تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
بيد الشيطان ..
كنت أحمل بين يدي صغيرتي سارة .. وأشعر أنني مشتت الانتباه والتصرف .. كل ما يحيط بي ضجيج المدرعات .. وأزيز الطائرات وأصوات الطلقات .. لم يبق من منزلي سوى هذه الغرفة التي تصدعت جدرانها .. كانت سارة تبكي بشدة بعد أن وضعتها على الإريكة الحمراء المهترئة القابعة في زاوية الغرفة المهددة بالانهيار.. وجعلت أنظر من فتحة في الجدار إثر قذيفة اخترقته .. فشاهدت جموعا من الجند في حركة دائبة متواصلة يحيطون بمنزلي وقد غدا جزؤه الأكبر ركاما بعد عين .. والمدرعات لازالت تواصل تصويب فوهاتها اللعينة باتجاهي .. لم أعرف سببا لقسوتهم؟ .. أو كيف أتصرف لإفهامهم أنني إنسان مسالم جدا جدا؟ .. الصور المؤلمة تتراقص في مخيلتي .. وذهني يكاد ينفجر من التفكير السريع .. فلا أعلم ما هو مصير زوجتي الحبيبة وابني الكبير قيس وطفلي الصغير أمجد .. وهل قد تمكنوا من الفرار قبل هدم أركان المنزل على رؤوسهم وهم نيام؟ .. هل كان حظهم أفضل حالا مني ومن سارة ؟ .. أم أني وطفلتي المحظوظان حتى الآن برغم الحصار الذي يحيط بنا منذ ساعات ؟ يعود يغطي هدير صوت طائرة حربية لعينة الأجواء .. فأشعر أن الأرض تميد بي .. وأسمع صراخ صغيرتي سارة يتعالى .. فأقطع تفكيري الرتيب الحزين المليء بالمخاوف والظنون .. فأحملها وأضمها إلى صدري بحنان بالغ .. لعلي كنت أنشد بين أضلاعها الرطبة بعض الأمن والسلام .. اتجهت للباب .. فتحته بوهن .. وتردد كبير .. يملتئ قلبي بالخوف .. فأتوقف .. إن قدمي لا تقوى على الحركة من شدة هلعي .. شعرت بيد صغيرتي سارة وهي تتلمس وجهي .. أنزلت نظراتي نحوها .. لأجد وجها طفوليا بريئا يشع منه البياض وضحكات طاهرة تغطي أرجاء ضوضاء السلاح .. فكأنها حوت في تلك اللحظات سعادة الدنيا بأسرها . رجعت أضمها لصدري اللاهث .. المتصاعدة منه زفرات ساخنة .. رفعت رأسي ونظرت باتجاه اليمين فشاهدت مرآة كانت معلقة بالحائط وقد تساقطت أجزاؤها .. ولم يتبق إلا قطعة صغيرة منها .. رأيت وجهي من خلالها .. فازداد هلعي .. فقد كانت عيوني متسعة والعرق يتصبب من جبيني .. عندها أرجعت صغيرتي الحبيبة سارة عند تلك الزاوية حيث أجلستها على الأريكة .. وتقدمت باتجاه الباب مرة أخرى .. فعادت الصغيرة للبكاء والصراخ .. نظرت إليها .. وأنا أقف على عتبات الباب الخارجية .. قطع هذه النظرات المتواصلة المحملة بالخشية عليها والحب .. صوت بلغة مكسرة \" أرفخ \" أرفع يديك وتقدم ... واصلت المسير وقد غطاني الخوف على صغيرتي .. ومصير عائلتي .. وحالة الذل والهوان التي تكسوني .. صوبت نظراتي لسارة مرة أخرى .. كان شوقي لها يتزايد في كل اللحظات .. فوجدتها لازالت تبكي بحرقة وقد أحمر وجهها .. والدموع تغطي هذا الوجه الطفولي .. أعدت نظري نحو مجموعه من المدرعات التي تقف أمامي .. لكنني سمعت طلقة نارية .. وللحظات شعرت ببرودة تجتاح صدري .. وتنتشر نحو كامل كياني .. نظرت للأرض .. ويا للهول كنت متجها لها .. وفجأة وجدتني أهبط جاثيا على ركبتي .. وغبار المكان يتطاير من حولي .. رفعت رأسي .. أحاول أن ألوي عنقي لمشاهدة صغيرتي سارة .. لم أستطع .. شعرت بشيء ساخن على فمي رفعت يدي أتلمسه فشعرت بلزوجته الساخنة .. لكنني لم أميز لونه .. كل الألوان تداخلت في عيوني .. ولأول مرة أجد الوجود تجتاحه القتامة بهذه السرعة .. كان الضوء يتراجع ويتلاشى .. والظلمة تنتشر بسرعة .. أنزلت رأسي للأسفل قليلا .. فشاهدت صدري وقد غطي بالدماء .. حاولت مرة أخرى أن أنظر للخلف لأشاهد صغيرتي الحبيبة سارة .. لأخر مرة .. لأخر مرة .. كان مطلبي بسيطا .. متواضعا .. وكنت حزينا بحجم شوقها المتصاعد في بقية أنفاسي .. كنت كئيبا بحجم حبي لها الذي يغطي مساحة روحي المتوثبة للصعود والانعتاق من جسدي المنتهك برصاصة قيمتها أقل من ثلاثة دولارات.. وفي فوضى حواسي .. في شرودي ويقظتي .. في هذياني وتعقلي .. وجدتها أمامي كطيف جميل ملائكي .. بيدها دميتها العتيقة .. تلبس رداء أبيض كالثلج .. وتكسوها ابتسامة مشرقة .. وضعت يدي على صدري .. قلت لها وأنا أبتسم : حبيبتي الصغيرة سارة لو كنت هنا لأصابتك الرصاصة التي لا تميز أبدا يا صغيرتي ! . لم أعد أشعر بألم منذ تلك اللحظات .. في السماء روحي ودموعي وأحزاني بيد الله .. أما في الأرض الملتهبة حقدا وكراهية جسد سارة بيد الأشرار .. وهناك .. هناك .. بجانب البحر : قلوب لم تحزن .. وعقول خانت .. وأجساد تلعب هي بيد الشيطان !
التعليقات
()
رابح العيشي
Public Anonymous User
5/30/2011 1:41:13 AM

