تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
الرقبة
الرقبة
الـرَّقبَــة إلى علي العمري كان يقفُ فوقي مباشرة ، نظراتي راجيةً تصعدُ نحوه ، وتهبطُ نظراته مَلُولةً عليّ ، كان فارعَ الطول ، مشدود الجسم ، بينما أتكور فاقداً الروح ، مبعثراً تحتَ نظراتِهِ المتعالية ، وقد زدت من إتعاب رقبته بإعادة النظر مرة وراء مرة ، ليتأكد من إصابة نظراته لهدفها : امتهاني . فقط النياشين والنجوم ( حفظها الله من كل سوء ، لأن كتفيه وقامته وعينيَّ بحاجة لها ) . كانت تزدادُ لمعاناً مع حركاتِ انحناءاته الخفيفة نحوي .( متى آخر مرة تجرأ الغبار على مسّها) تماسكَ المُهانُ رَغْم أنه شَعَر بمرارةِ الاحتقار ترسلُها عينانِ خلفَ نظارةٍ سوداء . يلمعُ الرجلُ مرصّعاً بالنجومِ والتيجانِِِ مُثْقلاً بالأنواطِ ، مُخْفياً نصفَ وجهِهِ وراءَ نظارتِهِ التي ينعكس على صِقالها انْهماد رَجلٍ يعتذر ملء مهانته.. بينما تحمل العظام عَظَمة الرجل البهي . تماسك المهان ، وتأمل تاريخه الطويل مع الرجل المتناسل من عظماء الأرض المنصوص على مهابتهم في كتب السماء ، شَحَذ طاقته فألفاها قمينة به ، قبض أصابعه وبسطها ثم شد ذراعيه وزنديه فاستوثق من بقايا وَعْدٍ فيهما بالعمل . تشاغلَ بالاستمرارِ في بَذْل الولاء والطاعة للبذلة المزدانة بالرجل - المزّين بها. سمّى وبارك كل أفعال الرجل العظيم ، كل أفعاله السابقة واللاحقة. تحرك مستأذناً ، تثاءب معتذراً ، تَمَطّى خَجَلاً ، ثم تَسَامى على أَلَمٍ مُوغٍل ينخرُ قلبه ، واصلَ التحركَ محاولاً ألا يلحظه الواقفُ على زمنه ، الساحق بظله الشمس المولّية نحو الغروب . سيكون أفولها الأخير في موقعه التحتي ، إذا ما استعان المهان بالخلاص فعلاً إنسانياً لا يقبل التأجيل . تحركََ المُتَسَامي ، مُشْعراً السّيِّد الواقف أنها حَرَكةٌ اعتيادية ، كحركاتِ الاستسلامِ المألوفةِ لضحيةٍ تلاحقُ الجلّادَ بنظراتِ استرحامٍ عُمْرُها من عُمْر الخليقة .. صَرَف الذلّ جانباً ، نحّّاه من بابٍ جانبي صافعاً خلفه الباب .. وعاد هو للداخل ! داخلِهِ المليء بألفِ رَغْبةٍ ؛ ورَغَبْةٌ وحيدة : أن يصهرَ الوجَه المليءَ ببُثورِ العَجْرفة .. وتزيِنه ( والزينة زورٌ محقق ) دماملُ الغطرسةِ ( يستغفر الله ) ! كان وجهه هو صافياً ندياً كقلبه .. لكن هدوءَ الطُّهر غادرَ وجهَهُ عندما أَزْمَعَ أَنْ يبدِّل حباتِ العَرَق بما يستحقُّ وجهَه من لآلئ توازي ، بل تتفوق على نجمات هذا المسوّد . تولَّهتْ رغبته في الإمساك برقبة هذا المسُّيد . ********* وسأل بطلُ القصة ( أعني الذي يوشك أن يكونً – بطلها ) من سيَّدَه ؟ هل يركن إلى جواب معلَّب ؟ خشي من جوابٍ جاهز ، ليقولَ لنفسهِ ولكثيرين وراءه سيهتمون بالحالة ، حالتِهِ التي لم يكن أول من حاول والأخير ، لكل من يبحث في تجربتِِهِ ، سيقول مجيباً : سيَّدتْهُ الحاجة .. بل قلةُ الحِيلة التي أتَمتعُ بها ، أنا وأمثالي ، نحن جالسون فقط ، بينما السيَّد المسوَّد هذا يقدم حذاءً لنا لنمسحه ، الحذاء اليمنى أولاً ، وتارةً يقدم اليسرى .. ثم يسمحُ لنظراتِنا الجائعة ، بالشَّبع من مُحَيَّاه ؟ ويمنحَ عيونَ نسائنا شرفاً جديداً : أن يكنُسْنَ بأهدابُهن غبار أَوْسِمتَه ! غبارُ حذائه لنا معشر الرجال ، أما غبارُ كتفيه وصدره المهيب بالألوان . فعيون الحرائر والماجداتِ وذواتِِ الخدورِِ تتولى أمرها . عاثت لواعج الاندفاع بأفكاره ، وحيرت قراره ، ثم أركسته جبال الإحجام ، في اللحظة التي يكبر تارة ، ويَضْمر تارة حتى لا يكاد يعرف نفسه ، بل ينكرُ هذه الحالَ التي وصل إليها ! في خطفة استجمع قواه ، وفي لحظة جعلها مناسبةً جداً ، هجم بكلتا يديه ، استوثق الرقبة يمكن القول بأنه لم يمسك شيئاً ذا قيمة منذ مدة طويلة .. صاحَ به الرجلُ الضخم .. حاولَ الإفلاتَ ، كان متمرِّساً على خَوْضِ الوُحُول أظهر قوته ، كأنما ازداد قوة مفاجئة ، بدأ يدافع بها عن عليائه ، كان يخبط بقدميه .. بينما أمسك الرجل – صاحب الذراعين المشحوذين والكفين المعروقتين .. أمسك بالرقبة، كان يواصلُ الإمساكَ دونما كَلَل.. كان الواقف المهيب يخور حيناً ، ويستخلص جزءاًً من جسدِهِ حيناً .. كان الجالسُ واثباً نصف وثبة .. كمن يصارع رقبةً فتظهر له أخرى تدفعه جانباً .. كانتْ أفعى برؤوس عدة .. بل أخطبوطاً يلتوَّى .. يمسك ويمسك .. وخُوار المهيب يزدادُ وصُراخه يعلُو كيْ يفلت .. لم يستغرب الواثق أن الخائرَ الصائحَ لم يلجأْ لتذكيرِهِ بماضٍ مستكين ، لم يسألْه إلى أينَ غادرَهُ ضعفُه ؟ ، ربما كانتِ القبضةُ من القوةِ بحيثُ انشغل بموقعه يصارع واقفاً ، لا ينوي السقوط .. المستوثق كان يقول كازاً أسنانه : سيرى هذا المسيَّد .. تحشرْجَ مواصلاً الرغبةَ في الإفلات .. فاحتْ رائحةً عَرقٍ بَلَّلَ كَفّي المُمْسِك .. القابع تحت ، واشْتَمَّ رائحة جلدٍ مَعْروق تزكم أنفه . سيواصل ، حتّى بعدما يعلم أنه كان ما يزالُ يمسكُ ، بكل قوته ، رَقَبَة الحذاء . النماص 5/2005
التعليقات
()
فاطمه الناهض
فاطمه الناهض
11/2/2006 6:55:33 AM

