المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
الواقعي والمتخيل فى رواية «كوب شاي بالحليب»
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
د. حسين علي محمد
الواقعي والمتخيل فى رواية «كوب شاي بالحليب»

بقلم: شوقي بدر يوسف
................................

مدخل :
تفصل بين الواقعى والمتخيل شعرة رفيعة ، غير مرئية ، لكنها محسوسة ، تصل الواقع بهواجس الذات وتوجهاتها ، وتفرض حقيقة الفعل الواقعى ورد الفعل التخييلى المصاحب له فى تعامل الإنسان مع ذاته ، ومع ما يدور حوله من ممارسات ، قد تكون هذه الممارسات غرائبية بالنسبة له ، وقد تكون غير مألوفة فى واقعه الذاتى ، إلا إنها تمثل مرحلة الوعى ، ومنطقة الإدراك ، وبؤرة التمييز بين ما هو حقيقى ، وبين ما يدور فى منطقة الهواجس من موضوعات يتمثلها المرء ، ويرسم لها حدود الاسترجاع ، والاجترار فى واقعه الآنى .
ولا شك أن القدرة التخييلية لاسترجاع الواقعى تجرنا فى بعض الأحيان إلى الإحساس بهذا الواقعى الذى ولى ، ومضى ، وكأنه حقيقة نراها الآن ، ونشعر بها ماثلة فى أذهاننا ، بينما هى فى الحقيقة منطقة موجودة فى اللاوعى تبدو وكأنها ذات قدرة على التشكل والتلون والظهور مرة أخرى بمظهر مغاير لما كان يدور فى المخيلة ، وأن محاولة استعادتها مرة أخرى ، ومعاودة استرجاع أحداثها التى مرت عليها سنوات طويلة ، تجعل التلاحم بين الواقعى والمتخيل مؤسساً لواقع جديد ، هو لا شك واقع إبداعى آنى له آليته الخاصة ، قد يختلف عن الواقع الواقعى فى أنه مشحون برؤية فردية أو جماعية خاضعة لقوانين المكان والزمان فى شكلها الذى ينتسب إلى التجربة الروائية فى كثير من الأحيان .
والروائى اليوم ينطلق فى أعماله بدافع التفاعل مع ما يدور فى عصره ، وبدافع التعامل مع المخيلة فى وظيفتها الإبتكارية فى سرد القضايا الدائرة فى حدود عالمه ، والتى قد تكون مختزلة ومختزنة فى بعض الأحيان فى منطقة اللاوعى ، وتلح فى الظهور من آن لآخر ، بحيث يصبح تشكيل مفردات هذا العالم بكل ما كان يحمله من تاريخ وقضايا وشخوص هو الحالة الآسرة لهاجس الكتابة ، وتكون تجليات هذا التشكيل هى المحور الأساس فى التعبير عن واقعه الذاتى والموضوعى من خلال المتخيل ، وما ينداح عنه من موضوعات تؤرّق الكاتب وتمس جوهر الممكن والمحتمل فى عالمه الخاص .
