[ أهلاً بالضيف الكريم ] 
للتسجيل
أنت الزائر رقم

إحصائيات الموقع

الدول المشاركة
عدد الكتَّاب
عدد النصوص
عدد الكتب
عدد التعليقات
عدد القراءات
عدد التوقيعات
عدد المشتركين
كتَّاب في الانتظار
نصوص في الانتظار
 
كرة أخي 
التاريخ:الاثنين 15 فبراير 2010  القراءات:(2896) قراءة  التعليقات:(5) تعليقات  إهداء لصديق طباعة التعليقات أضف للمفضلة

  قصة ، من : محمد عبد القادر بافقيه  

 


                                                   كرة أخي


 


لا تعرف الأرض دائما ، لها جناحان تطيران وعينان حادتان نحو الهدف ، سواء كان بابا من الحجارة أو باب بيتنا ، أو بابا من ثلاث عوارض ، كنت أحمي الباب الآخر والحارس ، حمادة ابن الجيران ، هكذا نسميه منذ عرفنا الحارة وكرة القدم ، وكانت قدمي لا تخطئ انطلاقات أخي السريعة حتى يجد الكرات الساقطة  ، مرة أمام قدميه ، ومرات على رأسه الحاني وشعره الدهني ، وكان هو لا يفوت كراتي الساقطة ،  بل ولا يسمح لها بملامسة الأرض ، بدأ ذلك فجأة من دون أن نخطط له ، وبدا أن الحارة لا تستغني عن الأخوين  المتشابهين في الملبس والقريبين في الطول ، رغم أنني كنت أشعر بأنه أطول مني بكثير ، فطوله يساعده على التحليق  إلي السماء أكثر والتصويب بالرأس  ، وقدماه الطويلتان تساعدانه على الطيران فوق الأرض  فلا تشعر أنه يلامسها .


 


   قبل وفاته بيوم واحد في المستشفى ، وعند اشتداد المرض والتعب ، وربما لمعرفته بقرب وفاته قبلني في خدي ،  وأسلم رأسه بحب وقال لي هامسا أنا ذاهب لمكة .


 


   لم أفهم معنى كلامه ساعتها ، وعدت للبيت لأغير ملابسي  ، بقيت رائحته الجسدية تغمرني  وكأن روحا لصيقة بي  لا تريد أن تفارقني تلك الليلة ، ولا تريد مني العودة للمستشفى ، لم أعلم أن تلك الروح فارقت ذلك الجسد ،وأن روحه الحانية تحتضنني طيلة ذلك اليوم  وأنا جالس في المجلس ، لم تكن بي رغبة لا في مشاهدة التلفاز ولا قراءة الجرائد ، ولا السماع لحكاوي الزوجة ، ولا لإغراء ألأطفال الذين يشتاقون للخروج من البيت فور عودتي للمنزل .


 


   ظل الصمت يغمرني ، والرماد يملأ الطفاية ، والدخان يصعد للسقف الذي فوق رأسي ويعود  ثانية للأرض حتى أراه سحبا كثيفة جدا ، فتأتي زوجتي مسعفة لفتح النوافذ وتحريك الستائر لهذه الكمية الكبيرة من السحاب الدخاني الذي أحبسه متعمدا معي في الغرفة ، وتأذن له زوجتي بالخروج ، وكان ذاك الدخان يخرج مسرعا كأنه خائف من شيء ما ، و أنا لم أعتد على رائحة أخي قريبة مني بهذا الشكل الغريب فأخبرت زوجتي ، قالت اذهب واجلس معه  مرة أخرى ، لكن كنت صامتا كأني لم أسمع صوتها  ، وكأن الفراق الجسدي أصبح يقينا رغم أن الروح لم تستطع التكلم معي غير أنها متشبثة بي تجلسني على الأرض وتجلس


معي وتأخذني إلى أيام الطفولة .


 


 


   لم تكن كراتي تعرف غير أخي مهما كانت قوة الحارس ومهارته لا يفلح أمام أخي ، تذكرت كيف كنا نصعد الجبال بخيول وهميه نقلد بها أفلام الهنود الحمر ، وكان يتبادل الأدوار أنا وهو ، فمرة يلاحقني ومرة ألاحقه إلى أعلى الجبل ثم إذا تعبنا ركبنا ظهر المواسير التي تنام على الجبل ، وخيولنا وبعض الأغنام التي نصطدم بها حين يختار هو نقطة للوقوف وتأمل المكان أو الاختباء تحت المواسير ، ليرى الخوف في عيني . ثم فجأة يظهر رأسه عندما أهدده بأني سأخبر أمنا إذا ما اختبأ وتركني وحيدا أبحث عنه ، تذكرت كيف كان يجمع الصور الجميلة من مجلة الهلال ، وكيف كنا نجمع الطوابع النادرة ، وكيف كان يجلس على الطاولة يدرس ويحفظ دروسه دون ملل ، بينما أخرج من البيت وأعود وهو أمام الكتب تحت لمبة نيون يتيمة ، وكيف كان يحل واجبات و دروس بنات الجيران الصعبة في الإنجليزي ، ويكتب لي التعبير والرياضيات ، كل ذلك ولم يكتمل حلمه ويتزوج من رسمها في خياله بعد .


