أولاد الحيوان
[size=10][color=darkred]كنا نظنها الغيوم ، و هكذا بدأت عيوننا تتطلع إلى الأعلى ، و قلوبنا ملئت ، و هي ترقص ، بالأفراح الزاهية ، وقد ركبت الأطفال موجة فرح صاخبة جعلتهم : يدورون ، و يدورون ، و هم يزعقون . النساء كن ينظرن بسعادة ، و قد وقفن ، و تحركن ، و أخذن بالتصفيق الخفيف … أما كبار السن ، فقد نفضوا عنهم فبار التعب ، و نهضوا آخذين بتفحص السماء ؛ و قد سمع أكثر من صوت يرتفع قائلاً : - الغيوم … الغيوم !! و لم يلتفت أحد إلى من قال ، مهمهما ، للواقف بجانبه : - قد يكون جرادا ؟! و هكذا ، اتسعت العيون إلى أقصى ما يمكنها ، و السماء تظلم ، و الأطفال يتوقفون بوجل ، و قد أخذت الأرض ترتج ، و بدأت كل الأشياء واضحة تماما و طفل أخذ يلتصق بأمه ، جاذبا ثوبها و هو يصـرخ دون أن يسمع ، فقد غطت عليه أصوات الطائرات التي أخذت تنزل : إنها طائرات لينة ، سوداء ، مبقعة ، ما أن تمس الأشجار و الأرض حتى يتوالد منها الآلاف من الكائنات الراكضة ، ليسوا جنوداً ، و لكنهم يشبهون الجنود ، و يأخذون بالأكل : أكل كل شيء ، و أي شيء : أخضر و يابس . في هذا الوقت ، كان الجميع لا يستطيعون غير التنفس ، وقد هالهم هذا الكم الهائل من هذه الأشياء الكبيرة النازلة عليهم من السماء … و هذه الكائنات الخارجة منها ، الراكضة ، الآكلة … و لما لم نر من قبل مثلها ، أو شبيها لها ، فقد أخذنا نلتفت ، خائضين في حيرتنا ، و نحن نتساءل ما هي هذه الأشياء !! و وسط ذلك كانت عيوننا تحاول أن تلتقط أي شيء يشبهها حتى نعطيها اسمه … لم تكن تشبه النخيل ، أو الأشجار ، آو البيوت ، إنها مثل الصخور … و لكنها خفيفة ، تتحرك ،و تطير ، لم يكن يليق بها أن نسميها طيورا ، و كان البعض قد أخذ يقول إنهم " النمل "، لدأبهم و تراصهم ، و انتظامهم ، و عملهم الجاري أمامنا ، و الذي لا يتوقف ؛ و لكن هذه الأشياء ضخمة و لذلك سميناها بـ " الحيوانات " ، حيث كان أمامنا في الفلاة الكثير من حيواناتنا ترعى غير عابئة بشيء ؛ أما الخارجون من " الحيوانات " فقد صار الأطفال يطلقون عليهم ، فيما بعد، " أولاد الحيوانات " . هكذا ، بعد أن تم تحديدهم بهذه الاسماء ، ترك الأطفال أثواب أمهاتهم ، و راحوا يجرون مقتربين من " الحيوانات " الكبيرة ، متطلعين إلى أولادها الراكضين أبداً . أما النساء ، فالبعض ما زالت تضع يدها على فمها ، و البعض وُجَمْنَ ، و أخريات انصرفن ، أما الرجال ، فقد ظلوا جامدين مثل الصخور ، و قعد بعضهم كنسور سود ، و تهيأ كبار السن للذهاب إلى المسجد ، ، فيما كان أولاد الحيوانات يحطون . بحيواناتهم في فناء المدرسة ، و يقيمون لهم مطبخا في المستوصف ، أما المسجد فتركوه ، فقط كانت تحوم حوله واحدة من حيواناتهم . و أخذنا بعد ذلك ، نهمس عن سر نجاحهم : فقال قائل : إنه العمل ، و قال آخر : إن نجاح الإنسان في تحريك دماغه ، فهؤلاء لهم عقول متطورة ، بيضاء ، نظيفة ، و سخر منهم آخرين قائلين : إن أولاد الحيوانات ليسوا إلا بشرا مثلنا ، و لكن غناهم جعل كل هذه الحيوانات الطائرة ، تقف في خدمتهم ، و هز آخرون رؤوسهم قائلين : إن ذلك هبة من الله . و تفرقنا إلى بيوتنا ، و نحن نرسل نظراتنا الوجلة إلى أرضنا الواسعة ، الخصبة ، الخضراء ، ذات الأشجار ، و العشب ، و الماء ، و الصخور السوداء ، الطرية ، صخورنا ، ذات الرائحة النفاذة ، الصخور الممتازة ، و التي من كثرتها تسيل كنهر أسود ، يذهب بعضه الى البحر … كانت علاجا نافعا للبرد و الحر ، و هي تقضي على الفقر ، و تجلب الراحة ، و الآن هاهم يأكلونها … هكذا تساءل الكثير منا في البيوت … و نحن ننظر إلى أولاد الحيوانات هؤلاء … في البدء علا ضجيج بأنهم : جاؤا لمساعدتنا ، و لكن بعد أن أخذوا يأكلون أشجارنا ، و يطعمون حيواناتهم الجديدة السوداء من دماء صخورنا ، و نحن نرى ، بعد ذلك بدأ الشك يتسع في عيوننا ، ممتداً كصحارينا ، و قد تيقن عندما خرج بعض فتية لنا ، ليمنعوا أولاد الحيوانات من أكل أشجارهم ، فما كان من أولئك إلا أن أطلقوا عليهم أذرعتهم النارية ، الرصاصية ، السريعة ، فخر الفتيان في أرضهم ، و تخبطوا في أحلامهم ، و همدوا … فأكلهم أولاد الحيوانات . و هكذا ، اتخذنا مواقف متباينة ، فيما بيننا ، لكننا ، في الظاهر بدونا و كأن شيئا لم يحدث ، أبداً ، باستثناء أول الدهشة ، حيث تهارعنا حاملين أكياس الرز و الزيت و الدهن و اللحم و الدجاج و الصلصة و الحليب و البصل و الطماطم … و غيره … و غيره ، و ملأنا به ، ثلاجات ، و مخازن بيوتنا ، ثم ابتسمنا برضا ، و نحن نمرر أكفنا على كروشنا ، المستديرة البارزة … و ننام … و نضحك … و كقرويين ، نسينا هذه الحيوانات ، أو كدنا كذلك ، ومن ثم انصرفنا إلى شؤوننا العادية ، و إلى مشاحناتنا مع الأصدقاء ، ومسئولينا الصغار في العمل ، أو جيراننا ، و كأن شيئا لم يحدث . لا ندري بعد ذلك ما ابتلانا ، لقد ترهلت عيوننا ، صحيح أنها بقيت متسعة من دهشتها الأولى ، لكن أجفانها ارتخت ، و لم تعد ترى فيها ذلك البريق لانعكاس الأشياء ، غادرها ضوء القلق و الحيرة و الأسئلة ، و غدت رؤيتها خافتة كالمساء ، و كان الناظر إلينا يخالنا دون عيون : لم يعد في الواحد غير فمه المفتوح داخلا معه الطعام و الهواء و الغبار و الكلام و الصور و الصحف و نشرات الأخبار ، و الكثير من الأجهزة … نعم هذه إحدى الحكايات التي حصلت ، إنها حكاية غريبة جداً ، فقد تناقلت الجارات ، أن واحداً من أهل الحي - شوهد من قبل مراراً ينام و هو يحضن مذياعه - عندما قلب مذياعه ذات اليمين و الشمال ، و دار به إلى الأمام و الخلف ، و لم يكن غير الضجيج ، خلفه ، و لفه ، ثم دسه في فمه ، و ابتلعه دون مضغ ، و ضحك ، قافلا فمه ، ثم قام نافضاً يديه … و انتظر أهله و جيرانه ما يحدث ، فلم يحدث شيء ، كل ما في الأمر ، أنه قد صار مذياعاً ، يخبر ، و يبربر ، و يوشوش ، و يشوش ، و يحكي ، و يغني ، و أحيانا يملأ الحارة بالضجيج الفارغ ، و التافه ، و السطحي ، و أحيانا يصمت … ، فما كان من أهله ، و جيرانه ، و حارته غير أن لفوا ، هم أيضاً، "مذاييعهم " و أكلوها ، كل بطريقته … في اليوم التالي قيل