أبدا لا يمكن زرع الكلية مكان القلب …
تذكرت القنبلة التي في جيبي ..قد تنفجر في بيتي ويصبح زواجي محض ذكرى ..يفتح الخوف أشداقه لا ، لاوقت للتراجع، سحبتها ، هل يراني أحد؟ لا وقت للحيطة ، تركتها تتهاوى على الأرض.. لاجدوى
من التمويه: الكلية كلية ،والقلب قلب.. ركضت صوب النسيان ، الطريق طويل طويل…
* * *
وجدت رسالة الدعوة في بريدي الإلكتروني ، قرأت برنامج المؤتمر :روتيني في معظمه و دون رغبة مني فكرت فيه: كان دائما يتحمس لكل ماله علاقة بزرع الأعضاء البشرية هل تراه سيحضر؟ تجاهلت السؤال وشغلت نفسي بإعداد مداخلة المشاركة.. ابتعدت عن كل النقط الساخنة وعرضت أفكارا عامة، في الملتقى الأول احتد النقاش بيني وبينه على نحو جعل البعض يتوقع وجود عداوة بيننا ماذا لو علموا أنها كانت طريقتنا الغريبة في التعبير عن مشاعر الحب ؟ تخيلته يكد س قميصا أزرقا وبذلة سوداء في الحقيبة المخصصة للأوراق كعادته، كنت أنبهه إلى ذلك وكان يقول المهم انها تؤدي الغرض » ولكن النظام شيء جميل ويفترض أن تضع ملابسك في الحقيبة المخصصة لها وليس مع الأوراق« يثور في وجهي ، لم يكن يحب أن أعلق على تصرفاته، وكنت لسبب لا أفهمه أجد لذة في انتقاده وإثارة غضبه. أمي قالت إن الرجل لا يقبل الزواج من المرأة التي تنتقده مهما كان يحبها، طبعا لم أصدق…
»أحبك رغم كل الفوضى التي تعيش فيها «أقول له حين تغضبه تعليقاتي فيهدأ ويبتسم لي ،
تظهر لي أسنانه المسوسة لا أتمالك نفسي..
–لا أدري لماذا تصر على التدخين مع أنك طبيب؟
ينفجر وحين لا أستطيع السيطرة على غضبه ألوذ بالفرار ، بعد ساعات يتصل بي ويعتذر أعاتبه قليلا ثم نعود لسيرة الحب هكذا تعودت لكنه لم يتصل ..بعد أسبوع كتب لي يقول» تزوجت ولكني أحبك« أمضيت فترة طويلة أحلل سلوكياتنا كي أحدد المذنب ثم وجدتني أنا أيضا أردد الجملة نفسها وأتزوج.. تنهدت بعمق وعدت أراجع مضامين مداخلتي ثم قررت أن أنام كي أستيقظ باكرا..الليل الذي كان لا يتسع لنومي وتعبي تحول إلى جحيم طويل هاجمتني فيه كل ذكريات الماضي من حيث أريد ومن حيث لا أريد ..في الصباح فشلت المساحيق في إخفاء آثار الأرق مع اني كنت أريد أن أبدو جميلة أعرضت على المرآة، قلت طبيعي جدا أن تفقد المرأة بعضا من جمالها بعد الإنجاب واستغربت بحثي عن الأعذار هكذا .. عندما ولجت القاعة فقدت السيطرة على نظراتي ووجدتني أبحث بين الوجوه عن وجهه .. لم يحضر ، وبقدرما أزعجني غيابه ارتحت له أيضا، على الأقل أعفاني من حرج لقائه وحزنت بقدر اشتياقي إليه ثم فرحت بقدر رغبتي في نسيانه .. قرأت مداخلتي بفتور مشاعري المتضاربة ، حين عدت إلى الفندق اكتشفت أني لم أسمع شيئا مما دار في تلك القاعة مع أنى كنت هناك أحاول الإصغاء بكل حواسي هل جئت فقط من أجله ؟بدأت ظنوني تحاكمني قررت الهروب إلى السوق بحجة اقتناء هدية لابنتي ومرة أخرى استوقفتني ظنوني هل تريدين اقتفاء آثار الزيارة السابقة؟ اللعنة! بعضي يمزق بعضي.. هممت بوضع مفتاح غرفتي على منضدة الاستقبالات سمعت صوتا أليفا يبادرني بالتحية ، التفت ورأيته ،هل أتوهم ؟ كبلتني المفاجأة.. يده ممدودة إلي.. استجمعت يقظتي من دهشة طارئة وصافحته ، لاحظت أن كرشه بارزة وشعره بلون الثلج لكني أطبقت على شفاهي كما لو اني أخشى انفلات كلام خطير مني ،ضحك،قائلا:
-تغيرت كثيرا
-بعد الإنجاب طبيعي أن تفقد المرأة بعضا من جمالها
-أقصد لم تعلق على مظهري كما عادتك
حركت كتفي في لامبالاة وتحركت صوب الرصيف، مشى بجانبي انزعجت وخطر لي أن أطلب منه الرحيل، لم أجرؤ، تمطى الصمت بيننا فتمنيت أن تنقذني سيارةطاكسي.. أفكر في معنى غيابه وفي معنى حضوره اللحظة، لماذا لا يتكلم؟
-أشغال هذا المؤتمر لاتختلف عن أشغال المؤتمرات الماضية، لهذا قررت أن لا أحضرها، لكني كنت أتوقع حضورك وجئت فقط لرؤيتك أنت ، أعرف انك أيضا جئت فقط لرؤيتي
نظرت إليه في غضب، وقلت في انفعال مستعار:
-أنا الآن سيدة متزوجة لهذا أتمنى أن تحترم نفسك وتغادر
تجمدت خطواته بينما استمرت نظراتي موغلة في الاحتجاج قال في ارتباك:
-آسف ، أنا أيضا متزوج لكني أريد أن نكون أصدقاء أتوسل إليك أن تقبلي صداقتي البريئة
لم أعلق ،بعد لحظات مد يده داخل سترته ومد لي بطاقة أرقام هاتفه يده ممدودة في الهواء، نظرت إلى عينيه لأقرأ ردة فعله :
-أرجوك ، لا ترفضي
في الزمن الماضي كان يغضب بسرعة ويحب أن يأمر هاهو الآن يتوسل
تسلمت الورقة بأنامل راعشة ودسستها في جيبي ،عرض أن يرافقني إلى السوق رفضت رغم أنى كنت أتمنى ذلك ، أوقفت طاكسي وغادرت .. تجولت بين الدكاكين بذهن شارد وفي طريق الإياب استعدت تفاصيل لقاءنا ،مشاعري متضاربة ياه !كم هو قاس هذا التذكر و تساءلت هل يمكن حقا زرع الصداقة مكان الحب؟ وساءلتني ظنوني وهل يمكن زرع القلب مكان الكلية؟ القطار يلتهم حديد السكك بنهم ونقطة الوصول مازالت بعيدة.