تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
انشطار
آخر الأصوات الصارخة كان صوت أخيه (( صالح )) .. من وراء اللثام تهيأ (( سعد )) ليرعد قليلاً .. كان قد اعتاد تلك الأجواء الضاجّة بحديث متداخل الأصوات .. كان يرقد في فراشه في محاولة لاستدعاء النوم .. عندما تداعى إلى رقدته المتململة تلك صوت أخيه زاعقاً بشدة : \" أريد نقوداً الآن \" كانت والدته تنوء تحت ثقل جسدها المتعب .. وهي تقف أمامه ونصف ظهرها يكاد ينحني ببؤس \" من أين آتي لك بالنقود ؟ .. لم يتبقَ من المصروف الّذي تركه لنا والدك إلا القليل \" عند محاولته لتغيير وضعية استلقائه على الجانب الآخر .. كان صوت أخيه الأصغر يصله سريعاً ومنداحاً يشقّ العتمة \" هذا الأمر لا يعنيني .. اعطني ما تبقى من المال \" ظلّ صوت الأم يستجلب الحزن عميقاً ومدوّياً بالوجع : \" ومن أين نأكل أن أعطيتك ما تبقى ..\" كان ينتظر اللحظة التي تقف فيها عند باب غرفته مستنجدة به .. كما تفعل دائماً .. وكما اعتاد هو . نفض عن سريره نوماً يتمطّى وخرج بعينيه المطفأتين وقد ارتدتا ظلام الغرفة الجاثم في الفراغ .. ووجه يختفي خلف غترته البيضاء الّتي يحلو له النوم وهي تلتفّ حول ملامحه السمراء المتغضّنة يؤنسه دفئها الحميم .. أطلق في وجهيهما تثاؤبا متكاسلا وقال : \" أكلّ يوم يداهمنا الموّال نفسه ؟ \" تقدّمت الأم من جسده الفارع .. لطالما داخلتها أمنية مؤرقة كلّما أقبل نحوها يمتشق هيئته البهيّة برؤيته يقف إلى جانب من تختارها زوجة له .. ظلّت تلك الأمنية تسابق إليها زمناً راكضاً نحو الأربعين .. وظلالها تورق حيناً وتتلاشى حيناً آخر .. رفعت رأسها بمشقة وهرول صوتها وخزاً حادّاً يغرس أنفاسها في الهواء : \" تعال .. انظر إلى أخيك .. لم أعد أحتمل طلباته \" غير أن الأخ الصغير لا يبدو عليه أنه اكترث من قامة سعد المتطاولة داخل الثوب الفضفاض المخطط بألوان سوداء ، من جانب فمه أخرج ضحكة ساخرة ارتقت وقفته التي تكاد تنحدر حتى تصل لطرف سريره داخل الغرفة الوادعة .. : \" ماذا جرى لك في هذا النهار الّذي يبدو أن ليس له من آخر ..\" قال صالح في غضب \" أريد نقوداً .. جيبي يصرخ من الخواء .. أخجل من الأصدقاء الّذين يوزّعون المال ويغدقونه على جلساتنا .. لا أريد أن يكون لأحد منهم فضل عليّ .. \" كانت الكلمات تعبر سريعاً ممرات نفسه التي تعبق بالخمول .. نثر في عينيّ أمه هاجس العجز وقلة الحيلة .. شهرت في وجهه المتكالب على أوقاته التي تلتحف بغطاء النوم حزنها وخيبة أملها بولديها الّذين يفضيان بها إلى الشقاء وتلمّس مواطن العتمة فيما هي تركض في النواحي كلّها وبيدها شعلة تنصبها فوق رأس الطريق .. عدّل من ياقة ثوبه وأشغل عينيه عن القيود التي صارت تخرج من نظرات والدته وتتجه بقوة صوب وقفته التي بدت وكأنها لا لزوم لها !! كان يخشى دوماً تلك اللحظة التي يضطر فيها إلى أن يؤنب أخاه على أمر هو غارق فيه .. ورغم ذلك كان مضطراً ليشعل السؤال في جرحه : ـ ابحثْ لك عن وظيفة .. لا تقعد عاطلاً عن العمل وتنتظر من والدتك أن تنفق على بذخك ! كان يعلم ما سيقوله أخوه مسبقاً .. ولذا وجد نفسه دون إرادة منه يدير جسده نصف دوره متأهباً لعودته إلى مواصلة رحلة النوم الشاقة .. ـ انظروا من يتكلم ؟ .. وكأنك لم تجرب من قبل ذلّ البحث عن لقمة عيش بين عيون أولئك الّذين يمدّون إليك أصواتا مترفة بالاستقرار وبراتب يدخل جيوبهم نهاية كلّ شهر دون معاناة .. فجأة لانت نظرات عينيّ صالح المتصلبة .. تراخت كتفاه المشدودتان .. اقترب من أمه التي غشيتها الحيرة وكآبة أيام مهجورة الدفء .. طبع على رأسها الملتفّ بطرحة سوداء باهتة قبلة عجولة متوترة ، وفيها شيء من خجل ، كمن لا يريد أن يفاجئه أحد متلبساً بحنان مباغت !! انفرجت شفتاها الواجمتان عن ابتسامة مترددة ومازالت تلك الحيرة الغريبة تعبر ملامح وجهها المتغضّن .. بسرعة راح صالح يرتّب الغترة البيضاء على رأسه الغائم بسحب تمزق سماء فكره المتلّبدة بالأحزان واستدار خارجاً .. ظلت عينا سعد ترتعشان بتلك النظرة المحترقة .. نظرة صماء .. تنطق كلمات مهمّشة .. \" ما جدوى ذلك كلّه .. ما جدوى الحكاية نسترجعها كملاذ أخير لبقائنا على هامش الحياة \" أدرك أن المصابيح المضيئة تنطفئ تباعاً ، وأن تلك الأرصفة الخارجة من قسوة الأرض تنتظره تماماً .. بتلك العادية المريعة ، عادية مفجعة ، يألفها ، ويعتادها .. يدخل تحت بلاطها الجامد المتشقق .. يستحيل أرضاً ترابية مهدّمة ، يمشي إلى جانب الأعماق المطمورة في باطن التربة ، تغور جذوره عميقاً ، ويتهيأ له أنه سيصير ثابتاً ومُلجماً دون حراك !! تمطّى وجه أمه بذلك التعب المتراخي .. تمتمت بكلمات كالاعتذار \" يمكنك العودة ثانية لمواصلة النوم .. سأذهب إلى السوق \" قالت ذلك وقد حاولت أن تجعل صوتها محايداً .. لكنه شعر بالكلمات تتجه نحوه مؤنبة ، صارخة فيه \" افعلْ شيئاً .. ألا ترى أني متعبة وهرمة كشجرة اصفرّت أوراقها وذبلت !! \" رفع عينيه إليها كأنما يستلّ نظراته من حقيبة طافحة بالمرارة ليغرسها في عينيها الذاويتين ، لملمت العباءة على جسدها المهموم .. صفقت الباب خلفها في فتور .. كوّم في داخله حزناً هائلاً ، نبشه من الثياب المتراكمة داخل بسطتها الصغيرة .. من مشيتها الذليلة ، من خياله الّذي يرحل خلفها ليصل إلى مكانها فوق الرصيف الضيّق حيث اعتادت أن تنشر بسطتها وتجلس منتظرة ، ممتدة الرجاء ، لاهثة العينين خلف العباءات السوداء الكثيرة التي تعبر أمامها دون انقطاع !! أطلق زفرة ملتاعة .. وهزّ رأسه في إشفاق .. بعد نصف ساعة كانت خطواته تحفر الطرقات بدبيبها المتواصل .. طرق محترقة ، الشمس تهطل فوق الرؤوس وتمعن في مدّ خيوطها النارية داخل الصدور .. أسند ظهره إلى الجدار .. راح يحدّق في المارة مضطرباً .. مدّ يده إلى الأمام قليلاً في خجل .. كانت أصابع يده متكوّرة ومتلاصقة في انقباض .. فردها قليلاً في تردد لم ينتبه أحد إلى وقفته الذاوية كغصن مكسور .. استطالت يده الممدودة وأفرج ما بين أصابعه ، طأطأ برأسه إلى الأرض وانتظر ..
