[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الباب يُطرَق من الداخل 
التاريخ:الخميس 1 مارس 2001  القراءات:(1075) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : مايا عز الدين عبّارة  
كان كتابي الجامعي في يدي اليسرى و جهاز تحكّم التلفاز في يدي اليمنى .. و كنت أتابع ما يُعرض من مشاهد القتل و تدمير المنازل فوق رؤوس سكانها الأبرياء الآمنين . فجأة طُرِق باب بيتي الحديدي بقوة و عنف لدرجة أنّ نوافذ البيت و جدرانه اهتزت مرتجفة من الخوف .

ارتجفتُ بشدة ظانّة أن أولئك القتلة قد خرجوا من التلفاز .. و هم الآن يقفون ببابي.

"لا .. لا.. ما زال الوقت مبكرا على مركبة فضائية تُقلُّهم بهذه السرعة و دون أن يلمحهم أحد ." نهضتُ .. و نهضتْ معي ساقاي اللتان قصفتا تحتي كأغصان شجرة عارية تهزّها ريح عاتية في شتاء موحش . تمهّلت قليلا قبل أن أسأل: من؟

لم يجب أحد .. فتحت الباب و لم أجد أحدا . لا بد أن الطارق قد غادر بسبب تأخري بفتح الباب.

عدت للغرفة .. و عدت لأتابع مشاهد الجرّافات التي تهدم دون أن تفكّر بالذكريات التي تسكن أركان البيت .. بالكتب على رفوف المكتبة .. بكلمات خطّها ولد صغير و هو يشعر أن كلماته كنز.

"ترى هل ينأى كتابي عني عمرا بأكمله إن تهدّم البيت الآن فوقي...!"

رفعت صوت التلفاز فارتفع صوت الطرق على الباب مجددا. "هل أفتح له..؟ لا لن أفتح كي لا يدخل بيتي .. بل سأفتح و سأواجهه و ليكن ما يكون .. لا أحب أن يقال عني "ضعيفة" فهو إن كان سيدخل البيت فلن يهمه إن فتحت له أم لا .. سيدخله قسرا .. فلماذا لا أواجهه و أموت بكرامتي بدلا من الموت الذليل."

فتحتُ الباب .. لم أجد قبالتي أحدا .. مددت رأسي قليلا نحو الجهة اليسرى فرأيت خيالا لرجل يرحل .. وددت لو أناديه .. لو أًصرخ به ليعود .. ليواجهني إن كان رجلا .. لكن لم تكن لدي بعد القوة الكافية للهجوم كوسيلة للدفاع . أغلقت الباب وعدت للتلفاز .. رفعت صوته عاليا علّي لا أسمع صوت الباب إن عاد يُطرَق ؛ لكنّ الباب طُرِق بصوت أعلى و بضربات أسرع .. نهضت بسرعة تجاريها .. فتحت الباب و رأيته ...

عاد يقف أمامي بقامته القصيرة .. برأسه الأملس الخالي من الشعر .. وجهه الحليق و كرشه الضخمة القادرة على التهامي دفعة واحدة. نَمَتْ ضفيرتان على طرفي كتفي الصغيرين و.. ضمر جسدي قليلا في بعض مناطقه و نَحُل صوتي.. صعد كتاب التاريخ بين يدي فبعد يومين امتحان الشهادة الإعدادية ..

سألتُ الرجل عما يريده.

بصوت أجش مبعثه رجل ضعيف جعل المال منه رجلا قويا و لكنه ما زال جبانا قال: إلى متى سننتظر .. إلى متى؟ أجيبي. قلنا لكم منذ أسبوع و إلى الآن لم تتصرفوا بشكل لائق .. لن ننتظركم .. لدينا أعمال غيركم .. لن أدفع أجرة يوم آخر للعمال .

أطلق قنابل شتائمه عليّ واحدة إثر الأخرى، و أمام سيل من الكلمات النابية لم أجد لدي سوى أن أرجوه .. رجوته أن ينتظر فلا يهدم الجدار المشترك بين بيتينا.

