الجو بارد ، المطر يهطل بغزارة، استوقفني مشهد هطول المطر من زجاج النافذة، وذلك العصفور الحائر الذي على ما يبدو فقد عشه، ولا يدري ماذا يفعل في هذا البرد القارس، انكمش على حافة النافذة في ركن خفي بعيدا عن المطر.. تقوقع على نفسه كأنه يطرد حبات المطر التي شنت عدوانا علي عشه الحبيب..
رحت أعبث بالسحابات البيضاء التي تكونت من هواء الزفير علي زجاج النافذة قمت بالكتابة عليها بأناملي الصغيرة، رسمت أشكالا وخيالات، و رجالا ونساء وأطفال، لكني خشيت عليهم من هذا البرد القارس، تمنيت لو دثرتهم بالروب الثقيل الذي أرتديه ، رسمت زهورا بيضاء كالثلج، وتمنيت لو حل لونها الناصع في قلوبنا وامتلأت قلوبنا بالدفء لما أحس العصفور المسكين بالبرد القارس، انتابني احساس بالشوق لما يجري خلف النافذة ، فمسحت أطياف أحلامي وخيالاتي من على زجاج النافذة لأرى ماذا حدث لعصفور الشتاء المبتل الحزين..
لمحته أمامي واقفا منكمشا كالعصفور الذي رقد على حافة نافذتي متدثرا بمعطف ثقيل، ويلف رأسه بكوفية من الصوف، و دخان يتصاعد من المدخنة في الهواء أشعرني بالدفء، سمعت صوته يأتي ضعيفا خلف زجاج النافذة المغلق.
- بتعريفة بطاطا وبالونة ومروحة هدية ..
رحت أتجول بحرية في المنزل، لم يشغل بالي سوى العلاقة الغريبة بين البالونة والمروحة والبطاطا، قلت لنفسي ربما يوزع البائع المروحة حتي –نهوي- بها علي البطاطا الساخنة ولا تلسع أيدينا، أما البالونة فما علاقتها بالبطاطا والمروحة ربما تنفخ البالونة لكثرة نفخات البائع في البطاطا حتى تبرد، لكن لماذا لم يستخدم هو المروحة بدلا من نفخ البالونات. وفي النهاية عجزت عن إيجاد علاقة منطقية غير التي توصلت لها منذ قليل.
لم يعد يشغل بالي سوى أمر واحد هو أن اشتري من بياع البطاطا ويمنحني هديته البالونة والمروحة .. نزلت بسرعة غير عابئة بالبرد والمطر لأحصل علي المروحة والبالونة الهدية ومعها البطاطا و لم يفتني أن اسأل البائع:
- عمو لماذا تعطي البالونة والمروحة هدية على البطاطا؟
نظر إلى الرجل بتعجب ودهشة لكنه أجابني ببساطة قائلا:
البطاطا علشان تغذيكي، والمروحة تهويكي، والبالونة تفرحك وتهنيكي ..
كم كانت سعادتي عندما أحصل على البطاطا والمروحة والبالونة أقصى معنى للسعادة والرضا .. وتذكرت أن ابني مثلي يحب البطاطا المشوية بنار الفرن من مدخنة البائع، فاشتريت له ولكن لم يكن بتعريفة.. ولم يكن البائع يعطي لا مروحة ولا بالونة هدية فكرت أن اشتري له هذه الأشياء حتى يشعر بما استشعرته من سعادة من قبل، ولكن ابني نظر لي نظرة لا تحمل إلا أنني بلهاء.. ولم يكتم مشاعره بل قال لي:
- ألم يكن من الأفضل أن تأتي لي بدراجة أو بلاي ستيشن ثري بدلا من البطاطا؟