برقت ورعدت ، كانت السماء غاضبة ، المطر يطرق الشوارع والبيوت ، والغيم مثل رداء تضعه السماء على كتفيها .
وقتها كان الرجل يلملم كل حاجياته ، في حقيبة جلدية كبيرة .
" الليلة سيكون كل شيء قد انتهى " تمتم بينه وبين نفسه " لم أعد أطيق ما أنا عليه ، صار الوضع كما لو أن قارورة ملح كبيرة دلقت بالكامل في الطعام ".
زعقت السماء مرة أخرى . ارتجف ثم جلس على طرف السرير . أصغى ، فلم يسمع إلا صوت المطر في الخارج يضرب البلاط بقوة .
كانت أنوار المنزل الأمامية تسقط على الأشجار المبتلة ، والهواء يتلاعب بالأغصان .
ظل ينظر إليها . ما أشبه حاله بحال تلك الأشجار ! يقولون له : اذهب يمينا يذهب ، شمالا يذهب . هل هو إمعة ؟ أليس له رأي في حياته ؟ وقراراته أتصاغ عنه ؟ حتى بعد أن تعدى الثلاثين من عمره ؟
منذ أكثر من عشر سنوات كان سيصير طبيبا ، وقدم أوراقه للدراسة في كلية الطب ، فوقف أبوه في وجهه ، وأجبره على سحب أوراقه ، وبدل أن يصبح طبيبا ، ها هو يقف في محل لبيع الأقمشة .
" أنت تاجر ابن تاجر . هذا ما أنت عليه " وصدق بأنه تاجر ، وبأن لا صلة تربطه بالطب . لكنه كان يشعر وكأنه وُضع في جلد ليس جلده .
وحين أحب بنت الجيران ، وأراد الزواج منها ، وقفت أمه في وجهه ، وقالت له : " لا تصلح لك " .
لبس البشت ، وتبخّر ، ليخطبوا له بنت خالته ، وأمه لا تكاد الدنيا تسعها من الفرحة ، وهو لا يدري ، ربما كان مبتهجا ، وربما كان محتارا قليلا في ذلك الشعور الذي يخمش جدار صدره ، ويجرحه ، ويزداد شعوره بعمق الجرح كلما مرت السنون ، وتعمقت الهوة بينه وبين زوجته ، فطلقها . احتضنت أبناءها الثلاثة ، وعادت لبيت أهلها .
هل كان راغبا في تطليقها ؟ من كان ليكتشف بماذا كان يفكر ؟ فأفكاره مثل مراوح تدور بسرعة في رأسه ، وتظل تدور دون أن تتوقف . مراوح ، ريشها سكاكين حادة ، تقطع ، ويجري النزف إلى قلبه .
اليوم نهارا كانت القشة التي قصمت ظهر البعير . كان مع أصدقائه يتسلون بلعب الورق وبالحديث حينما اشتعلت بينهم حرب صغيرة .
" أنت مقودك زوجتك " أحدهم قال للآخر .
فرد الآخر بسرعة "وأنت ابن أمك ."
ولما ضحك هو ، قال له " أتضحك يا إمعة ؟ "
جمد في مكانه مذهولا ، ثم انتفض كمن لدغته أفعى ، وهجم عليه يريد أن يأخذ بخناقه ، تدخلوا وخلصوه من يده .
وهو يقود سيارته ، في الشوارع المكتظة ، كان يفكر بهذه الكلمة ، ويتساءل " أأنا حقا إمعة ؟ وكيف صرت هكذا ؟ من المسؤول عن ذلك ؟ "
هدأت الأجواء . كان حزينا ، وغريبا عن نفسه وعمن حوله ، حتى غرفته كأن لها هيأة مختلفة عما كانت عليه . المنزل صامت ، وخال .
إلى أين سيذهب بهذه الحقيبة ؟ أعاد ثيابه إلى مكانها في الدولاب ، وهو يسخر من نفسه ، إذا غادرت هذا المنزل فهل سأستطيع مغادرة نفسي ؟
هل سأغير من حالي برحيلي عنهم ؟ هل سيكون الطريق نفسه ؟ أم سأعثر على طريق آخر يصلني بي ؟
هل المشكلة : هم ؟ أم أنا ؟ وهل فات الأوان علي ؟ أم ما زال في الوقت متسع ؟
كانت الأشجار قد سكنت ، ونور المصابيح يحيطها من كل اتجاه .