[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
العش الهاديء 
التاريخ:الخميس 3 مارس 2005  القراءات:(3220) قراءة  التعليقات:(14) تعليقاً  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : باشا أحمد مباركي  

خرجت من حجرتي شارد الذهن , متورم الجفنين , ثقيل الخطى , أثناء سيري كدت أن أصطدم بركنية وضعت بحذو غرفتي . تلفت حولي أسأل نفسي : " أين الأحياء اللذين يشاركوني بهذا المنزل ؟ " .

غريب أمرهم لست متعودا على هذاالهدوء. انحدرت كانحدارات جبال الألب ، وإذا بأمي ترمقني بنظراتها المتوثبة والتي تخبيء خلفها أمرا جللا . تنحنحت لتعلمني بوجودها. التفت إليها . ألقيتُ تحية الصباح وكأنها خرجت من داخل مغارة. بادلتني بتحية عاطرة, تعجبت أن ردت ـ هي ـ بصوت هاديء، فأنا متعود على الصراخ من المحيطين بي لكثرة نومي الذي لايعترف بالحدود الزمنية.

نادتني أمي ،فاهتزت كل أعضائي : " نعم يا أمي ؟" قالت: " بعد خروجك من الحمام أنا انتظرك لتناول الإفطار معي " .

أشرت بالإيجاب وقلبي يحدثني أن وراء كل هذا أمر لا استوعبه.

على المائدة انبسطت أسارير أمي لأول مرّة ، فأنا لا أعرفها إلا عابسة ، متجهمة . التقطت تلابيب الكلام وبدأت في نثار حديثها : " إنك ياعزيزي قد كبرت , وأصبحت شابا يافعا , وبعد أيام ستستلم وظيفتك و.....و....... وتعلم أن أباك متوفي " .

ثم ماذا يا أماه قلبي يكاد يبني له قناة ليسير فيها من شدة حيرته هيا أنبئيني عن مقصدك وغايتك . إنني ياعزيزي سالم أريد أن أزوجك وقد اخترت لك فتاة جميلة , أنيقة , متعلمة , مثقفة , ذات خُلق ودين ...

ـ جميل يا أم سالم لكن من تكون هذه التي وقع الاختيار عليها ؟

ـ إنهاسعاد ابنة أختي وفاء ...

أظلمت الدنيا بوجه سالم. تعثرت الكلمات في فمه .

ـ أعيدي يا أم سالم . من تكون سعاد ؟ هل انتهت البنات لتختاريها لي عروسا ؟ أأنقرضت الفتيات لتفاجئينني بها؟

ـ لا ... لا ... ياسالم . أنا اخترتها لأنها ابنة أختي وعارفين طباع بعض . أنا اخترتها . الموضوع انتهى . أعرفك أنك متهور ولاتعلم أين مصلحتك وإن تركت لك حرية الاختيار حتما ستكون مثل شقيقك وأنت شاهد على الحرب الضارية بيني وبين زوجته.

في الحجرة الصغيرة المظلمة إلا من نافذة وحيدة بدأ سالم يطوف عبر أرجائها وهو في حيرة من أمره.

ـ يالله أخرجني من هذه الورطة ... كيف أتخلص منها .. أنا مستعد للزواج من إمرأة عرجاء , قبيحة , دميمة , إلا سعاد هذه ، فلن تكون زوجة لي مهما حدث . يارب أغثني ومدني بمددك ..

في المساء التقى سالم بصديقه أنورعلى مقهى شعبي وحولهما نور المصابيح يشع أنسا وألقا .

ـ مساء الخير ياسالم . أراك مهموما. لست على عادتك . أين ضحكاتك المجلجلة ؟ لمَ أنت حزين وقد يسر الله لك العمل ؟

ـ إنني يا أنور في ضيق من أمري .

ـ ما السبب؟

ـ إصرار أمي على زواجي ..

ـ أول مرة أرى مجنونا أمامي . أمه تريد تزويجه وهو يرفض .. ليت أمي تفعل مثلك وتبحث لي عن فتاة.

ـ أسكت يا أنور لاتكن عجولا ... أنا لست معترضا على الزواج .. لكنني لا اتفق مع اختيارها .. أتعلم من اختارت؟ إنها سعاد. وقاك الله من شرها .

ـ معقول أمك اختارت سعاد . والله من قلبي ألف مبروك ..

ـ لا أعلم أنك متهور يا أنور إلا في هذه اللحظة هل أُخفي عليك ماكانت تقوم به معي ومكائدها التي كانت تنسجها لي بالرغم من محاولاتي البائسة لتفادي شرها . إنك صديقي ولديك كل الخوافي.

رد أنور: ربما ياسالم . قد تكون أفعالها القديمة مجرد نزوة ، وانتهت ولم تعد كأيام الدراسة . هي الآن كبرت وانتهت تلك المشاكسات ..

ـ لا والله يا أنور إنها كما هي وأقسم بالإيمان المغلظة أنها لن تتغير .. لن أنسى كل أعمالها . معي قائمة سوداء مخطوطة بحبر الكره والحقد. إنها تتقمص ثوب الفتاة البريئة الهادئة الناعمة وداخل ذاك الستار أفعى سامة .

ـ أمعقول؟

أنسيت اليوم الذي أكملت فيه وبقيت عندي مادة الرياضيات في الثانوية العامة ــ هذا بعد ماكبرنا طبعا ــ أرسلت لي باقة ورود وخبأت في إحداها ورقة صغيرة وكتبت فيها " لم أتوقع أنك فاشل. أنت لست برجل . ماالفرق بيني وبينك؟ لقد نجحت بتفوق وأنت ياوحيد أمك إبقى بمكانك ".

عملها الأخير هذا له وقع مضطرب بذاكرتي .. لو لاح طيف شرها اسعيذ بالله من الشيطان . سأقاوم هذه الحرب الضروس لأصل إلى الخسارة أوإعلان التحدي.

في اليوم التالي تجدد اللقاء من جديد بين سالم وأمه ..

ـ بُنيّ العزيز أنت وحيدي ليس لي سواك.

ـ أمي .

ـ من شدة فرحي بك أنهيت مع خالتك هذا المساء كل شيء بهدوء لأننا لاتعجبنا شكليات هذه الأيام ..

ـ لكن ؟

ـ اجعلني أرضى عنك . أرجوك دع الأمور تسير بشكلها الطبيعي

..

في الليلة المنتظرة سلّم سالم أمره لله .. وقال عسى أن أكره شيء وهو خير لي ولعلها هدأت .. تهيأ سالم لملاقاة عروسه ونظر إليها مليا . قالت ظنونه : " كما هي . أقسم بالله أنها لم تتغير .."

رمى وساوس نفسه جانبا وسار بجانبها حذرا ما بين التعاسة والدهشة ، وعلى حين فجأة داست على قدمه اليمنى بكل قوتها واصطنعت ابتسامة ماكرة على شفتيها اللامعتين بالأحمر ، وقبل ان ينتبه لمقلبها الأخير ،همست له :" عزيزي لاتنظر للأرض. خلك معي حتى لاتقول صديقاتي إني تزوجت أبلها " . قبل أن يرد عليها ، جاءت أمه وقبلت العروس ، ورأت دموع الغيظ تنحدر من عينيه ، قالت له : " ألم أقل أنها دموع الفرح ؟ " .

كان يعرج بصورة غير ملحوظة بسبب وجع قدمه .لكن الأم سبقته إلى العش الصغير الهاديء كي تعد كل شيء !

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007