تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
السائق الجديد
الصباح يسترخي خلف نافذة غرفتي .. يؤرجح شمساً باهتة الإشعاع على وشك أن تستحيل إلى سحابة بمعطف مطري خفيف ، لكنني كنت أعبئ في قلبي كآبة صباح خارج للتو إلى المدرسة !! .. كان العصفور يغرد بصوت كالضياء .. منغّماً بزخات مطر باردة ، تهطل ندية فوق جناحيه الموردين بالشجر .. يأتيني صوت تغريده حاملاً إليَّ عطراً ملوّناً بيوم جديد .. يوم يخرج من باب الزمن بحلته الجديدة ومفاجآته غير المعلنة .. وبدقائقه التي تحتفظ بثقل مرورها فوق جسد يومنا أو سرعته .. كانت السيارة تنتظر في الخارج .. والسائق يختفي خلف المقود وقد أحاطته سحابة نوم خفيفة .. سرعان ما فرّت هاربة عندما أغلقت خلفي باب السيارة .. كنت قد تعمدت أن أغلقه بعنف .. ليفيق من غفوته . سائق جديد .. بسيارة جديدة .. ويوم مكهرب بقيادته المخيفة !! .. كان ينظر إلى الشارع أمامه كما لو كان ينظر إلى عالم جديد .. يُدلق إليه لأول مرة .. ينسكب في حواريه فيتناثر في كلّ الأرجاء ، لمعة الخوف في عينيه تغيظني .. تجعلني أدرك أن عليَّ أن أكون متيقظة لمفاجآت الطريق .. وبحركة لا شعورية وجدتني أحيط نفسي بحزام الأمان المخصص للمقعد الخلفي .. واجهت صعوبة في إغلاقه ، خاصة وأن طرف العباءة كان يشبك مع حلقة الحزام .. استندت إلى المقعد .. يجب أن أكون دقيقة في وصفي .. تصلبت على المقعد ! .. هذا أول يوم أخرج فيه مع السائق لإيصالي إلى المدرسة .. كانت الإشارة في طريقها إلى أن تتلون بالأصفر .. راحت السيارة تهتزّ بين يديه .. تتردد بين أن تقف أو تواصل سيرها . ـ ماذا حصل ؟ لماذا السيارة تهتزّ ؟!! يلتفت إليَّ وقد شحب وجهه ، تذكرت أنه لا يجيد التحدث بالعربية .. جربت الإشارة .. أخذت ألوّح بيديّ المذعورتين .. رأسه يلتفت ناحيتي .. والسيارة تريد أن تسابق الإشارة التي تلوّنت الآن بالأحمر ، قلت بفزع : " ـ انظر أمامك .. قف .. ارجع إلى الخلف " صارت الإشارة خلفنا .. ونحن نقف بكلّ بلاهة أمامها .. عاد بها إلى الوراء قليلاً .. صرنا على حافتها .. هذا أفضل .. شعرت بقلبي كعصفور مذعور بقفصه الحديدي المغلق عليه والّذي يتأرجح بعنف وسط عاصفة مرعبة !! أخذت أترقب الضوء الأخضر وكأنني أنا التي تجلس خلف مقود السيارة ! عندما غمزت لنا الإشارة بأخضرها ، شعرت بها وكأنها ترمي بي في معمعة الطريق بلا رحمة ! امتدّت يد السائق إلى جهاز التسجيل وأخذ يحرك مؤشر المذياع نحو المحطات الأجنبية " يا لهذا البرود ؟ يا لثقته الكبيرة بنفسه ؟! " بينما كنت احترق في داخلي غيظاً ، وأتجرع الندم ألواناً لخروجي معه دون أن أتأكد تماماً من إجادته للقيادة ومعرفته الطريق ! .. وكالمجنونة أخذت أتلفت حولي .. وبصوت جُرّ على زجاج مكسر قلت : ـ " أين نحن ؟ هذا ليس طريق المدرسة .. لماذا لم تدخل الشارع الفرعي إلى اليمين ؟!! " صار يكثر من التفاته نحوي دون أن يبدو عليه أنه يفهم كلمة مما أقول ، رحت أزعق بأعلى صوتي " هذا ليس طريق المدرسة ، أدخلتنا إلى الطريق السريع ، ما الّذي سيعيدنا ثانية ؟! سوف نحتاج إلى عشر دقائق أو ربع ساعة لنصل إلى المخرج !! " هل أبكي ؟ .. لحظتها كانت كلّ الدموع لن تكفي لتخلصني من إحساسي بالقهر والغيظ ، كلّ المشاعر تهافتت عليَّ كشلال يهدر غضباً .. كنت أودُّ لو أشعل فيه حريقاً هائلاً وهو في مكانه خلف المقود .. لو أضربه ضرباً مبرحاً حتى يستحيل عليه تحريك رقبته نحو أي شيء مرة ثانية .. وأخذت أفكر بالمديرة .. وتراءت أمامي ملامح وجهها الجامدة .. واللون الأحمر كالدم يسيل تحت اسمي !! .. نفذتُ الهواء مخنوقاً خلف غطاء وجهي الشاحب الّذي استحال إلى ورقة شجرة يابسة ! وأشدّ ما أذهلني ردة فعله الباردة تجاه المأزق الّذي أوقعني فيه فما زالت أصابع يده الغليظة تحرك المؤشر في وجه المذياع يميناً ويساراً بحثاً عن صوت أجنبي ، يتكلم بلغة يفهمها .. بينما لغتي تتشتت في دائرة فزعها وتتناثر حول رأسه الفارغ !! ـ هاهو المخرج .. أدخل معه .. لم يفهم .. صرخت فيه .. وأخذت أضرب في مسند المقعد الّذي يرتكز عليه بكلّ ثقة .. ـ بسرعة .. هنا .. أدر