جميل ة هذه الرؤيا أستاذ جابر وهذه اللغة العذبة

دمت بكل خير

جـبـير المليـحان
جـبـير المليـحان
12/16/2010 9:50:44 AM

الأستاذ العزيز : صلاح الدين سر الختم علي | السودان     

يا مرحبا

أشكرك على المرور على نص ( عينان )، شكرا على كلمات الإطراء التي ذكرتها في أسلوبي

كل التقدير

صلاح الدين سر الختم علي
صلاح الدين سر الختم علي
12/13/2010 10:50:53 PM

استاذي الجليل

هأنذا ادخل راضيا من جديد كهفك السحري فأجد الثريا تضئ جنباته بضوء لايموت

ضوء وزعته يد خبيرة

النص عنك متعة لاتنتهي ودهشة تدوم طويلا وقراءة تنفتح علي افاق رحيبة

والنص عندك له القدرة علي الايهام وفتح الجسور مع القارئ وخياله فتتولد عنه نصوص لانهائية تتجدد مع كل قراءة

القصة عند جبير المليحان قطعة موسيقي حالمةوشجيةتمس شغاف الروح

وهي معطونة في الذكريات وحصاد السنين

واللغة مرنة مطواعة متجددة

ليس فيها حذلقة

وهي بصمة خاصة لاتخطئها العين

سيدي  سعدت بالتجول معك

فدعنا نتنقل مع هذه العين السحرية في نصوص عديدة

إنه يشم بها ؛ وهو يدخل مجلس القوم ـ في ثوان ـ ألوان الغرباء :

يراهم حيث يختبئون داخل الأماكن البعيدة في أفئدتهم ، فيتجه إلى هناك :

 

إلى عيونهم النقية مباشرة ، و يحبهم منذ قرون طويلة .

