[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الغراب 
التاريخ:السبت 22 فبراير 2003  القراءات:(690) قراءة  التعليقات:(1) تعليق واحد  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : عواض شاهر  
.. المكان ، ترتجف بيني وبينه عذرية هشة . سماؤه مفككة الزرقة من الأطراف ، وشمسه فاضحة الضوء . العمود الخشبي الذي وقف على رأسه الغراب ، كان سيقف على أي حال بلا مهمة محددة ، في قلب الصحراء ، بعد إذ نزعوا من رأسه حوامل الكيبل الكهربائي وثبتوها في برج حديدي ضخم يمر بمسار بعيد . كان سيقف بلونه الداكن وشكله الأسطواني كما وقف لعقود طويلة ممسكاً بالتيار ، بلا كلل . إذاً ، ما لذي يمنع أن يقف هذه المرة لغراب وحيد ليس معه سوى النعيق؟ . وفي تتابع مقصود ، نقلت بصري من عمود إلى آخر في عمق الصحراء ، فيما كان الغراب يردد صوته في خشوع الطيور . تنفست بعمق . لم أشعر بانقباض في الصدر من وجوده . بل إن شعوراً بالطرب جعلني أصغي إلى دوي الحياة في صوته وهو يتردد في المكان على سجيته . حجمه الصغير يمنح رأس العمود شكلاً مدبباً ناصع السواد . وكلما رفع رأسه للأعلى ليلقي تحيته الأزلية على المكان ، تحركت على الأشياء ظلال قديمة لأمة من البدو كانت تركض بين فتوق الرمل لاصطياد البرق طازجاً ووضعه تحت تصرف الباب . مرت دهور على السماء لم ينقطع فيها البرق ، ودهور على البدو الحفاة ينتظرون الغنيمة كل يوم . ماتت أجيال ، وتركت أصلابها لأسنان الحجارة وبقايا عظام الأسلاف الذين كانوا يظهرون في الغفوات بجماجم عارية يتدفق منها الرماد . مع رياح سوداء لزجة هبطت عليهم الأخبار . الباب هجر البرق والصحراء وابتنى بيوتاً في مدائن كثيرة لا تفتح أبوابها إلا لمن يريد . حلق لحيته الكثة ورتب شاربيه . وضع على رأسه عمامة غالية الثمن ، و تزوج نساء من شعوب وقبائل شتى . تعلم لغات الأمم وأرسل بنيه إلى بلاد النصارى لطلب العلم . عادوا منكسرين إلى بيوتهم في عمق الرمل ، تحصد رؤوسهم أفكار لا يعرفون كيف يصفونها ولا كيف يتخلصون منها . شعروا بالهزيمة والخسران . وبداخل بيوتهم المهلهلة ، مكثوا زمناً يتفقدون هياكلهم العظمية وينشجون . شعروا أنهم خُدِعوا من قبل الرمل الذي نذروا له حياتهم عبر الدهور . حيرتهم نعومته المفرطة في الأيدي ، وأقلق راحتهم تكبره على عادتهم القديمة في استخراج الماء من أحشائه .صار مستأنساً ولكن كحجر الرحى في أزمنة الجوع . وكما تواطأ الباب مع الرياح الغريبة فحملته إلى هناك مصطحباً معه رحيق الديار وبذور نباتها الخصيب ، اتخذت الجهات رطانة حمى المياه الوبيئة حيث الهذيان هو الجهة الوحيدة التي تقود إلى الجنون والتهريب والموت في الطرقات الطويلة . كان صوت الغراب يخرج منه بنعومة خروج الدخان من الأنقاض . ثم بشفرته الحادة يسلخ براءة كل ما يصل إليه بلا شفقة . يرد المعالم إلى أصلها الأول . إلى العيون الأولى التي تفرست فيها أول مرة . ولما لم يعد ثمة ما ينتمي إليه المكان . لما تبدت الأشياء على النقيض تماما ، ارتعشت ثنيات سطح التراب الناعمة وانتقضت سكينته مع ذاته فانبعث منه غبار ، وطارت منه وريقات محترقة في رياح محلية تنحنحت في المكان فجأة . كنت أحدق بذعر شديد في آثار متفحمة لمخلوقات قديمة تتكشف تباعاً تحت طيات التراب المتطايرة مع الرياح . وكنت أتساءل : لماذا لم ينزل المطر بدلاً من البرق الذي أحرق كل شيء ؟ . الأعمدة وحدها التي نجت من الصواعق . ورغم ذلك ، هاهي في الصحراء تقف فرادى بلا جدوى . مثلي أنا . بالضبط مثلي أنا ، باستثناء أن الغراب حط هذه اللحظة على رأسي .

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007