتِ على هذا النحو ؟•• لماذا لم يعد شعرك هو شعرك ووجهك هو وجهك •• وابتسامتكِ هي ابتسامتكِ ورقتك هي رقتك؟•• تدّعين بأني أحب المظاهر ، أية مظاهر أحبها ؟•• أنا أحب أن أعيش معكِ كما كنتِ في أيامنا الأولى •• لا أحب أن أعيش مع امرأة تركض نحو الشيخوخة وكأنها تتمنى الحياة الأخرى •• - استغفر ربك يا رجل إنني أحاول جاهدة أن أكون لك كما تشتهي لكنك لا تقدّر معنى المسئولية التي أعيشها مع أربعة أطفال في أعمار متقاربة •• لا تقدّر معاناتي مع متطلبات البيت •• أنت تفكر في رغباتك فقط •• - ماذا تعنين بهذا الكلام؟•• هل أنا مقصّر في واجباتي؟•• ألا ترين بأني أطحن الصخر من أجلك ومن أجل الحياة في هذا البيت؟•• والنتيجة لا شيء •• لا شيء •• لا استمتع بالحياة مع زوجة •• لكن الغلطة ليست غلطتك •• بل هي غلطتي حين تزوجتكِ •• - هل كان زواجك مني غلطة ؟؟ - نعم غلطة كبيرة لن أغفرها لنفسي •• كان ينبغي أن أتزوج ••••••• - تتزوج ؟•• تتزوج ماذا ••••أكمل - طبعاً سأكمل •• سأتزوج •• لقد قررت أن أتزوج ثانية •• - تتزوج •• لا أظنك تعني ما تقول\" • • لماذا كانت تنظر إلى كلامي بعدم الجدية •• هل كنتُ أبدو غير جاد في قراري أم أنها تشك في رجولتي وقراراتي •• ليس مهماً الآن ماذا كانت تعني ، عليها أن تواجه الصدمة بمفردها •• اليوم سأحدث \"فاطمة\" عن الزواج •• لقد عرفتُ هذه الفتاة معرفة جيدة وأحببتها •• تعمل معي في نفس الدائرة ، وهي أصغر مني بثلاث عشر سنة •• فارق كبير يجعلني بالفعل أمام زوجة لن تتغير أمامي ولن يحترق بريقها بتعب الحياة •• لا نريد أولاداً أكثر مما لدي •• سأستمتع بالحياة معها •• ولن أطلّق أم أولادي •• أحبها وأحب أولادها لكني أريد الحياة مع زوجة جديدة •• مع حياة جديدة •• أنا اليوم أكثر شباباً من الأمس •• \" - أرجوكِ يا فاطمة لا تنظري إليّ بوصفي مسئولاً ، ورئيس شعبة •• أرجو أن تعتبريني قريباً منكِ •• حدثيني بدون كلمة أستاذ فلان •• أنا •• أنا معجب بكِ كثيراً ولا يخجلني أن أقول لكِ بأني حلمتُ بكِ منذ يومين •• - حلمت •• خير ! - مؤكد أنه خير •• الحلم بواحدة مثلكِ يا فاطمة خير وألف خير •• - دع عنك هذا الكلام الآن ، قد يسمعونك فيكون الكلام والإشاعات •• - ليقولوا ما يقولوا •• لديّ كلام كثير أريد أن أقوله لكِ •• غداً سأحدثكِ في موضوع هام وخاص بكِ أنتِ فقط •• هل سمعتِ\" •• • اليوم لا بد أن أفتح معها موضوع الزواج ، مؤكد أنها لن ترفضني ولن تتحفظ على كوني متزوج ولديّ أولاد •• هناك كثيرون يعيشون ذات الظروف التي أعيشها ويتزوجون ويمضي بهم الزمن •• ما أروع هذا الصباح •• أن يفكر الإنسان في الوقت وفيما يتخذ من قرارات جديدة خاصة بحياته هذا في حدّ ذاته يعطي معنى جديداً للحياة وللزمن•• هكذا ينبغي أن أطيل في عمري •• لا بد أن أفكر في الحياة الجديدة •• أكثر ما يستفزني في الطريق إلى الوزارة مشهد السيارات التي يقودها رجال تجلس إلى جانبهم زوجاتهم •• كم أتمنى أن أكون من عداد هؤلاء •• المرأة حين تجلس بالقرب من زوجها الذي تحبه •• هذا ما أفتقده فعلاً•• أتمنى أن تركب معي امرأة بكامل نواياها الحسنة وكامل نواياي الحسنة وأوصلها إلى عملها وأعيش ذلك