تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
أرواح تتطاير كالهباء
[font=times][color=sienna] كاد أن يمر يومي سطحي و عادي لولا تلك الطلقة الطائشة المدوية التي عبرت من أمامي مخترقة جسد رجل يسير في الاتجاه المعاكس لي .. ظل أنينها في أذني مدوي هائلاً سمرني في مكاني لم أصحو أو أستفيق إلا على قول رجل يستند على عكازين ، وعلى عينيه نظارتين داكنتين توحيان بأنه ربما يكون ضريراً ؛ وقف بين المتحلقين بفضولهم يواري جسد الرجل المسجى بأوراق صحيفة يومية : من قتله يا الله ..؟ أحدق بالصحيفة التي أخذ بعضها يتطاير .. أقاتله بيننا ؟ أم تراه هرب بحذر بين هذا الجمع الحاشد ؟.. أجبت نفسي مذهولاً : لربما كنت أنا الهدف ! من يدري ؟. في هذه المدينة يختلط الغرباء بأهلها ، وفي هذا الشارع يمتزج الصمت بعدم المبالاة .. حتى قاطني هذه البيوت تأخذ وجوههم شكل الحياد الموشى بوسطيته المرة ؛ وهم يطلون برؤوسهم على مسرح الجريمة ..صهد الشمس آخر هذا النهار يذيب صبرهم لكنهم يتجلدون في المقاومة . تنادى الحضور ؛ العابرون منهم وأصحاب المحلات المتراصة بانتظام . أجمعوا بصخب رأي لا يخلو من تملص على ضرورة أن يحضر رجال الأمن والإسعاف هنا .. طنين الرصاصة يدوي في أذني . تفصلني عن المغدور ـ لحظة أن لقي حتفه ـ مسافة ضيقة جداً. في تأملي للجسد المسجى بين أوراق الصحيفة التي أخذت تتبعثر أفصحت عن جسده الفارغ من الدماء ،وعيناه مطفأة بما يشبه الوسن .. شاحب الوجه وتعلو سحنته غشاوة أهل الفاجعة . حمل مضرجاً بدمائه في جوف سيارة إسعاف برتقالية أنيقة ؛ لم تلبث أن ولولت وسط الجمع المتماوج وغابت في الشارع الطويل ، وتفرق الحشد لا يلوي على شيء سوى تسجيل هذه اللحظة الفاجعة في العديد من الأوراق الرسمية .. رجل يقتل في عرض هذا الطريق ، ينزف الدماء على هذا الرصيف ، ويوارى جسده بأوراق صحيفة فرغ منها صاحبها فيما يبدو وإلا ما تطوع في تقدمها . قط ينحني على بقعة الدماء يلعق منها ، ونساء يغلقن أفواه النوافذ المطلة على هذا الشارع المكتظ بعابريه .. أرواح تتطاير كالهباء هنا وهناك . عالم لا يحفل بموت أو حياة . ضحك لا يؤثر . بكاء لا يجدي . كل شيء هنا سطحي ، وعادي ، ولا يعبئ به !! . * * * * * * أفرطت في هواجسي ، واستحضرت بعض فضولي ..لم يعد ماثلاً إلا بهيئة ذلك السؤال .. من قاتله يا ترى ؟ لما لا أكون المعني بذلك ؟! . التقطت شتات ذاتي . عدت من حيث أتيت . أخذت اتجاه الرجل المغدور قبل قليل . على بعد خطوات حدجني هذا الرجل الذي رأيته قبل قليل ينحني على القتيل ويلفه بأوراق الصحيفة .. نعم هو ذاك ؛ بعينين تعمرهما نظارة غامقة توحي بأنه ضرير . زاد اهتمامي به . تأملته ، ولفت انتباهي صحيفة أخرى مطوية بإبطه بإحكام ؛ تأكدت من أنه يستعين بعكازين معدنين صوب أحدهما نحوي وكأنه يحييني وسط جموع السائرين ، سمعت أزيزها المدوي . شممت رائحة رصاصها الفاجع .. كانت الرصاصة تسقط الرجل الذي يسير في اتجاه يعاكس سيري .. فر عقلي مذعوراً .. ، وأنا أرى الرجل بنظارته الداكنة وعكازيه ينحني بعد برهة على المغدور الآخر يغطيه بالصحيفة التي كان يتأبطها قبل قليل .. حدقت برهة في وجوه العابرين . تأملت البيوت الموصدة ، والبنايات العالية ، والأشجار التي تخبئ براءتها خلف الأغصان الشاحبة .. لم أر من يملك وجلاً جراء ما حدث . شارع يحبل ويلد الغرباء وأشباههم . رجل يستر بكرم أفضاله ما بان من جسد فارق صاحبه الحياة قبل برهة ..لم أراهم يمقتون خزي غدر يعمل وجوده القاهر . رأيت وأنا أهم بالانصراف سيارة إسعاف أخرى تولول طلباً للنجدة من هذا الزحام الخانق . لاذ الرجل الغامض قبل برهة في زحام الناس . رأيت القط ينتظر رفع الرجل المغدور .. ربما سيلعق بعض دمائه المنهورة على قارعة هذا الطريق . [/color][/font]
الرياض / 2003م
التعليقات
()