_ لن ننتظر .. و لماذا الانتظار .. أنا اشتريت هذا البيت الأرضي القديم لا لأسكنه كما هو، بل لأهدمه و أبني بناية مكانه ..يجب أن أبني بنايتي هذه .. ابني في الصف التاسع و بعد ثلاث أو أربعة سنوات سنزوجه .. أين أزوجه ..؟ على رأسي؟

_ لكن ..!

_ ماذا ..!

_ هنالك حديقة و حوض يحوي نباتات و شجيرات ورد و شجرة ليمون .. فكيف...!!

_ هل هناك زجاج؟

_ لا

_ إذا لا يهم .. أين أخوتكِ؟

_ أنا وحدي.. انتظرْ حتى أتصل بهم.. لحظة من فضلك.

كنتُ لا أزال ناعمة برغم أن صوتي علا بعض الشيء . ركضت نحو الهاتف .. ضفيرتاي سبقتاني دون أن تجدا مكانا تستقران به .. وجهي أصفر ..و عيناي تائهتان.

اتصلت بأخوتي فلم أجد أحدا منهم في مكان عمله . أسرعت نحو الباب .. ناديته : يا .. يا.. يا رجل أنا لم أجد أحدا .

أجابني بصوته العالي و الذي لا يتناسب مع جسمه الضئيل و بعينيه اللتين تتطاولان على طفلة: حسنا .. لن نهدمه الآن .. هنالك جدار لم نهدمه بعد .. سنهدمه ثم نعود إلى الجدار المشترك بعد قليل.

_ إذا بعد ساعة .. إلى أن يأتي أحد منهم ...موافق؟

_ نعم بعد ساعة.. جاؤوا أم لم يجيئوا .

أغلقتُ الباب مؤقتا بينما ظل صدى صوته يتردد في أذني حتى الآن.

بعد قليل جاء أخوتي .. ارتميت عليهم بالبكاء : سيهدمون الجدار الذي يسترنا من الشارع و الذي يقي الورود من الرياح .

_ إن هذا الرجل يهذي و لا شك .. لا تبكي .. دموعك أغلى من كل الجدران.

_ و لكن ماذا ستفعلون ؟

_ لا شيء سنتركه يهذي و يعوي .. نحن مستعجلون سنسافر إلى العاصمة.. لدينا صفقة مهمة .

بثوان أحضروا أشياءهم و أغلقوا الباب راحلين . خلفوني وحيدة بين جدران البيت الذي سينقص جدارا حين يحين موعد الإنذار بعد نصف ساعة .

قررت أن أفعل شيئا. أمران دفعاني للعمل ..قلقي على نباتات الحديقة و خوفي من كوني إذ أحتمي بالبيت من الشارع.. أكون باللحظة ذاتها مع الشارع وجها لوجه دون ستار.

ركضت نحو جدار الحديقة .. كان لا يزال شامخا .. و بدا لي أن هراواتهم ستستغرق وقتا طويلا حتى تتمكن من هدمه و أن أيديهم ستتعب إلى الأبد ..

بسرعة بدأتُ العمل.. رحت أحفر حول شجيرات الورد.. نزعتها ثم نقلتها إلى الحوض الآخر. اتصلت بجارنا منسق الحدائق و جاء مسرعا.. نقل شجرة الليمون إلى الحوض المقابل.. و اتفقت مع عامل نعرفه على أن يحضر مواد بناء و يأتي حالا. بعدها كنت مستعدة لأن أسمع طرق الباب.

طُرِق الباب بعدد أقل من الضربات و بعزيمة أضعف و بصوت أخفض.. أو هكذا شعرت.

