رحلة بلا عنوان
كم كان مولعا بالسفر .. يعشق صوت صافرة القطار .. وتكتكت عجلاته حين يهم القطار بالسير على قضبانه الحديدية ... اعتاد أن يتجول بين الأرصفة ومن ثم يبدأ رحلته التي قد تستغرق أياما وربما شهور ويسترجع مشاهدته الدائمة في كل رحلة .. مظهر الأشجار وهي تتراجع للوراء وكأنها تتسابق للزمن الماضي .. كم هي مثيرة وهي ترتعش كأنها خائفة من شيء ما ..
ظل يجوب الأرصفة باحثا عن اتجاه مغاير لما ألفه طوال عقود سفره السابقة .. سمع صوت صافرة قطار وهو بالاتجاه العكسي لما كان يقصده دائما .... لون القطار السماوي يجذب نظره بشدة.. قال في نفسه أنه قد لا يسعفني الوقت كي ألحق بهذا القطار وراح مسرعاً لشباك التذاكر ليحجز تذكرته ويسأل عن موعد إقلاعه ومحطة وصوله الأخيرة .. قبل أن يصل لشباك التذاكر وجد نفسه مستلق على كرسي في القطار .. بدأ القطار في التحرك .. تعجب مما حدث .. كيف وصل ؟.. كيف تخطى الرصيف !.. كانت المفاجأة الكبرى حين وجد العربة الموجود بها فارغة تماما حتى من المقاعد سوى مقعد واحد في نفس المكان الذي تعود أن يكون عليه.. بجوار النافذة المحببة له .. في منتصف العربة تماما ...القطار الأزرق ذو العربات الكثيرة أفصح عن اندماج العربات لتصبح عربة واحدة طويلة جداً .. صهل القطار ... في ثواني معدودة أرتفع عن الأرض .. ظهرت على جانبيه أجنحة بيضاء .. انطلاقته السريعة التي أعلنت عن تتطاير الأتربة التي علقت به وكشفت عن ركنته الطويلة دون سير .. هو.. يعلن عن غضبه الشديد بعد أن رأى تلك الأجنحة .. إنه كان دائما ما يقصد القطار لمتعته الخاصة في النظر إلى جانبي الطريق وكيف يمر بين ضفتي الخضرة واختراق الصحراء ليصل مرة ثانية إلى الخضرة .. الآن أصبح بعيد عن الأرض التي دائما ما كان يتشبث بها .... غبار الأتربة المتطاير عند صعود القطار يكشف عن ثقوب في أرضيته.. أسرع ليسد الثقوب بما لديه من أمتعة ..خشية أن يتأثر ميزان القطار فيعلن عن انكماشه .. الثقوب الصغيرة بدأت في الانضمام لبعضها البعض لتكون فتحة كبيرة في منتصف العربة .. هل بالإمكان سدها .. فكر في أن يجد مكان عصا القيادة أو عصا الفرامل كي يقلل من سرعة القطار الهائج المتهور .. لكنه لم ينجح في أن يصل لبداية العربة فالثقب الذي اتسع تسرب من خلاله هواء بالون الرمادي .. اعتقد في أول الأمر أنه حريق .. لكنه سرعان ما عرف أنه هو ذاته التراب المتراكم في أركان القطار .. مد يده من النافذة .. حاول أن يمسك بدفة الجناح .. ليعدل من اتجاه القطار . لكن القطار أعلن عن التمرد .. في دهشته عاد ليفكر في كيفية صعوده هذا القطار الهائج .. لم يجد حدثا بعينه .. لم يجد سوى أمنيته ركوب هذا القطار المخالف لمسيرته الدائمة .. أوشك على ذرف دموعه .. انحنى جناح القطار معلنا ً عن انخفاضه لمسافة قليلة شيئا ما وفي لمحة عين وجد نفسه خارج القطار ..ومن ثم زاغ القطار .. نظر تحته لم يجد أرض نظر فوقه لم يجد سماء .. فتش عن الطريق وجانبيه .. أنه الفراغ .. الفضاء الواسع...القطار يتباعد وتتباعد معه آماله في أن يعود إلى محطة القطار ليختار آخر .. قطار يتجه كما تعود على مسيرته و أحلامه التي آمل أن يجدها .. ظل يترقب الحدث في ذهول .. لم يكن يدرك أنها "رحلة بلا عنوان" .. فقرر ألا يسافر مرة أخرى فيما لو عاد من تلك الرحلة
حسين راشد
Hussein9999999@hotmail.com