ولا شك أن رواية " كوب شاى بالحليب " للكاتب الروائى محمد جبريل تمتح من هذه الإشكالية ، إشكالية الواقعى والمتخيل ، كما أنها تعمل أيضا على استعادة واقع سردى شبه سيرى تتشكل هواجسه من محاولة تجسيد نسيج عام من ضروب الأحداث المعتمدة على نسيج آخر من التاريخ الواقعى ، يمتزج فى العديد من محاوره بالمتخيل السردى ، وما يصحبه من وجهات نظر خاصة تتمشى وتتوافق مع أحداث شبه مضمرة ، تأخذ من الواقع ملامح وجودها من خلال مجموعة من الشخصيات المتباينة فى الطبيعة ، وفى الاتجاهات ، جمعتها الظروف فى مكان له خصوصيته يرمز إلى واقع يمتد فضاؤه ليشمل هذه الذوات القادمة من أماكن لها أبعادها الخاصة ، من سوريا وفلسطين والبحرين والسودان وتونس ومن مصر أيضاً ، الجميع يجمعهم بنسيون قائم فى هذه المنطقة الشعبية من وسط القاهرة ، كما تجمعهم أيضاً طبائع إنسانية محددة ، ولكنهم يختلفون فى أنماط الممارسات ، وما يتحلق حولها من تسييس لرؤيتهم الذاتية تجاه بعض القضايا الماسة لذواتهم ، وبعض الممارسات الطبيعية التى يفرضها عليهم الواقع فى ظروف مثل ظروف معيشتهم داخل البنسيون ، كالأكل والجنس وممارسة الحياة بكافة تعقيداتها كيفما تكون ، لكل منهم سيرته الذاتية الخاصة ، ولكل منهم وضعيته ، وحياته النابعة من سلوكياته . وتعد شخصية سمير دسوقى الشخصية المحورية داخل النص والراوى المشارك فى الأحداث ، حيث تمثل شخصيته فى بؤرة الحدث الرئيسى البعد الواقعى النابع والمعتمد على جانب سيرى يفرض نفسه على طبيعة النص ، وهو يحدد منذ البداية ، الواقعى ، السيرى المستمد من تاريخ الشخصية التى هى فى بعدها الرئيس تبدو وكأنها هى شخصية الكاتب بكل ما تحمل من مقدّرات ، وقدرات خاصة ، وبواكير فى ممارساتها الحياتية فى مطلع الشباب ، فمعظم الشخصيات تعيش واقعها المؤقت فى البنسيون فى بدايات الحياة العملية ، بعضهم طلبة من جنسيات مختلفة السودانى والسورى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ، وبينهم تاجر من سوريا واثنان من الموظفين المصريين نقلا إلى القاهرة بحكم عملهما ، هذه الشخصيات يجمعهم مناخ الاغتراب فى تيار حياتى له سطوته الخاصة ، ويتفجر دائماً ، ويعكس طبيعة البيئة ، كما تتحلق حولهم " عنابر " وهى امرأة تقوم على خدمتهم داخل البنسيون ولهم فيها مآرب أخرى ، بعكس شخصيات بنسيون " ميرامار " لنجيب محفوظ فقد كانوا فى الجولة الأخيرة من حياتهم ، وكانوا يرزحون تحت واقع من المتناقضات ، والصراعات الدائرة من داخل الذات وخارجها .
السيرة الروائية :
فى الحالة الإبداعية للروائى محمد جبريل يصعب وضع حد فاصل بين النص الروائى فى عالمه وبين سيْرنة هذا النص ، إذ أن الحالتين ممتزجتين فى العديد من جوانبهما ، كما أن عنصر الالتباس يكاد يفرض نفسه على هذه الحالة الروائية المطروحة أمامنا بجميع مقوماتها . فنحن فى كتاباته السيرية فى " حكايات من جزيرة فاروس " ، و " الحياة ثانية " ، و " مد الموج " ، ثم فى " كوب شاى بالحليب " نكاد نستبين نصوصاً ملتبسة تتأرجح ما بين السيرة الذاتية والروائية ، ومع ذلك فهى لها ذائقتها الخاصة، لكننا أيضاً نجد واقع السيرة الذاتية كما حددها كل من فيليب لوجون وجورج ماى فى تنظيراتهما حول هذا الفن ، تمتزج فى بنية هذه النصوص ، كما أن أعماله الروائية الأخرى نجد فيها أيضا شخصيته الذاتية قد تكون مضمرة داخل بنية النص ، وأحياناً أخرى تكاد تفصح عن نفسها تماماً . وفى روايته " كوب شاى بالحليب " تظهر فى بنية النص علامات تدل على أن معمار هذا النص يأخذ من النص السيرى ليمتح فى الواقعى الآنى ، ويحدد وقائع رواية سيرية تمتزج فيها أبعاد الواقعى مع هواجس المتخّيل فى رؤية وتجربة ، مضافة إلى هذا العالم المجسد للتاريخ الاجتماعى لشخصيات الكاتب المستعادة فى معظم نصوصه تقريباً ، فالسرد قد جاء فى هذا النص بضمير المتكلم ، والشخصية واضح من تركيبتها الأساسية ، وبواكير ممارساتها داخل النص ، أنها تبحث لنفسها عن مكان فى هذا العالم منذ أن وعت أن عالم الصحافة هو عالمها الخاص ، وهى سمة تكاد تتطابق مع تجربة