المقود ! ولولا حزام الأمان الّذي حبسني خلفه لنهضت من مكاني وأدرت المقود ناحية اليمين حيث يقبع المخرج ، الّذي كان بحقّ مخرجاً لورطتي الكبيرة ، ولو لم يدخل معه لكنّا الآن نتجول على غير هدى في ضواحي الرياض كلّها قبل أن أصل إلى مدرستي !! أمام بوابة المدرسة وقفت السيارة .. تخلصت من حزام الأمان وكنت أرتجف من مغامرة هذا الصباح المريعة .. طالعني وجه المديرة خلف المكتب البنّي الصقيل .. وأمامها يسترخي دفتر الحضور الكبير بهيبته وشموخه المتعالي .. رأيت عينيها تتسلقان الساعة الجدارية .. كان الوقت يركض ضاحكاً مني إلى الثامنة إلا ربعاً !! طبعاً لن أحلم بالتوقيع في دفتر حضور المثاليات من المعلمات المحتفظات بأوقاتهن المرتّبة .. وضعتْ تحت عيني دفتراً صغيراً خاصاً باللواتي يحضرن متأخرات ! بخجل وحنق بالغين كتبت اسمي في أعلى صفحته الخالية ! على الكرسي .. خلف مكتبي .. أرحت جسدي المنهك .. وراحت ذاكرتي تستعرض في كثير من الدهشة أحداث هذا الصباح المشاغب .. وقد غمرني إحساس بالذهول ، كيف كنت أصرخ بالسائق عالياً .. وألوّح بيديّ ناحية اليمين وناحية الشمال كمجنونة .. وكيف كنت أضرب المقعد بغيظ حتى اتسعت عيناه بالفزع مخافة أن تأتي إحدى الضربات على رأسه !! أنا التي اتسمت شخصيتي بالهدوء والاتزان ، كيف خرجت من داخلي امرأة أخرى لا أعرفها ؟!! .. سرقني من ذهولي صوت رنين الجرس العالي ، يتداخل صوته بصوت الفزع في ذاكرتي ، انهض سريعاً ، واحتمي بداخل أحد الفصول !! .
التعليقات
()
bassam
Public Anonymous User
10/7/2002 7:06:42 AM
لو تسمح السعودية للنساء بقيادة السيارات,لوفرت الكثير من المال ولما تاءخرت وفاء عن مدرستها!!!!!!!!
فؤاد الربيعة
Public Anonymous User
1/21/2002 8:06:42 AM
وفاء اما ان الاوان لكتابة الرواية الي الامام مع كل تقديري
عماد العباد
Public Anonymous User
12/19/2001 8:06:42 AM
نصٌ - كالعادة - جميل ياوفاء .. كم اطربني منظرك وانت تتركين القارئ يلهث خلف قلمك ليعرف النهاية.. المزيد من التفوق والمزيد من الابداع .. وما ذكر من تأويلات للنص انما هي تحميل له فوق ما يحتمل .. سننتظر المزيد من ابداعك ..تحياتي
كاتبة القصة
Public Anonymous User
10/24/2001 7:06:42 AM
كيف نكتب الحكاية ؟ هل نكتبها بعيون الناس .. بأفكارهم الجاهزة حول الأشياء .. بالأحكام المسبقة للأمور ؟!! قبل أن يحكي الكاتب .. هل عليه أن يضع فوق عينيه النظارة نفسها التي يضعها الناس على عيونهم ويرون من خلالها تفاصيل الأشياء المدروسة ؟!! أم أن عليه أن يكتب تلك الأشياء التي تنمو بهدوء وببطء في قامة الأشجار وتورق بعفوية فوق الأغصان وتمنح العالم ثماراً برّاقة ومختلفة ولها نكهة الأحلام !! الكاتب لا يقوم باستجلاب حروفه من غرف ضيقة تنبت على جدرانها العيون !! .. إنه يكتب تلك الحروف التي لها شكل أجنحة ، تتشكل في كلّ كتابة بكون مختلف . كيف يريد القارئ أن يقرأ كاتبه ؟ بعالم القارئ الخاص .. بأفكاره الذاتية ؟ إذا كان الأمر كذلك ما جدوى أن يكون هناك كتّاباً .. ما جدوى أن يكتب الكاتب قصصاً بحرف القارئ وسنة قلمه وذاته الخاصة .. لو فعل ذلك أين يكمن التميز فيما يكتب ؟!! كلامي هذا لا أعني به نفسي .. فما أنا إلا كاتبة لم تزل تتلمس دربها في عالم القصة الشاسع ، ولكنه حديث أعني به الكاتب بشكل عام ، والعلاقة التي تربط القارئ بما يكتبه . شكري الكبير للذين زرعوا شجر تعليقاتهم هنا في هذه المساحة الصغيرة المتواضعة .. أرفع لهم فرحي بهذه التعليقات .. مهما بدا بعضها قاسياً وسريعاً في إطلاق أحكامه .
محمد الاصفر
Public Anonymous User
10/17/2001 7:06:42 AM
الى كاتبى التعليقين السابقين .. اتركا الكاتبة تتكون .. والسائق الذى تقصده ليس سائق سيارة او حافلة اوحتى طائرة انتحارية .. لا تقرأوا النص بعيون لديها رخصة قيادة .. النص محمل ومفخخ ومركب جيدا .. اعيدا قرءاته برؤية اخرى وسيفزعكم الشرخ الذى تقصدهalasfar-m@maktoob.com
عبدالله الدوسرى
Public Anonymous User
10/17/2001 7:06:42 AM
انا انصحها بعدم الركوب مع اى سائق قديم اوجديدوان تمشى على الرصيف فى حذر