[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
الــــــنَّـــــــــــــــادل 
التاريخ:  القراءات:(1006) قراءة  التعليقات:(0) لا يوجد تعليق  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : إبراهيم مضواح الألمعي  
عندما تدخل المطعم الشعبي المزدحم، ستجده يدور بين الموائد، توجَّسْتُ بادئ الأمر؛ فكيف لي أن أطلب من هذا السبعيني خدمةً. قبل أن أطلب شيئاً مكثتُ وقتاً أتأملُ حركته، يقاوم بابتسامته الطيبة تجاعيد الشيخوخة على وجهه المتغضن، يُقْبِلُ باسماً، ثم يعود يقاوم انحناءة ظهره.

قصد الزاوية حيثُ أجلس، ابتسم ابتسامة مألوفة: (هاه.. أيش طلبك؟)، رددت ابتسامته قائلاً: (اختر لي على مزاجك)، ذهب دون أن يُكرر السؤال؛ هل اعتبر طلبي ذلك أمراً؟ أم أن الوجبات التي يقدمها المطعم لا تختلف كثيراً؟ أم أنه لا وقت لديه للمفاوضة؟

تبعتْه نظراتي يعبر الممر، يقاوم انحناءة ظهره، لم يطل غيابه، عاد يحمل صحناً ضمَّ (طبق الشكشوكة، والخبز الملوَّح، والحليب العدني)، تناولته شاكراً، بينما تعالت الأصوات من الموائد الأخرى: (عم يوسف، عم يوسف) يستطيع الاستجابة لهم جميعاً في وقت واحد، يبدو أن بعضهم زبناء دائمون للمطعم، فهم يتبادلون معه الضحكات والتعليقات، فيقبل عليهم ضاحكاً، ويغادرهم ضاحكاً، وعينه على مائدة أخرى، ومنادٍ آخر..

ألقي نظرةً على جميع الموائد، فلمى وجدهم منكبين على طعامهم، اطمأن، وألقي بجسده المنهك على كرسي خشبي إلى جوار المدخل، يميلُ رأسُه على الجدار، أطبق جفنيه، اللذين يكادان يلتقيان حتى في لحظات التحديق.

تمضي دقائق وهو مستغرق في هذه الحالة، يهدأ حتى لكأنه جزءٌ من أثاث المكان، يبدو لي هدوؤه يستر براكينَ من الألم، والغربة، والشوق لشباب مفقود، والخوف من غدٍ مجهول، وفراق أحبة نأت بهم الديار، وعجزٍ يوشك أن يطبق على روحه. تُرى إلى أين ذهبتْ به هذه السِّنَة؟ أأذكَرَتْهُ شبحَ العجز والمرض؟ أم أن له أسرةً يخشى عليها الشتات، والجوع؟ وعندما يأتي المساء؛ أتراه سيأوي إلى أسرة تنتظر عودته، أم أنّه سيرجع إلى غرفةٍ باردةٍ بائسة، يلتحف الوحدة، وتقتاته الوحشة؟

(عم يوسف.. عم يوسف) يصرخ أحدهم من زاوية المطعم. يفيق، يهتزُّ، ينهضُ مقاوماً ثقل السنوات على كتفيه، يتلفَّت باحثاً بين الموائد عن مصدر النداء، يلبس ابتسامته الطيبة ويتجه نحو الداعي.

أبريل 2014م

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007