خلف زجاج المرآة وجد قصف شديد .. تتدفق في رأسه إشارات كهربية تذبذبه .. ينقبض ..
مد يديه المرتعشتين في خوفٍ وقلق.. يترنح .. يسقط ..
تمتلئ المرآة بصور ضبابية مكثفة ... ومارد يأتي من بعيد يتوسط بؤرة المرآة .. تظهر قدماه الحافيتان فجأة في وجهه .. يثور داخلياً من هول الصدمة .. لا يجد مساحة للترنح الآخر .. فقد ضاقت مساحة المرآة ... امتلأ الفراغ من بين حديها ..
.. تظهر أذرع صنميه تحمل نجوم هاروتية وماروتية .. تتوسط لوني الجنة الباردة ومن حولها خطوط من النار الحامية .. حاول أن يعرف الوقت والتاريخ .. لكنه تذكر أنه ليس من النوع الذي يحمل تلك الآلة التي لم تكن لها أهمية لها عنده من قبل .. تفقد بعينيه الشبه مغلقتين إلى ما بعد رموشه .. لم يجد سوى هذا المارد .. ويداه أصبحت في مرمى عينه الناعسة تقترب بأصابعها الثعبانية .. فتنكمش الرموش مرة أخرى وتنقبض قبضة طويلة..حاول القيام من مكانه .. لم يقدر.. يتلاعب المارد بحجم المرآة فتارة يجدها طولية وتارة عرضية ثم مقعرة ثم محدبة وشيء ما يومض .. تهتز الأرض من تحت قدميه .. يشعر بلسعة نار في أذنه .. يحاول لمسها بيده فلا يستطيع تحريكها .. تتوغل النار في صنوان أذنه يشعر بها قد تخطت الطبلة .. ينتفض ويتمتم بكلمات لم يعد يملكها لكنها تمتلكه .. فيشعر بخروج اللهب مع نعق المارد و تترنح المرآة تغيير لون خلفيتها من الأسود.. للأحمر.. للقرمزي .. تنفصل الألوان الزجاجية لتصبح نارية المظهر.. لا يستطيع البعد ولو لسنتيمترات عن مكانه .. لم يستطع حتى أن يلتفت وراءه .. الألوان الذكية تنشطر وتحدث انفجار غير مرئي .. يموء برأسه وهز كتفيه.. ترتفع من خلف رأسه شعرة .. ثم الأخرى .. واليد لا زالت تقترب .. ملابسه تسحب منه .. فيعيدها في توتر .. كلما حاول استعادة قطعة وجد الأخرى تنتزع .. ضاق به المكان .... هل أغلق المارد علي بيتي الكبير .. أعجزت أن أجد باقي بيتي .. كيف استطاع أن يحجبني عن العالم في هذه السنتيمترات ؟؟!!! سكت لبرهة عن التفكير .. ثم حاول أن يفتح عينه في تمتمات متلاحقة .. تثاقلت رموشه المرتعدة .. فقرر أن يفتح عيناه .. وأن يتخلص من تكوره .. قفز فجأة من مكانه .. أرتفع في الهواء قابضاً يداه وتتحول تمتماته إلى ثورة وكأن بركان قد انفجر من داخله ....نزل بكل قوته على المرآة .. حطم الزجاج .. اختفى المارد ..
لكنه عاد ليفكر من جديد .. كيف استطاع الزجاج أن يحمل كل هذه الأحداث دفعة واحدة ..
بين نترات الزجاج المتكسر وجد اليد التي كانت تمتد مجزئة في بعض القطع المتناثرة تتحرك وتحاول أن تجمع أشلاءها المحطمة .. انحنى سريعا على الأجزاء التي تحوي تلك اليد .. همَ بخلع ورقها الخلفي ..
أخذ يزيل خلفية الزجاج قطعة فقطعة .. حتى تأكد أن كل الأجزاء أصبحت لا تحمل انعكاسات أخرى حتى ولو كانت انعكاساته هو ذاته..
نظر للبرواز الكبير الذي كان يحمل المرآة.. أشفق عليه أنه أصبح خاوياً .. صعد على الكرسي الذي كان بجوار دولاب ملابسه ومد يده وألتقط صورة من الصور التي كانت مركونة .. أزال عنها التراب .. لصقها على البرواز وبدأ يقرأ ما بها..
حتى وصل إلى آخر كلماتها .. فأطمئن قلبه .. وذهب ليشتري ساعة .. وحاسب آلي .. وقلم ..و زجاج شفاف