الشعور بالارتباط والحب الذي لا يُفرّط فيه الطريق إلى الوزارة أو الطريق من الوزارة •• كم هي بعيدة عني هذه الزوجة المسكينة•• وما أكثر النساء في هذا الصباح•• إنهن كثيرات•• سياراتهن جميلة ، ويقدنها بسرعة وبمهارة •• لا يكترثن بالرجال •• ولا يتطلعن لأحد •• كم مرة قلت لها تعلّمي السياقة دون فائدة •• طلبتُ منها أن تعود إلى عملها الذي تركته منذ أربع سنوات دون فائدة أيضاً ، هي هكذا تعود إلى الوراء دائماً •• تركض نحو الشيخوخة وأنا أبحث عنها في الطفولة •• كم كانت جميلة في تلك الأيام •• لقد كان الجميع يتطلع إليها وينتظر منها مجرد إشارة لكنها أحبتني وتعلّقت بي دون الجميع •• تقدم للزواج منها كثيرون •• أغنياء وموسرون ولكنها رضخت لي وحدي وأعلنت لأسرتها بكل جرأة أنها لا تريد الزواج من أحد غيري أنا •• هل يمكن أن أنسى هذا الموقف ؟•• مسكينة أتُراها كانت تصرّ منذ ذلك الوقت على المضيّ معي في حياة لم تكن تقدر نهايتها بالشكل الذي أقدره أنا الآن؟!•• أحبتني •• أهدتني شبابها•• منحتني الأبناء •• عائشة •• ما أجملها •• إنها تشبه أمها وتذكرني بأيام الطفولة •• أيامها الأولى التي كنتُ أنظر إليها بمشاعر مختلطة لم أعرف ما إذا كانت حباً أم دهشة أم سحراً •• كان لها سحرها الخاص بالفعل •• خطفت كل شيء بداخلي •• أجبرتني على أن أستسلم لحبها وأفكر وبسرعة في الزواج منها •• أمي تقول : \"- هذي مثل أختك يا يمة •• - لكنها ليست أختي •• هل تريدين أن أتزوج من غريبة لا أعرفها ولا تعرفينها •• إنها مكتوبة لي •• وأحبها •• وقد رفضت كثيرين من أجلي ولن أجد أوفى منها في حياتي\" •• • آه •• أيام مضت بعد تلك الأيام المتوترة التي وقفت أمي عقبة أمام زواجنا •• لكن كل شيء كان يمضي حسبما هو مقدر ، حتى أخوها الأكبر لم يستطع أن يفعل شيئاً ضدّ زواجنا •• كان يريد أن يزوجها من أحد الأغنياء ، كان يخطط للثراء على حساب حبها •• مسكينة رفضت ما كان يخطط له ذلك الأخ وواجهت كل الظروف الصعبة من أجل أن تكون لي •• ما بالها الآن تغيّرت •• آه لو لم تتغيّر •• لو لم تفقد ذلك الجمال •• ذلك السحر الذي لا أجده حتى الآن فيما أرى لدى الفتيات •• البيت لا يطاق بما هي عليه من بلادة وعدم اهتمام ، هل هو الإنجاب الذي غيّرها وسحق اللحظات الجميلة في حياتي •• من يدري ؟ يقولون إن الحمل والولادة لهما تأثير كبير على الأعصاب والخلجات والدم وكل أعضاء الجسم •• هل هذا هو ذنبها•• أنها أنجبت لي الأطفال ؟!•• ما أتعس ما أفكر فيه •• الأطفال الآن يستولون على كل وقتها من أجلي أنا كي أتفرغ للعمل والرزق والحياة •• تهتم بهم أكثر مما تهتم بي لأنهم يحتاجون بالفعل إلى مثل هذا الاهتمام أكثر مما أحتاج إليه أنا •• آه ما أتعس ما أفكر فيه •• هل انتهت كل المتع في الحياة مع هذه الزوجة بالفعل أم هي أوهام أتوهمها !•• أحلام جديدة أتطلع إليها خارج الحياة التي قررتها لنفسي ولهذه المرأة التي نذرت نفسها لي و لأولادي منذ أكثر من عشر سنين •• هل هي الرغبة في مجرد امرأة أخرى؟•• فاطمة تلك •• هل تحقق رغبتي أم أني أنظر إليها كمن ينظر إلى سراب؟