المصطفى كليتي
Public Anonymous User
6/8/2004 7:06:42 AM
العين نافذة الجسد،في لحظة تأمل في دكان حلاق ،يبدأ حوارجواني تنعكس فيه لعبة المرايامن حيث التقابل تارة ومن حيث الانعكاس من جهة آخرى،فتتواصل التداعيات من خلال السرد لا من أجل أن تروي حدثا ولكن لكي تجوس في أغوار الوجدان : تتلبس القصة بالشعر ويتلبس الشعر بالقصة ، فيفرز النص من خلال المتماثل والمتناقض صراعا تخوضه العينان مع الذات والعالم حولها ..... ن
جبير
Public Anonymous User
6/8/2004 7:06:42 AM
الأستاذ المصطفى كليتي ـ المغرب ـ شكراً لرؤيتك ـ شكرا للقراءة . تحياتي .
م.m
Public Anonymous User
5/23/2004 7:06:42 AM
في كل مرة ازور هذا الموقع الرائع أجد الكثير من الابداع لكن لم يحفزني ايا منها للكتابه اقف اليوم ليس للتعليق وتقديم مديح لهذه القصه فهذه ليست وظيفتي او مهمتي لكن هو ماحاول المؤلف ان ينقله من الم وهم وظلم يتعرضون له اخوتنا في فلسطين الملفت هذه القصه مضى عليها عام تقريبا منذ ان وضعت هنا اليوم هدم للمنازل مستمر والم وقتل للاطفال وهذا ما يجعلك تبكي وانت تقرأ مثل هذه القصه شكرا لك اخي عبدالل ه
جبير المليحان
Public Anonymous User
5/7/2004 7:06:42 AM
شكرا لبابة على قراءتك للقصة .. تعليقك قصير ، لكنه غنيّ .
لبابة أبو صالح
Public Anonymous User
5/6/2004 7:06:42 AM
قصة رائعة .. ومناسبة للصباح الأول .. حيث لم يستيقظ أحد بعد !! / و لها دلالات و أبعادً غائرة في العمق .. / تحية لك استاذ جبير .. تحية لخيالك الذي تنفذ من خلاله فتقول ما تحتاج أن تقوله .. شكرًا .
جبير
Public Anonymous User
2/23/2004 8:06:42 AM
شكرا أبا نواس : كلمات طيبة قلتها لي ... و أهلا بك قلما أبيض في موقعك هذا .. نرحب بك ، و لابأس أن ( تتعلم فينا النقد ) كما قلت .. فما تكتبه هو رأيك الذي علينا أن نصغي له جيدا .. أهلا .
أبونواس
Public Anonymous User
2/23/2004 8:06:42 AM
الفكرة جديدة ، والأسلوب شيق جدا . أعتقد أن الكاتب يضع الخطاب فى مقدمة أهدافه ,وقدوصل فعلا . كاتب موهوب وغزير الإنتاج .
متابع عربي
Public Anonymous User
12/25/2002 8:06:42 AM
تتامل في عيون المارة تبحث في السوق السوداء....قصة انسانية وداخلها صور معبرة جدا لكن الاحظ ان اللغة هنا كانت عجلى وغير متانية ربما لضغط الفكرة على الكاتب لحظتها ..شكرا للكاتب على اخلاصه الرائع والدائم لهذا الفن الراقي
متابع عربي
Public Anonymous User
12/25/2002 8:06:42 AM
الاخ محمد الاصفر التعليق السابق حول قصتك فوزان ولك الشكر
الى المتابع العربى
Public Anonymous User
12/24/2002 8:06:42 AM
ما رايك فى نص فوزان .. ك>لك يا اخى عبدالله زايد تع>ر على فتح بريدى وها انا ارسل لك النص الذى طلبته لاغراض انسانية كل الحب والمودة محمد الاصفر ... فوزان كان الرحم دافئا طريا ، رغم هواجس الشعور بالذنب والخوف من المجهول ، كان رافضا لكل عقاقير الوأد المبكر ، شجاعا لم يسمح بأي عملية لفسخ البذرة المستجيرة به .. مرت الأيام وعاشت آمال ـ الا معترف بأمومتها ـ لحظات رهيبة .. كانت محتاجة لجـّرة قلم مباركة .. تدارك عقلاني .. ستر إنساني .. لكنة اللعنة وجمّ اللعنة على العادات والتقاليد والأعراف والنواميس .. وجم اللعنة على الرجولة الزائفة .. رجولة البطاقة الشخصية .. بكت .. دعت ربها .. تابت أكثر من مرّة .. ندمت على هفوة جسدها .. لكنها تماسكت وصبرت ككل أنثى منصاعة الى فطرة الأزل .. فاجأها المخاض .. لم تجد نخلة لتهزها .. ما رضيت هــز الأعجاز الخاوية من المروءة .. يوه يوه كل النخل مملك موضوعة عليه الأيدى .. هزهزت نخلة الأمل .. هزهزتها بعنف .. سقطت ثمرة أحشاءها .. تعفرت بالتراب .. لملمتها .. دثرتها بطرف ثوبها .. قبّـلتها بكل ما تملك من حنو .. لكن نـزفـت حزنا وألما وخيبة .. فأسلمت الروح دون إرادة منها .. أكثر من يتألم فى هذا الكون هن المربيات المشرفات على أطفال الملاجىء .. هن اللواتي يستقبلن التساؤلات البكر القاطعة للأكباد : أين ماما ؟ أين بابا ؟ … لما>ا يا ماما إخوتنا هنا كثيرون ؟ .. وأسـرّتنا فوق بعض ؟ .. كانت المربيات الحنونات يتألمن ويمتن فى اليوم أكثر من ألاف المرات .. كبرت فوزان .. واكتسبت خبرات كثيرة .. أفهمتها الحياة قصتها الحقيقية .. وكيف جاءت الى هذا الوجود .. تألمت للفقد والحرمان والتشظي المبكر .. كانت تبحث عن والديها .. تتامل في عيون المارة .. تتجول فى الأسواق السوداء .. وبين سماسرة العقارات والسيارات .. تبحث عن أبيها .. هى تعرف أنها لن تجه فى بساتين الورود .. أو دور العبادة .. أما أمها فقد بحثت عنها كثيرا فى المستشفيات والمآتم والأفراح دونما جدوى .. وذات يوم صلت الجمعة فى جامع المدينة .. كانت هناك جنازة لرضيعة .. نظرت بحنان الى جثمانها الملائكي .. فأحسّت بما لاعين رأت ولا أذن سمعت .. كانت الزهور فوق نعيشها تخاطبها بلغة الأريج .. أمك يا فوزان موجودة حيث ستوارى هذه الرضيعة .. أما ابوك فلا يستحق عناء البحث .. إنه يراك الآن .. إنه مندس فى هذا الإزدحام لتمثيل دور المشيّع الحزين .. صحبتهم فوزان إلى المقبرة .. كانت تصدح بالشهادتين .. وتبكي بحرقة .. كبكاء أمها يوم حملت بها وولدتها .. وعندما تمّ الدفن و عاد المشيّعون إلى بيوتهم عادت معهم .. استغربت فى أمرهم .. يذهبون مجتمعين ويعودون متفرقين .. وهم عائدون ما عادت تسمع لا إله إلا الله .. محمد رسول الله .. كانوا يدخلون بيوتاتهم ويقفلونها فى وجه نظراتها الآملة .. أثناء قفل الأبواب تفعم أنفها رائحة الكسكسي باللحم .. تستنشق الرائحة بشهية .. وتتساءل ولعابها يسيل .. : أليس الأقربون أولى بالمعروف ؟ لكن آه .. آه .. أين هو المعروف ؟ كانوا قساة عتاة .. لم يسمح لها أي منهم حتى بالجلوس على المصطبة فى ظل البيت .. اعتبرها أكثرهم غجرية لقيطة تحترف النشل والتسّول .. رغم أن ملامحها تشبههم إلى حد التطابق .. حتى أنهم لا يحتاجون لإثبات التماهي لأي تحاليل هرمونية أو جينية .. طفقت تمشي فى الهجير .. وداخلها يتماوج بالأسئلة .. أين سأذهب يا ربي ؟؟ أنا جائعة .. ظامئة .. خائفة ؟ أنا صليت الجمعة ؟ .. خنقتها العبرة .. انفجرت بالبكاء ..لم تعد تبصر حواليها .. انتابها صداع قاس أفقدها كوابحها المهترئة .. أخذت تجري وتقفز بعشوائية كفرخ طير استشعر ثعبان .. فى حدى المنعطفات كانت سيلرة متهوّرة تقدم لها جرعة الرحمة على طبق من إرتطام … محمد الأصــفــر Alasfar-m@maktoob.com ص ب 32593 بنغازى .. الجماهيرية الليبية
ابتسام إبراهيم تريسي
Public Anonymous User
11/19/2002 8:06:42 AM
شفافية وعذوبة ، وأسلوب يترقرق كالماء في الجداول مزيدا من الإبداع ، ابتسام