أن آخرين أخذوا يأكلون الصحف و المجلات ، بعضهم يمضها و هو في طريقه إلى عمله ، و بعضهم يلتهمها و هو يقود سيارته ، و الموسرون في الوقت يضعونها شرائح مع سلطاتهم … و قيل أن بعض الشباب جربوا شيها ، بجانب البحر ، أو في البر ، و لكنها تطايرت مع الأثير … و حتى الصغار كان لهم نصيبهم ، فأحد الأمهات أزعجها ابنها الحابي بصراخه ، فغسلت له جريدة من عدد اليوم نفسه : طازجا طريا ، وأزالت عنها بعض الأصباغ و الأخبار و الأخبار ، و تعليقا كان في أولها، ثم حشتها في فم الطفل ، فكف عن صراخه و حبوه ، و أخذ يخلطها بلعابه و مخاطه و الرمل و يبتلعها … من يومها و الخبازون يبيعون " المذاييع " و الصحف الطرية الطازجة ، و المستعملة ؟، مما حدا بالصحف الواسعة الانتشار إلى مضاعفة أرغفتها ، و تسميك أغلفتها ، وإغراق البقالات و الصيدليات و المطاحن و الخبازين ، و باعة المفرق ، و المطاعم و غيرها … و غيرها … بأعداد وفيرة ، و بأسعار منافسة في متناول يد المواطن … و ينتظر أن تعمد بعض دور الصحف المشهورة إلى الإعلان عن بيع صحفها البروتينية و الدهنية ، الخالية من الكلسترول ، إلى المواطنين ، بالتقسيط المريح ، نظراً للظروف الطارئة التي تدعوها للاضطلاع بهذا الدور العظيم . في تلك الأثناء ، كنا هكذا ، و كان تواجد أولاد الحيوانات بيننا قد أصبح مألوفا و طبيعيا كحلول الليل بعد غياب الشمس كل يوم ، و كان توافدهم ، متدفقاً ، مستمراً من كل ظلمات المياه ، و من وراء الجبال العالية ، و من أصقاع الاراضي الباردة البعيدة ، و من فوق الغيوم يأتون ، و من حيث لا نرى أو نعلم ، بل كنا نسمع أخبارهم من خلال أجهزتنا التي لم تؤكل ، كان عالم خارج أراضينا ، يصورهم ، و يحدثهم ، و يكتب عنهم ، و يهتم بجميع أمورهم ، بما فيها أحاسيسهم ، و أشياءهم التافهة ، أما نحن ، كلنا ، فلم نكن مدعاة لاكتراث أي ، إلا بقدر ما نحن أشياء تثير فضولهم أحياناً . و هكذا ، فقد نُسينا ، نحن ، و لم يعد أحد يذكر شيئاً عنا ، أو عن هوائنا الذي أخذ يتعفن ، بعد أن تكاثرت فيه الحيوانات ، و هي تلد و تلد و تلد ، حيث يأكلون ، و يأكلون ، و يأكلون ، و كنت ترى أحياناً ، لقطة يبثها قمر صناعي - لا نراه - في الشاشات الفضية ، و فيها طفل يلعب في شارع طيني ، ضيق و مترب ، و يخاطب نفسه قائلاً : كنت ألعب ببعض الأحجار ، على التراب ، فتوقف قربي اثنان من أولاد الحيوانات ، كانا يسكنان في حارتنا ، و هما ينظران لي و لا ينظران ، حيث ليس لهما مثل هذه العيون البشرية ، بل ثقوب تلمع كخرز بارد ، تراءى لي أنها عيون ، و نطقا عني ، و لم ينطقا ، حيث لا فم لهما ، بل كنت أرى أن كليهما فم ، و مما سمعته : و احدهما ، ابن الحيوان ، يقول لزميله ، ابن الحيوان الآخر : - ماذا يفعل هذا الطفل ؟ قال : أما سمعته يقول : إنه يلعب ببعض الأحجار ؟ قال الآخر : هل نأكله ؟ :- هيا … ياله من طفل … انظر ما أكثر الشيب في لحيته !! و كنت حجرا صلباً ، فمرا من جانبي يأكلان الشجر ! [/color][/size]
الدمام 1/3/1411هـ 20/9/1990
التعليقات