الكاتب الذاتية تماماً ، كما أن المكان الجديد الذى بدأ يبحث لنفسه عن موضع قدم فيه كان هو الآخر غير المكان الأصيل لعالمه وهو الإسكندرية ، أى أنه قد ترك الإسكندرية ليمهد لنفسه طريقاً إلى المختبر الجديد ، مختبر الصحافة ، وكانت القاهرة هى محط الأنظار بمركزيتها ، ومكانتها الإعلامية الكبيرة . كما أن وجود بعض الأسماء فى عالم الصحافة مثل سعد الدين وهبة ، وأحمد عباس صالح ، ونعمان عاشور ، وطوغان، والذين جاء ذكرهم فى سياق السرد قد أصل أيضاً هذا البعد السيرى ، وحدد من خلاله البعد الرئيس لهذا الجانب ، لارتباط هذه الشخصيات بالذاكرة الجمعية فى عالم الثقافة فى بواكيرها الأولى عند الكاتب . إضافة إلى أن الأحداث السياسية التى صاحبت تواجد الراوى فى القاهرة فى تلك الفترة المرتبطة بالوحدة بين سوريا ومصر هى الفترة نفسها التى بدأ فيها الكاتب حياته العملية ، وهى نهاية الخمسينيات من القرن الماضى . لذا نجد أن الواقعى التاريخى فى حياة شخصية سمير دسوقى فى رواية " كوب شاى بالحليب " هو نفسه البعد السيرى الذى يرويه الكاتب على لسان الراوى – الذى يمثل الكاتب – وهو هاجسه الخاص وسط هذا الكرنفال السائد فى أرجاء البنسيون الذى أقام فيه بالقاهرة وسط لهجات مختلفة ، وأنماط متباينة من البشر ، ووجهات نظر متعددة تضطرب معها علاقات المعنى والقيمة : " فالجميع يتحدثون فى الفن والأدب والموسيقى والرياضة وأحوال الجو وزحام المواصلات ومباريات كرة القدم ، يخوضون فى مناقشات ودعابات ، يتبادلون قراءة المنفلوطى والحكيم ومحفوظ والسباعى وجوركى والشرقاوى وطه حسين وحقى وتشيخوف ومكاوى وباكثير وقصائد شوقى وحافظ ونازك الملائكة والسياب وكتابات فرويد وسارتر وكولن ولسن ومندور والعقاد وسلامة موسى " . بجانب هذا الزخم الثقافى والمعرفى يبدو الجنس وكأنه وجبة دائمة وميسّرة لسكان البنسيون " : اعتاد الطرقات على باب الشقة يفتحه ويتراجع ، وهو يخفض رأسه ، أو يتجه إلى الفراغ، تدخل المرأة باندفاعة – اندفاعة دائماً – كأنها تلوذ بالبنسيون من مطاردة " . ولا شك أن البناء الذى أنتجه الكاتب تتبدى فيه التقنيات الروائية المعروفة ، ويلتقى فيه الواقع بالمتخيل ، والممكن بالمحتمل ، والرصد بالتنبؤ ، والتحليل بالتركيب ، كل هذا يخرج من دائرة البطل الذى يدفعه الحاضر ليسترجع ماضيه ، خاصة بواكير تجربته الأولى فى الحياة العملية بكل ما تحمل ، فى بنية سردية سيرية ولكن من منظور روائى ، وكما قال جابر عصفور عن العلاقة بين الرواية والسيرة الذاتية " العلاقة وثيقة بين كتابة السيرة الذاتية وكتابة الرواية من هذا المنظور ، وسواء كنا نتحدث عن تقنيات السيرة الذاتية الأدبية ، أو عن " رواية السيرة الذاتية " أو " رواية الفنان " أو " رواية الروائى " أو ما شابه ذلك ، فإن تداخل الحدود لافت فى المجال السردى الذى يؤلف بين رغبة الاعتراف والبوح ورغبة السرد والقص، وكلتاهما رغبة ملازمة للأخرى فى دلالتهما على بعض ملامح الإنسان المعاصر الذى استبدل الاسترخاء على أريكة المحلل النفسى بالجلوس على مقعد الإعتراف فى الكنيسة ، وبعض ملامح الروائى المعاصر الذى استبدل الكتابة المباشرة عن ذاته اكتشاف هذه الذات وإعادة بنائها فى علاقات الرواية التى تصل الخيالى بالواقعى، والحقيقى بالمجازى ، عبر تعاقب أزمنتها المتداخلة " ( جابر عصفور : زمن الرواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1999 ص 57 ) . وهذا هو ما احتفى به محمد جبريل فى روايته " كوب شاى بالحليب "، حين استخدم تفاعلات الواقعى بالمتخيل ، فى إقامة سرد سيرى حمل فيه من رواية السيرة الذاتية ، وتجربة الاعترافات ، ورواية الروائى ، إضافة إلى زخم من الشخوص لها تفاعلها الذاتى والكيميائى ، فالكاتب فى هذا النص يكتب عن الآخرين باستفاضة ملفتة ، ثم نكتشف أنه يكتب عن نفسه ، هو يؤرخ للآخرين ، ويستحضر تاريخاً سياسياً مرت به المنطقة ، وتفاعلت معه ، وعايشه معايشة كاملة ، وشارك فى الحديث عنه ، وفى تسييس وقائعه ، وفى الوقت نفسه نجد أن هواجسه المتخيّلة لها نفس الإشكالية .