بدأ قميصي يضيق عليّ و لا يحتويني . ضاق بنطالي .. انفلتت ضفائري و استطالت قامتي . تفتقت براعم الخوف و الخجل عن قوة و ثقة بالنفس .. فتحت الباب و بصوت واثق قلت له: نحن جاهزون لهدم الجدار .. و اتفقنا مع عامل على أن يبني جدارا آخر على بعد خمسين (سم) من الجدار القديم و باتجاه بيتنا . و أنت اترك خمسين (سم) بعيدا عن الجدار القديم من طرفك ثم ابنِ جدارك .. بالعلو الذي تستطيع و بالسماكة التي تريد . أما مكان الجدار القديم و المئة (سم) الجديدة فسنتركه للهواء المخنوق بين الجدارين الجديدين إلى الأبد.. أخوتي لن يعودوا حتى المساء بإمكانك أن تهدم الجدار فلقد نقلت محتويات الحوض .

نظر إلي نظرةً أكدتْ له أنني أنثى و إن كنتُ قلتُ و فعلتُ ما مضى. حاولَ أن يريني نظرته تلك ثم قال: سأتمهّل حتى يعود أخوتك .. أليس الجار للجار !!

مزامنته لعبارته الأخيرة تلك بحركة من يده على ذقنه جعلتني أكثر تصميما على أن يهدم الجدار. شعرت أني أصبحت في مكان القوة إذ أطلب هذا. انقلبت صورته تماما. الجار الجديد مهرّب الآثار و الذي لا بد أنه ابتلع أو خبأ تماثيل عدة في كرشه.. لم أعد أراه رجلا مخيفا .. صرت أراه مسخا قزما .. كرشه الضخمة بدت مضحكة و معبأة بالقذارة .. أما رأسه الأملس فمحشو بالغباء.

أمام تصميمي على وجوب هدم الجدار و بناء اثنين آخرين عوضا عنه قال: إذا بما أنه سيكون جدارا عاليا و لن نتمكن من رؤيتكم ما رأيك لو فتحنا في أسفل الجدار و على مستوى طولكِ نافذة صغيرة كي تتكلمي من خلالها مع زوجتي و أولادي و كي نتكلم معكم بسهولة إذا أردنا . قلت: لا أظن أننا سنحتاج إلى ذلك و إن يكن فهنالك هاتف و باب للبيت.

شاعرا بالإهانة قال: أنتِ حرّة .. و مضى معطيا عماله أمرا بهدم الجدار.

مع كل هراوة تنهال على حجر أسود من أعلى الجدار القديم .. كان يصعد حجر بناء من أسفل الأرض ليبني جدارا جديدا .

إنه أول من يتحداني .. إنه التحدي الأول الذي أواجهه . كان عليّ أن أقوم بشيء مميز لأني سأعيش عمري القادم تبعا لهذا الدور الذي سألعبه اليوم؛ فإما أن أقف خجلة من نفسي و من قلة حيلتي .. و إما أن أتابع في دروب التحدي إن كانت هذه البداية .

لم أرَ الجدار القديم منهارا بشكل كامل إذ أن الجدار الجديد كان قد صعد أمامه فما رأيت من تحطمه سوى ذؤاباته العليا و هي تتآكل كجدران القلاع القديمة . مع كلمة "انتهينا " التي قالها لي العامل شعرت بأني بنيت جدارا حصينا لبيتي .

عدت إلى الغرفة ..عاد كتاب الجامعة إلى يدي اليسرى و جهاز التحكم إلى اليد اليمنى.. صارت الملابس بمقاس مناسب . الأخبار انتهت .. صور الدمار و أصواته توقفت و طرق الباب توقف...

كانت الفقرة التالية مع وصلة غنائية راقصة .. هزت الراقصة خصرها بينما رافقتها الموسيقى و قرع الطبول . عاد صوت الطرق مجددا . ازداد الصوت علوا مع أني لم أكن أضغط على زر رفع الصوت . هذه المرة لم يكن الطرق على باب بيتي.. كانت الطبول تقرع في الحي .

فتحت الباب لأستطلع الأمر ..

من الجهة اليمنى كانت الطبول تقرع لعودة جارنا إياه من الحج ..

من الجهة اليسرى كانت الطبول تقرع في حفل زفاف ابنه الميمون.

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007