•• لكني أخبرتها مراراً أن تنتبه لمشاعري ولحاجتي لها •• أحتاج إليها في لحظات دافئة •• وأدخل البيت وأنا في قمة الشوق إلى أيامها الجميلة •• وحين أفتِّش عنها في الغرفة أجدها غارقة في النوم •• هل يعقل أن يأخذ بها تعب البيت إلى هذا الحد •• وحين أقترب منها أجدها تهذي بأسماء الأولاد وكأنها في منامها تواصل حنينها إليهم •• ماذا تبقّى لي إذن !!؟•• وفي أي وقت أجدها ملكاً كاملاً لي؟•• كيف لي أن أخرج من هذه التعاسة؟•• الأهل لا يرضون بالتأكيد أن أتزوج ثانية وأحمّل حياتي أعباءً جديدة وأترك المرأة الوفية والمضحية في مرارة اليأس والإحباط •• الأصدقاء بعضهم يقول أن الزوجة بعد عشر سنوات من الزواج تصبح أماً وأختاً•• وبعد عشرين سنة قد تصبح جدة•• لتكن كل ذلك•• هل سأفقد الحب حين تكون الزوجة أمَّاً؟•• ألا يتضاعف الحب حينئذ وتصبح امرأة البيت في مرحلة من مراحل العمر هي كل شيء بالنسبة لزوجها ؟!•• أليست هذه هي فلسفة الحياة بين الرجل والمرأة بالفعل؟•• لقد تجاوزت الساعة السابعة الآن ولم أصل إلى مبنى الوزارة بعد•• الزحام شديد •• والسيارات تكتظ أمام هذه الإشارة الضوئية التي أصل بعدها إلى المبنى •• أغلب ما أرى داخل السيارات نساء وأطفال •• هل تغيّر العالم في هذه اللحظة بالذات ، أين الآباء عن كل هؤلاء الأطفال •• حتى الآن لم أرى رجلاً مع أطفال •• ما بال عيني لا تقع إلا على الظلام الخاص بي •• عندما أصل إلى مبنى الوزارة قد يتغيّر كل شيء •• ستبدأ حياة جديدة •• الغريب أنها اليوم لم تجلس معي على الإفطار •• لقد أعدت الأولاد للمدرسة ثم اختفت، عادت إلى غرفتها •• فكَّرت في أن أعود إليها وأنظر في وجهها قبل الخروج ولكني خفتُ من ضعفي وخرجت •• هاهو وجهها يعود إليّ •• لا أتذكرها الآن كما رأيتها البارحة بكل ما هي عليه من تعب وإرهاق ، وإنما أتذكرها منذ تلك الأيام الأولى عندما كان وجهها يطل منه سحر غريب دون مكياج وأصباغ التجميل التي تغطي وجوه بنات هذه الأيام •• أتذكرها بذلك الضوء الغريب •• كيف تناسيتُ ذلك ؟!•• يا الله •• هل يُعقل أن يكون لإحدى البنات على هذه الأرض وجه مثل وجهها ؟؟•• إنني لا ألتفت على أي فتاة إلا وهي متخفية وراء أصباغ التجميل •• امرأتي وحدها لا تفعل ذلك•• لم تدخل صالونات التجميل ولم أعوّدها على ذلك •• لا تجد من الوقت ما يكفي لأن تجرّب أنواع الكريمات الجديدة وماركات العطور والرتوش •• حياتها ليست كذلك بينما أطالب منها ما هو ليس من حياتها•• ما أتعسني إذن•• أية حماقة كنتُ سأرتكب وأنا أصعد هذا السلم إلى مكتبي؟•• قبل عشر سنين كانت تلك المرأة تترك أهلها وكل الذين تكالبوا على الزواج منها من أجلي وتهرب معي أمام حديث الناس وإشاعاتهم •• نختفي أنا وهي شهراً كاملاً دون أن نسافر •• تتزوجني رغماً عن أنف أخيها وأبيها بينما أنا في هذه اللحظات أصعد السلم نحو قرار أحمق •• هل أجرؤ بعد لحظات على أن أنظر في وجه \"فاطمة\" وأعرِضُ عليها الزواج •• مستحيل أن يحدث ذلك •• سأعود مرة ثانية إلى البيت •• سيؤخرني ذلك عن العمل نصف ساعة أو ساعة أو ساعتين لا يهم •• المهم هو أن أتطلع من جديد إلى ذلك السحر الخاص في وجه امرأتي •• إني على يقين بأني منذ الآن لن أفقد ذلك السحر •• لن أفقده أبداً ••
التعليقات
()