الواقع المسّيس
لعب الواقع المسيّس دوراً أساسياً داخل النص فى بلورة قضايا وإشكاليات فرضت نفسها على هذا الواقع من خلال تنوع الشخصيات ، حيث يبدو الواقعى المسيّس فى حوار الشخصيات ومناقشاتهم حول ما يدور فى قضايا الساحة من صراعات سياسية وأيديولوجية ، خاصة ما طال منها موضوع الوحدة بين سوريا ومصر ، والحالة الرافضة هناك فى " الإقليم الشمالى " سوريا للقيود الجديدة المستمدة من واقع الحال فى " الإقليم الجنوبى " مصر ، والإفصاح عن أسماء الضباط السوريين الذين بادروا بالانفصال ، والآلية التى نوقشت بها هذه القضية . فالحوار الذى دار بينهم حول العديد من القضايا ، والتى من بينها القضايا السياسية الساخنة ، يضفى على بنية النص بعداً تمهيدياً لما سيسفر عنه الفعل الروائى بعد ذلك . ولعل المواقف الجنسية كانت هى الطرف الآخر من الخيط ، والمكمل للمواقف السياسية الدائرة على الساحة ، والتى تشغل بال سكان البنسيون ، خاصة فى أوقات المساء ، باعتبار أن الجميع طرف فى القضايا المطروحة من بعيد أو قريب . كما كان الجنس وتوابعه فى البنسيون يرمز إلى الطبيعة الإنسانية الباحثة عن المتعة الشبقية ، بجانب البحث عن متعة المناقشة والجدل حول القضايا السياسية الساخنة ، والقضايا التى تشغل بال العامة والخاصة فى ذلك الوقت . ومن ثم كانت السياسة والجنس وتوابعهما فى البنسيون يرمزان إلى أنهما وجهان لعملة واحدة داخل هذا المكان ، وأن من يتعاطى السياسة ، ويدلى فيها بدلوه هو الذى يدلى بدلوه أيضاً فى دوامة الجنس ، وضبابيته المسيطرة على واقع المكان الرامز إلى الواقع العام . ولعل تسييس الواقع داخل النص وبلورة المتخيّل فى تأصيل واقع كل شخصية ، قد أعطى النص مواقف متشابكة ومتداخلة .
فالشخصيات المتحررة من قيود التركيب ، والباحثة فى نفس الوقت عن متعة الحياة ، والمتواجدة فى ساحة البنسيون ، ترمز إلى الرأى العام الذى كان يرزح آنذاك تحت وطأة وأثقال المغيبّات بأنواعها المختلفة ، وقد كان الجنس وجدل السياسة هما أهم أنواع هذه المغيبّات ، والوهم المستبد بالجميع .
