وجه ذابل نحيل تعلوه صفرة الموت .. عينان غائرتان .. تحيطهما هالتان سوداوان .. جسد ممد بلا حراك .. قدمان متيبستان .. ذراعان ألقيتا إلي جواره وقد ازرقتا لكثرة الحقن التي نشبت أنيابها في ذلك الجسد النحيل ..
من الصعوبة أن يتبين أحد إذا ما كان علي قيد الحياة ، أم أنه أفل مع أفول شمس ذلك اليوم ، لولا صدره الذي يعلو ويهبط في تؤدة وبطء شديدين مصحوبا بصوت مكتوم كأنه آت من أعماق بئر قديم نضب ماؤه منذ قرون عديدة ..
نادي على زوجته وكأن أنفاسه أبت ألا تتوقف إلا إذا حضرت ورآها ولو للمرة الأخيرة ..
جلست إلي جواره وهي تنظر إليه بعينين دامعتين ولسان يلهج بالدعاء وقلب يتوسل ألا يتركها ويمضي إلي حال سبيله .. فمنذ أن فتحت عينيها علي الدنيا وهي تراه أمامها . ابنها المدلل وحبيبها الوفي وزوجها الذي يملأ حياتها دفئا .. كانت تعرفه أكثر من أهلها جميعا . فهو الأب والأم والصديق والحبيب ، بل هو الحياة ذاتها ..
حانت منه التفاته غير إرادية إليها فرأي عينيها الدامعتين ، سحب يده بصعوبة بالغة .. حاول أن يمسح دموعها المنهارة علي خديها فلم يستطع .. سحب يدها .. لثمها بشفتيه الذابلتين الباردتين التي ازرقتا حتي بللت دموعه يديها .. احتضنته بشوق كل السنوات الماضية ولهفتها عليه من أن تفقده إلى الأبد ..
راح وجهه يتصبب عرقا .. ازدادت شفتاه زرقة .. أسرعت بتجفيف العرق ، ذكرها وجهه بذلك اليوم الذي سقط مغشيا عليه علي أثر مكالمة تليفونية من مجهول .. منذ ذلك اليوم لم تنتصب له قامة .. لم تره طيلة حياتها يعاني من شيء كما رأته في ذلك اليوم . هذا الرجل القوي المارد الرقيق الحاني بإشارة من إصبعه تقوم الدنيا ولا تقعد .. تنجز أعمال ، وتذوب خلافات ، وتصفو قلوب كان قادرا علي الخروج من كل المآزق إلا هذا المأزق لم يستطع الخروج منه .
لم يخر لأحد أبدا إلا لله .. خر مغشيا عليه باكيا منتحبا .. لم تكن تظن أن يقع بهذه البساطة وتلك السرعة .. كانت دائما علي يقين من أنه أقوي من كل شيء حتي من المرض نفسه ، ولكن كان الموت اقوي منه وأسرع سبيلا ..
نظر إليها بطرف عينيه نظرة انخلع لها قلبها .. أهي نظرة استعطاف لحاله ، أم نظرة استماتة تنذر بدنو الأجل ؟ أم أن الموت يطل من العالم الآخر من خلال تلك العينيين المحتضرتين ؟ .. لم تستطع أن تحول عينيها عن ذلك الوجه الممتقع .. تزداد امتعاضات وجهه .. الله وحده يعلم بما يعتصر به قلبه المريض
- آه لو تنطق يا حبيبي لو تبوح بمكنونات نفسك ..
يا لقسوة القلوب عندما تتحد في شرها لتقتل بريئا لترضي نوازع شرها ..
ظلت عيناها معلقتان علي وجهه ، ويداها في يده , تستشعر نبضه الضعيف لتتأكد أنه مازال يشعر بها ويراها .. أنه لا يزال علي قيد الحياة ..
دق جرس الباب .. اندفعت ابنته إلي غرفته والدموع تنساب منهمرة علي خديها .. لم يشعر بوجودها .. ازداد نشيج بكائها .. رفعت وجهها إلي السماء تدعو الله , لم تدع الله في أي وقت مضي بهذا الخشوع وهذا الصدق , كما دعته الآن ليشعر بوجودها .. فتح عينيه .. رآها .. أخيرا نطق اسمها :
- سلوى ابنتي ..
احتضنت كفه الضعيفة كفها بصعوبة وبقوة حبه وتعلقه بها .. وبقوة أمل تذروه الرياح في أن يبقي معها .. حاول أن يضمها .. تحسست قدميه .. باردتان كالثلج .. جبهته تتفصد عرقا .. حشرجة صدره تزداد .. وكأن شيئا مجهولا يريد الخروج من جوفه فلا يستطيع .. نفس حائر .. يروح ويجيء يحاول أن يخرج من عنق الزجاجة .. رحماك ياإلهي ..
طلبت إليه جرعة ماء .. أسندت ظهره .. حاولت أن تسقيه ولكنه سعل سعلة قوية وبصق .. تقيأ كل ما في جوفه , الماء والهواء والدماء أيضا .. تقيأ بحرا من الدماء .. لم يعد بداخله شيء ..
انطفأ بريق عينيه .. زالت امتعاضات وجهه وزرقته .. ذهبت تلك الهالات السوداء أسفل عينيه .. وبرد القلب المحترق , وسكنت الأنفاس اللاهثة ..
سما على كل النفوس الوضيعة فصار عاليا . أعلي من كل البشر .. وتركنا نحن في التراب ..