تم تدشين موقع القصة العربية بشكله المطور الذي يحتوي على الكثير من الخدمات التي تتماشى مع رغبة أعضائه، وبما ينسجم مع وسائل التواصل الاجتماعي. سيكون الموقع للتصفح والقراءة الآن، ريثما ننتهي من برمجة الخدمات المرجة في جداول التحديث. قريباً سنعلن عن كيفية الاشتراك، ووضع النصوص وتعديلها، وتفاصيل السيرة الذاتية.. ومزايا أخرى.
أحلام ثقيلة
كنت دائماً أرى مالايُرى ، في النوم أرى قناديل تضحك ، وعيون تلتمع ، وأرى أبي يتحدث مع غرباء عن الموسيقى ، وهم محفوفين بالسمفونية التاسعة لبتهوفن ، بينما أبي يتحدث إليهم منتشياً عن سوري مقيم في فرنسا ، يدعى عابد عازريه ، يتحدث عن نهجه الموسيقي ، والآلات التي يستخدمها ! كان وجه أبي تماماً ، بتجاعيده وانفعالاته ، بلحيته المصبوغة ، وهو يتنقل من موزارت إلى بتهوفن إلى تشايكوفسكي إلى آخره ، كان هو ذاته أبي ، بجبهته المتغضنة وشاربه الحليق . كنت أرى مالايُرى ، أرى أبواباً كثيرة ، تنفتح على أبواب أخرى ، أرى أمي تنظّف اللوحات الزائدة في المخزن ، تمسح غبارها ، وتقول لي : أنا أحب بول كلي ، إنه فنان عظيم ! كانت هي أمي السمراء ، بوجهها المجدور ، أمي التي لم تعد تلحّ بأن أكف عن رسم ذوات الأروح ، كنت أرى أمي تجلس على طاولة المطبخ ، ترسم بورتريها لاأعرف لمن ، قالت هذا ( كليمنت ) ، هل تعرفه ؟ قلت : لا . أشارت إليّ أن اتبعها ، وهي تقول : سأطلعك على لوحاته ! ! كنت أرى دائماً مالايراه أحد ، أرى المستشفى الذي أعالج به لوثة الدوار خالياً من المراجعين ، ممراته لامعة ، لاألمح عليها سوى ظلي ، ولا يقابلني أثناء مروري سوى الممرضات ببياض ملائكي ، يبتسمن بوجوه شرق آسيوية ، وتقودني إحداهن ، كان الطبيب يبتسم لي ، ويعتذر عن تأخره ، رغم أنه لم يتأخر إطلاقاً ! ! كنت أرى مالايُرى ، من النافذة أرى أسلاك الكهرباء خالية من الغربان ، والسماء لاتحوم فيها العقبان والنسور ، كنت لاأرى الذباب يطنّ ، ولا أسراب البعوض تتنقل فوق البرك والمستنقعات ، حيث لامستنقع قرب البيت أصلاً ! ! كنت أرى الشوارع خالية ، والناس يتحركون بدقة ونظام ، كل واحد يؤثر الآخر ، كنت أرى البلاد لاسادة فيها ولا عبيد ، لاحكاماً ولا محكومين ، كنت أرى مالايُرى ، كنت أسمع مالايسمع ! ! في آخر الليل ، كنت أتنبّه فجأة ، وأمشي وأنا شبه نائم نحو الثلاجة في طرف الغرفة ، أسكب ماءً وأشرب ، دون أن ينقطع ماأراه وأسمعه ! ! في الصباح أصحو ، وأقص على أمي مارأيت ، كانت تقول هذه كوابيس ، ياولدي الحلم خفيف كالفراشة ، لكن أحلامك ثقيلة مثل الحجارة ! ! قبل أن أنام تنصحني دوماً : سمّ باسم الله ، وانفض شرشفك قبل النوم ، وبعدما تصحى ! ! صباح اليوم ، فتحت عينيّ المرهقتين ، وقد رأيت البارحة أشياء كثيرة لاتُرى ولا تحكى . شعرتُ بصداع رهيب في مقدمة رأسي . حين لمست جبيني صعقتني حرارة طاغية : لابد أنها الحمى ! ! رأيت في الغرفة أشياء صغيرة تطير ، تشبه البعوض : اللعنة ، هل كانت طوال الليل تغرز خراطيمها الواهنة في وجهي ، لتقتلني بالحمى ، بينما أنا منهمك في رؤية مالايراه أحد ! ! نهضت بتثاقل ، وتذكرت وصية أمي ، فأمسكت بالشرشف الأزرق من أطرافه ، ثم نفضته بقوة مفاجئة ، فتطاير من أنحاءه مايشبه الحشرات المضيئة ، إرتبكت وأنا أفكر برؤياي الليلية المستمرة ، هل هذه الأحلام التي قالت عنها أمي : إنها ثقيلة مثل حجارة !! نفضت الشرشف ثانية فاصطخبت حشرات مضيئة تكاد تتصادم في فضاء الغرفة . أسرعت نحو النافذة وصفقت بها ، لتنفتح عن آخرها ، وهالني منظر الحشرات المضيئة اللامعة مثل جواهر وهي تتدافع نحو ضوء الخارج ، وتنساب من النافذة ، وحين ابتعدت عن النافذة لأسمح لها بالمرور دون أن تتصادم ببعضها ، سمعتُ على الفور تحطم أشياء في الأسفل ، انطلقت عبر السلالم الحديدية إلى الحوش ، لأرى أسفل نافذتي شظايا أحجار ، وقد تفتت إلى أجزاء صغيرة جداً ، بينما لم يكن هناك أي أثر للحشرات المضيئة ، ولا لسخونة الحمى .
اكتوبر 2000م- الرياض
التعليقات
()