زمن سادوم وعامورة
يحتل الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " مساحة تبدو داخل البنسيون وكأنها مساحة الزمن كله ، فهو فى تنويعاته المختلفة يعبر عن واقع هذا الزمن ، ولعل الاهتمام الزائد بالجنس فى الرواية ، وما يمثله من بؤرة دالة تشغل مساحة كبيرة من النص ، يمثلها هذا المجتمع شبه المغلق ، بل إن المكان ذاته وهو يحاصر هذه الأجساد ويحتويها ويجعلها خاضعة للحاجة ، إنما يعبر عن طبيعة الزمن ، إضافة إلى طبيعة المكان ذاته ، وطبيعة المشاعر الحاصلة فيه ، ولعل الرغبات الجامحة أيضاً عند بعض شخصيات الرواية تعطينا دلالة على أن المتعة الشبقية العابرة كانت هى عقدة الجميع داخل هذا المكان ، وأن لكل رغبته الذاتية التى يعوّل عليها فى متعته مع الجنس ، وأن الجسد المباع كان هو الآخر يمثل بعداً تأويليا لمنطق هذا الزمن الحافل بالتهرؤ والزيف والفساد . فجميع النساء اللاتى وطئن أرض البنسيون بما فيهن " عنابر " التى تعمل لخدمة النزلاء ، كن من نسيج هذا الزمن ، بل إنهن من صنعه ، لكل حاجته الخاصة المادية والإشباعية ، فالعقدة الأوديبية عند الراوى دفعت به إلى امرأة تعدت الأربعين ، أعطاها عنوانه وهو يعرف فى عقله الباطن أنها ستحضر إلى البنسيون ، بعد أن كان كثيراً ما يغض الطرف عن رغبته وحاجته الخاصة للجنس ، وسط هذه الحالة العامة التى عايشها بين زملائه من نزلاء البنسيون، وكانت تلك هى المرة الأولى التى مارس فيها الجنس فى هذا المكان ، وإن كانت له محاولات لا تتعدى الملامسة والقبل . وإذا تتبعنا ملامح الأيروسية عند باقى النزلاء فسنجد أن المكان والزمان كليهما كانا يعبران عن هذه الأيروسية دون مغالاة ، بل ودون مبالاة أيضاً ، حتى أن صاحب البنسيون نفسه عندما حضر فى زيارة روتينية لم يعر مظاهر الجنس التى سمع عنها أى شيء ، إنما كان همه فقط أن الحديث عن السياسة من وجهة نظره هو الممنوع داخل البنسيون ، ذلك أن الجميع كانوا يعيشون الجنس من خلال الواقعى والمتخيل فى آن واحد ، بما فيهم " عنابر " المرأة التى تقوم على خدمتهم، هم يمارسون الجنس بواقعيته المعهودة ، لكنهم ينفذونه بمتخيلهم الخاص وطبيعتهم الذاتية ، فجلال ضيف الله يهمل المقدمات فى العلاقة الجنسية ، ويقتحم هذه العلاقة مباشرة ، ولا يشغله ما تريده المرأة ، أو ترفضه ، فهى إناء يفرغ فيه ما يلح عليه ، ثم إنه يترك لها النقود على السرير ويغادر الغرفة قبل مغادرة المرأة لها . كما أن له فلسفته الجنسية الخاصة " كان يشتهى الكاحلين بقوة ، يتطلع إلى لحظة – تبدو قاسية فيرجئها – يلامس فيها المساحة التى أحبها من ساق المرأة ، يتشممها، يلعقها، يدفس قضيبه – إن استطاع – فيها، يستغنى عن اللحظات التى يتحدث فيها ، ويتصورها ، من يعيشون فى البنسيون ، ويترددون عليه " . وقد أتى ذات مساء ببائعة فجل من ميدان باب اللوق ليمارس معها الجنس معللاً ذلك بأن رائحتها أثارته .