التعليقات
()
أريج شكيب
Public Anonymous User
2/29/2004 8:06:42 AM
سلمت يداك.. قرأت لك قصة أوركسترا أيضا..في الملحق الثقافي للاشتراكي انتظر أن تنشرها سيدي هنا ودمت مبدعا
صوت ابيض
Public Anonymous User
11/30/2003 8:06:42 AM
هنا في هذه القصة تقترب القاصة من عالم الرواية بشكل فني جميل ومبدع وفاء صوت قصصي له ملامحه الخاصة والمبدعة التي تجاوزت تجارب كثيرة
ياسر  التميمي
Public Anonymous User
8/14/2003 7:06:42 AM
روح الرواية المشوقة موجودة في هذه القصة الرائعة الى الامام ايتها المبدعة
فاطمة صالح
Public Anonymous User
8/14/2003 7:06:42 AM
قصة جميلة تلمس واحدة من مشكلاتنا وتحاول سبر أغوار هذه النفوس .. الجميل أنها لم تلتمس لها الكثير من العذر ، واقعيتها لم تحرمها من النفس الشعري الذي تميزت به وفاء في عشب الأنامل .. تحية للكاتبة.
حاتم الغامدي (السفير)
Public Anonymous User
5/30/2003 7:06:42 AM
عزيزتي وفاء.. دائما ما تمتاز كلماتك بالواقعية الحالمة.. هكذا تكون الكاتبة القصصية الممتعة الرائعة.. لا اجد الا الثناء.. فالتعليق ليس بمستواي يكون.. اخت وفاء الرجاء مراسلتي للخصوصية في امر تعاون.. انا بالانتظار.. الكاتب..
سقراط
Public Anonymous User
5/9/2003 7:06:42 AM
صور قصصية مبدعة من كاتبة موهوبة شكرا
مختار محمود
Public Anonymous User
1/29/2003 8:06:42 AM
رائع هذا التزاوج بين الحوار والسرد تحية ملؤها التقدير لما يقدم في هذا الموقع
عبد الله المتقي
Public Anonymous User
12/6/2002 8:06:42 AM
kaled والرائع لايرى إلا الرائع، حياك الله
عبدالقادر على الدرسى .
Public Anonymous User
12/6/2002 8:06:42 AM
كل العم اخى عبدالله. القصة القصيرة تحمل لون جديد فى الاسلوب القصصى احسنت .
kaled
Public Anonymous User
11/30/2002 8:06:42 AM
ممتازة ايها التقي المتقي روح قصصك الساخره رائع جزاك الله كل خير
وفاء العمير
Public Anonymous User
9/29/2002 7:06:42 AM
الأساليب الكتابية لا تتقمص أنامل أحد المبدعين وتتحرك على طريقته لكنها تسترسل بخصوصية جميلة لا تشبه سوى كاتبها . وفي الحقيقة فإن أي كاتب لا يمكن أن يكتشف تماماً كيف يكتب ، إنما يرى الكلمات تتدفق من الداخل ، من أعماق بعيدة ويصعب الوصول إليها ليبدأ في الدهشة إزاء تلك العوالم التي تتبدى أمامه بزخمها المتوهج كمدن منسية ! شكراً " هند " على ثقتك الغالية بحرفي . دمتِ سعيدة ومتواجدة دائماً معنا .
هند
Public Anonymous User
9/29/2002 7:06:42 AM
ما وجه الصله بين قصصك وقصص الاستاذ عبده خال
وفاء العمير
Public Anonymous User
6/30/2002 7:06:42 AM
الكاتب القدير الأستاذ محمد الرحبي أشكرك كثيراً لنشر قصتي ( عشب الأنامل ) في الملحق الثقافي لجريدتكم عُمان ، يسعدني أنه عن طريق شبكة الأنترنت استطعنا نوعاً ما التغلب على مشكلة الحدود التي تقف في كثير من الأحيان عائقاً دون التواصل الثقافي بين الكتّاب والمبدعين العرب .. لك تقديري وتحيتي .