لا ندري كيف وُلِدَ الخبر، وكيف انتشر.. هل هو حقيقة .. أم مجرد إشاعة، ولكنه كان كافياً لتحريك حياة راكدة جثمت على صدر قريتنا لأشهر الخريف الثلاثة. في هذا الفصل بالذات لم تهب عواصف هوجاء تقتلع الأشجار، أو تٌعَرِّيها من أوراقها الصفراء. لم تهطل أمطار غزيرة فتجري السيول لتجرف معها جثث الماشية التي نفقت في الصيف. لم نَرَ الغيومَ الرَّماَدية العابرة، ولا أسرابَ طيورَ الخطاف المهاجر في سماء القرية .. لم يمت أحد .. لم يتزوج أحد. لا بل لم يُولَدُ طفلُُ .. أو حملُُ .. أو عجلُُ .. ولم يسقط حمارُُ هرم أو جَدي مشاكس من شَفَا جُرفٍ هَارٍ. إذا باختصار لم يحدث شيء ذي بال يستدعي اهتمام أهل القرية.
لذاك عندما حَلَّقَ هذا الخبر بأجنحته السوداء في سماء القرية، أصبح القرويون رجالاً .. نساءً .. وأطفالاً يتهامسون بأصوات عَقَلَها الفزع بأنَّ كلبا ً.. مسعورًا .. شرساً يجوب أطراف القرية.
ما لونه ؟ .. ما شكله؟ .. ما حجمه ؟ .. لم تتفق الآراء حول هذه التفاصيل. أين شُوهِدَ أَوَّلَ مرة ؟ .. اختلفت الروايات. البعض يؤكد بأنه شُوهِدَ بين الشِّعَاب المجاورة .. الآخر يَدَّعي بأنه لُمِحَ يَتَلَوَّى بين الأزقة عند الغسق .. أما الرعاة، وما أكذبهم، فأقسموا بأنهم سمعوا عواءه الجارح بين الأودية المُتَعَرِّجة تحت أقدام الجبل .. وهكذا التبس الأمر على الجميع.
أصبح القرويون لا يتنقلون إلاّ زرافات. لا ترى أحداً يمشي وحده، سوى " حمودة الشلبي " بهلول القرية، والذي لم يكن يأبه بشيء. أمسينا نلوذ ببيوتنا قبل غروب الشمس. تخلو الأزقة الكئيبة تحت وطأة مَنعِ التَجوّل الذي فرضه ذاك الخبر المشؤوم. ننام عندما ينام الدجاج .. نصحوا عند الفجر مع صيحة أول ديك، مبتهلين إلى الله بأن تَنشَقّ الأرض، وتبتلع ذلك الكلب المكلوب، والذي لم يجزم أَحَدُُ أن رآه عن كثب، أو بِأُمِّ عينه.
وهكذا مَرّت أيامُُ متوترة والقرية على هذه الحال. أصبح الأهالي أكثرَ قُرباً والتصاقاً ببعض. اجتمع الكهول في بيت " الطَيِّب الشُوكاني " حارس القرية لتَدَبُّر الأمر. بينما وقف هو على رأس الجميع مزهواً ببندقية صيد عتيقة، يطمئنهم ويذكرهم بمواقفه الشجاعة في طرد الذئاب التي كانت تغزو مزارع العنب عند الليل، علماً بأن لا أحد تحقق يوماً من ذلك. كان يتمايل أمامهم بقامته القصيرة في حركات كاريكاتورية ساخرة، فيما هم يفتلون شواربهم الكثة .. يشربون الشاي .. يثرثرون لساعات ثم ينصرفون بدون أن يحدث شيء، ليعودوا في الليلة التالية يجترُّون نفس الحديث عن ذاك الكلب المشؤوم، مطمئنين إلى أن " الطَيِّب الشُوكاني " كفيل بتخليصهم من شرِّه.
بعد أسبوع بدأ الخبر يتلاشى، وذلك عندما عَلِمَ القوم بأن " علي العزري " سيتزوج أخيرا من " مَامَيّة " أكبر عانس بالقرية. لم يعد أحد يكترث كثيرا بخبر الكلب المسعور. بل تداعى كل أهل القرية للمشاركة والاستعداد للفرح. دَبَّت حركة غير اعتيادية في أوصال القرية. نُصِبَت الخيام في الساحة المتربة. اشتعلت قناديل الفرح، و انتظم الجميع في حلقات سمرٍ ورقصٍ بهيج تحت قمر الخريف الشاحب.
في الليلة التي زٌفَّت فيها العروس إلى عريسها، تَجَمَّعنا حول موائد الطعام .. وفجأة سادت حالة من الارتباك والهلع، عندما رأينا حارس القرية الأوحد، والذي قدم لِتَوِّه، يقف بعيدا وهو يبتسم، وبجانبه كلب إنجليزي من فصيلة البولدوج، لا ندري من أين أتى به. كان ذاك الكلب يَتَـَمَسَّحُ به، فاغراً فاه، وقد اشتعل لسانه الوردي وأضاءت أنيابه المدببة تحت ضوء القمر، منتظرا أن يُلقى له بقطعة لحم أو عظم هشمته الأسنان ...
يوم ذاك أدركنا بأن " الطيب الشوكاني " أهل لحراستنا، طالما أنه يجلب الكلاب الغريبة إلى القرية.