 نصك جميل يا رانيا، واول غيثك قطر،راح ينهمر بثقة   وقوه،وبما يكفى لنلتفت الى  كلمات ليست كالكلمات.مرحبا بك وننتظر بشوق نتاجك القادم.

علي ناهي الشمري
علي ناهي الشمري
11/1/2006 10:56:17 PM

استوقفني تعليقك وانت تذكرين سيرتك كونك طبيبة اسنان وهي مهنة طالما اعجبتني ولا اجد مبررا مقنعا لنفورك

ثم انك تملكين ملكة ممتازة في القص ادعوك لاحتواء الابداعين معا

مع كل الود والترحيب

خليل  قطاطة
خليل قطاطة
11/1/2006 8:32:08 PM

يبدو هذه المرة أن أول الغيث ليس قطرا بل أول غيثك طوفان جارف ذهب بما إكتنزناه من ورود لسنا نملمكها كيما نرميها

لغة سليمة و نص محير و مقلق .أشد على أياديك

 نحترم النصوص الجيدة و لا نجامل

على فكرة مرحبا بك هنا

خليل قطاطة

أحمد رزيق
أحمد رزيق
11/1/2006 4:04:33 PM

المبدعة رانيا فايز

كان أول ما قرأت سيرتك، ثم خضت غمار النص قراءة، فوقفت كما قد يقف غيري ممن سيقرؤون النص، على أنك لست مبتدئة البثة كما أثبتت ذلك في سيرتك الذاتية. نصك أيتها المبدعة نص قوي بلغته وتركيبه وتقنيات الحكي الموظفة فيه، وهو قوي كذلك من حيث المحتوى الدلالي الذي يحمله .

شكرا على الإمتاع والمؤانسة

 

سعدي صباح
سعدي صباح
11/1/2006 1:24:52 AM
ألأخت (رانيا فايز قرأنا لك : غَــيْـــثْ  أهلا وسهلا بك  وبنصوصك تزدهر حدائق ألإبداع
فاطمه الناهض
فاطمه الناهض
10/31/2006 10:54:58 AM

اعجبنى الاسترسال فى وصف  تفكير ماسح الاحذيه

ونظرته الى العسكرى الهائل ذو الجزمة العسكرية ذات العنق الطويل

اعجبنى مجاز استخدام تعبير الرقبة مع الفارق بين الرقاب، سواء رقاب البشر او رقاب الاحذيه

دلالات رمزيه متناثرة ،تشى بتمكن واثق من استخدام اللغة ومفرداتها

قصة جيدة اخ ظافر،

كنت قرات الهروب الابيض وظلت عالقة بذهنى حتى الان، من اجمل ما كتبت،تماما،لكنى لم اتمكن من التعليق عليها ،كانت تخوننى الكلمة  امام جمالها،كلما حاولت.

شكراعلى كلا النصين