 


  


     جلست معه ليالي أتأمل وأذكر أننا كنا متشابهين عندما كنا صغار، وكانت أمنا تختار لنا نفس الفانلات والبناطيل بنفس اللون ، حتى شعرنا كان واحدا ، وكانت أمي تتعمد تمشيطه بنفس الطريقة ونفس الاتجاه ونفس الكثافة ، وكان البعض لا يعرف من الأكبر ، رغم طوله وقصري إلا أن الشبه كان واحدا عندما كنا صغيرين ، كنا نجعل من ساحة البيت السفلي ملعبا للتدريب بكرة القدم على الضربات القوية والساقطة ، كنا نجعل من الساحة الصغيرة أمام بيتنا مسرحا لأفلام الكاوبوي ، ومسرحا لنقلد حركة الجيش الأمريكي وهياجه في الاستمتاع بسقوط الهنود الحمر وصيد الخيول والأبقار ، كلها كانت أفكاره وكنت الممثل الذي ينفذ تعليماته بحذافيرها ، أتبعه أينما ذهب نحو الجبل الذي يختزن صرخاتنا في جوفه وهو يصعد ولا يتوقف ، حتى قررنا ذات مرة وبدون علم من أحد أن نبلغ نهايته فلم ينته بسهولة ، فآخره يتفرع منه صعودا قمتان آخران ، ذهب كل واحد منا إلى قمة معلنان السباق والعودة لنفس المكان ، فتأخرنا على بعضنا وانهزمت عائدا أبحث عن أخي ، بينما هو لم يعد ، ولم أعلم متى عاد ،  وما الذي عاشه في تلك التجربة إلى الآن .


 


     لم أتعلم الخط وحفظ القرآن في الحرم مثله لكنه يتبع أبي كثيرا في رحلاته الطويلة مشيا على الأقدام صعودا من الحجون نحو الحرم ، والتي كان يأخذني إليها أحيانا نحو الشبيكة والفلق وعين زبيدة بالدراجة أو مشيا على الأقدام لمدرسة الفلاح التي كان يدرس بها .


     ومرة جلس يخبرني عن المدرسين وسلطة المدير سابقا وكيف أنه ضرب أحد المدرسين بالكف على خده أمام الطلاب وهو شديد الغضب من المدير المتسلط وأنا لم أعرف لماذا بعد هو يغضب من تصرفات الكبار .


      علمني كيف يجمع قصاصات الصور الجميلة للنساء الجميلات وأماكن الإثارة والملابس الجذابة رغم صغرنا في السن ، كأنه مفتاح الحياة التي يفتح لك خزائنها وأسرارها .


     علمني أن البكاء لا يحل المشكلات وان آخذ حقوقي بيدي ، رغم إنني أنهزم أحيانا وأزين له انتصاراتي وأزيف له الحقائق ، ويبتسم لخيالي ليجعله حقيقة ويذهب معي لأحققه .


      كان يشرب الدخان من صغره وعندما أقلده لا أعرف كيف أخفي رائحته من فمي ، فألقى بعدها عشرات العصي من والدتي الجميلة ، التي تعلمت منه حبها واحترام صنيعها حينما تدمع عيناه من أجلها وهي تغسل لنا الثياب وتذكرنا بملابس الرياضة وموعد حصة الرياضة ، وكيف كانت تغسل لنا بوت الرياضة الأبيض الذي كان يوزع بالمجان أيام الملك فيصل الله يرحمه .


 


         علمني أن  قلبه كبير جدا لا يسعه الكذابين والمزيفين .


 


  مرة جلسنا سويا في المقهى وهو يقلد حركات الانجليزيات اللاتي يمثلن في الأفلام ، وكيف يرفعن فساتينهن لأعلى الركبة ، ويقول كلمات انجليزي بطلاقة ، ويمثل بفرح ويصف أدوار البطل والبطلة ، ثم يعود لمكانه ويكمل الحديث عن الفن والمخرجين المتميزين من العرب والغرب وأسماء الممثلين الذين يطرحون قضية مهمة لم أكن أعرفها بعد ، بعدها يعود لمكانه ويسألني ويستمع لما أحب مشاهدته من الأفلام الهندية ورقصات الدسكو والراب التي أفضلها  ثم يذهب معي لشراء الفلم الذي أحبه والأغاني الأجنبية التي أرقص معها دون فهم مني لبعض معانيها ، فهو من اعتمد عليه لفهم معانيها وترجمتها ، لأنه كان حريصا على


الترجمة بجميع للغات .


 


        ظللت جالسا ورائحته الزكية تغمرني وصوت كرة قوية أسمعه من خارج النافذة تهز الجدار الذي أسند عليه ظهري ، ضربات الكرة كانت قوية ويعلوها أصوات طفليّ أحمد ويزن يملأ الغرفة ، وأنا أسمع يزن يقول لأخيه اِرفع الكرة بعد أن أنطلق وأسقطها أمامي .

3/3/ 1430 هـ


لأخي حسين يرحمه الله

w w w .    A    r    a    b    i    c    S    t    o    r    y    . n e t

جميع الحقوق محفوظة لشبكة القصة العربية 2001-2007