تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
الميزان
[color=darkblue]وسط المدينة : حيث تعج الساحةالعام بالسيارات ، و الناس ، و ضجيجهم ؛ و بالقرب من المسجد الكبير المرتفعة مآذنه بعلو شاهق ، حيث تقع هناك عمارات كبيرة : حديثة و لامعة الزجاج ، و هي أماكن لأكثر من دائرة حكومية ، إذ يدخل رجال كثيرون ، و يخرج كثيرون من أبوابها : موظفون هم أو مراجعون . كالمعتاد ، كنت وسط هذا المكان ، أقف ، و تقف المرأة أمامي ، و قد وضعت خشبة تشبه الميزان ، إحدى كفتيه ناحيتي ، و الأخرى ناحيتها . نظرت إليّ بثبات و قالت : - أنت .. لا تسمح لي أن أخرج من البيت ! إصبعها كان يتجه نحوي : ( هذه زوجتي .. زوجتي الحبيبة تقول لي هذا ! ) . قلت لها : - نحن الآن وسط المدينة ! ( ربما أدركت أنني لا أريد بحث الموضوع ) . صاحت : - ولكنك تمنعني أن أخرج من البيت ! ( هذه المرة وجه أختي الحبيبة ) . قلت : - لا تقولي هكذا .. فالأمر ليس عندي ! ( أحسست بالحزن و الخذلان ) . ردت : - بكل الوسائل ـ أنت ـ تغلق علي الباب .. باب الغرفة ، و تأخذ المفتاح . ( وجه حبيبتي المشرقة ، عيناها واضحتان ) . قلت مازحاً : - و لماذا لا تكسرين القفل ..مثلاً ! و ضحكت ضحكة صغيرة ، لكنها قالت على الفور : - و لماذا تضع القفل ، و تغلق الباب أنت ؟! ( أنت ) . إصبعها كان يتجه نحوي كالسهم .. ( عاودني الإحساس الأول ) . لم أردّ .. واصَلَت بصوت حاد : - و لماذا يغلق أصلاً ؟! ( كانت حروفها تخترقني ) . سكتُّ قليلاً ، و لما لم أتكلم ـ سوى بحركات مضطربة من عيني ـ قالت بصراحة : - أنت .. أنت لا تعطيني الفرصة ، أنت تلغيني .. أنت تقتلني إذاً ! إصبعها كان يتجه نحوي كالسهم .. ( هل أقول بأن الأشياء لا تأتي هكذا .. مجاناً ؟ ) . صمتنا ، و كنت أنكس رأسي . ( عيناها كانتا مسلطتان .. على داخلي بالذات .. ) . التفت إلى المبنى الكبير ، و انفجرت بالضحك ـ لمحت دهشة عينيها أثناء ذلك ـ استمر ضحكي بشكل هستيري يشبه البكاء . ( و حقوقي أنا أيضاً ! ) . شعرت بمرارة فمي .. ( وظيفتي هنا .. ربما فهمت ذلك ، تباطأت حركة كفتي الميزان ، حتى استقرتا معتدلتين ) . مددت يداي لها ، و مدت يديها لي .. ( يا للفاجعة : فهي ـ أيضاً ـ بدون وظيفة !! ، بدون وظيفة أصلاً !! ) . أخذ الدوار برأسي ، ارتفع صوت المؤذن ، و اندفع أناس صدم أحدهم الميزان دون أن يدري ، فارتبكت الكفان و الكفتان ، كان بسيط الهيئة ، لكنا سقطنا ـ أنا و هي ـ في كفتي الميزان ، و قد أغمضت عيني في تلك اللحظة . أقبل شاب و شابة ، لها وجه مثل الصحراء يضيء ، و وجه الشاب يشبهها ، ربما هو أخوها ، أو حبيبها ، أو هي زوجته ، انحنيا علينا ، و أخذانا إلى صدريهما .. و انطلقا بنا .. حيث اتضح لي أنني أنني أنا الذي يتكام ، و أن الصوت المسموع صوتي ، و أنها هي التي تطالبني ، و لست أنا ، أو ليس أياً منا ـ أنا و هي ـ يطالب الآخر بما له ، و يطالب .. له . ( هذا الجو الربيعي يظهر فيه قوس قزح ) . و عندما فتحت عيني ، كانت عيناها مفتوحتان ، صارمتان ، تحدقان في ، و تذكرت أنها ـ هي ـ و أثناء حوارنا ـ كانت ـ تتصلب قسماتها أحياناً ، و تنبسط أحياناً ، و أحياناً تبتسم . ( رجل و امرأة يعيشان في مكان واحد .. معزولان عن بعضهما ! ) . هالني هذا ، أخذ الدوار برأسي ، و عادت الصورة للوضوح : المباني اللامعة ، الساحة ، الميزان ، و الجامع ، الرئيس وعمله المستمر . أحسست أن الشابين يبتعدان ، لمحت بسمة مضيئة تنطلق من ( عيونهم ) ، و هما ينعطفان مع شارع جانبي مترب .. بدا الضوء فيه باهتاً ، و البيوت طينية . نظرت إلى المرأة فرأيت عينيها .. لا تزالان تحدقان فيّ . ( سرجان يضيئان الليل ) . أغمضت عيني .. فيما صوت المؤذن قد أخذ يتلاشى ، بصوت حزين ، و طويل عبر المئذنة . [/color]
الظهران 12/2/1400هـ ـ 31/12/1979 م
التعليقات