أما الفلسطينى غسان جبر زميله فى الحجرة فقد كان له وجهة نظر خاصة تجاه الجنس تنبع من مخيلة ذاتية ، فهو يتطلع إلى هذه العلاقة من خلال علاقة حسية وذاتية كاملة ، الجنس جزء منها ، والباقى علاقات تتواصل من خلال العاطفى والثقافى معا " كان يتطلع إلى علاقة الحب بين دماغين ، يصعب إهمال العلاقة الحسية ، لكنها تمثل علاقة فى ذاتها ، هى جزء من كل ، يقرأ وتنصت، تقرأ وينصت ، يتناقشان ، يتفقان ، يختلفان ، يشتد الميل فتتلامس الشفاه ، ربما استغرقهما العناق ثم يعودان إلى ما كانا يقرآنه " , ولما كانت أمه هى المرأة الوحيدة التى يعرفها معرفة كاملة ، إضافة إلى واقعه المادى والرومانسى ، فقد كانت التجربة الجنسية المفاجئة له فى البنسيون تكاد تنحصر فى علاقات قليلة من خلال أنه يريد أن تعطيه المرأة نفسها عن اقتناع ، وبمحض إرادتها هى لا برغبته الجنسية هو " يقرفه أنها تعرى أسفل جسدها ، وتنتظر رد الفعل دون أن تنظر فى عينيه " . أما شخصية السودانى جزرة الشفيع فقد كان على النقيض من الجميع فى عشقه للجنس لذاته ، لا يهمه شكل المرأة ولا ملامحها ، يمارس الجنس فى أى وقت ، وفى أى مكان داخل البنسيون ، ولا يشغله حتى وجود من يتابع الحدث ، هى بالنسبة له أمور ثانوية تافهة ، حتى أن سمير دسوقى كان يرى بنفسه ما يفعله جزرة ، وكانت تذهله هذه الجرأة التى كان عليها " أمام النافذة المغلقة المطلة على شارع منصور ، رأى جزرة يتبادل القبلات مع امرأة ، بدت الرغبة الحسية حياته . دافعاً إلى التفكير، وإقامة العلاقات . كان يقدم على فعل الجنس فى أى مكان ، فى الحجرات، فى الصالة ، فى الطرقة بين الحجرات . لم يكن فى حياته ما يفوق الجنس . اهتياج جسده يفاجئه فى لحظات لا يتوقعها ، قد يحركه تصرف أو عبارة ، ينتهز فرصة خلو البيت فترة الصباح ، يمارس الجنس مع عنابر فى حجرات البنسيون . الحجرة التى يقفان أمام بابها . يحرص على اللحظة ، يطيلها ، حتى الحمام كان يغلقه عليه ، ويمارس الحب ، يتفنن فى أوضاع العلاقة ، يحاول إطالة لحظات المتعة، ربما ترك للمرأة اختيار الوضع الذى تفضله . لم يكن يشغله وجود من يتابع الحدث " .
فى معرض لوحاته وتجسيده الواقعى وهواجس التخيل يبدو الجنس فى رواية " كوب شاى بالحليب " محمّل بالحالتين ، إلا أن الواقعى منه يتحرك تحت قشرة ذاتية ، تختبئ وراءها هواجس المتخيل الدافعة إلى تفاعل الرغبة بهذه الطريقة المفرطة . ولا شك أن للمكان دور فاعل فى إذكاء هذه الحالة حتى إنها تتحول ـ فى بعض الأحيان ـ إلى أسلوب حياة لا يمكن الاستغناء عنه . وهو ما وضح فى ممارسات معظم الشخصيات التى عاشت بطبيعتها الذاتية داخل البنسيون . والبنسيون ـ كمكان ـ يستمد سطوته من الحرية التى يشعر بها النزلاء ، خاصة فى غيبة الوعى والإدراك ، وتعتمل فيه سطوة الجنس لتشمل الجميع حتى ضعفاء الرغبة سرعان ما نجدهم يتحولون إلى النقيض . إلا أن الجانب المعتم من أعماق النفس كثيراً ما يجد بصيصاً من نور ، يتمثل فى محاولة الضمير رأب الصدع الذى يصيب أعماق النفس المظلمة والمعتمة ، يغذيه أحياناً الضغط النفسى وعذاب الضمير . لذا كانت قملة العانة التى أصابت سمير دسوقى فى إحدى ممارسته الجنسية ، والتى ـ ربما ـ أتت بها " مارى "، هى مرحلة التحوّل التى أصابت الجميع داخل البنسيون . ولعل ظهور هذه الحشرة فى نهاية النص ، مع الأخبار التى وردت بحركة الانفصال بين مصر وسوريا ، كان هو الكابوس الفظيع الذى خيم على مناخ الحالة العامة والحالة الخاصة ، وكأنه حشرة كافكا التى تلبسته فى صباح أحد الأيام بطريقة مفاجئة . لقد استحضرها الكاتب ليعبر من خلالها عن المتخيّل المستقر فى البنسيون ، وفى مصر كلها " : استغرقه صمت الليل والقراءة ، انتفض لرؤية حشرة تتحرك فى آعلى الصفحة ، قذف الكتاب دون أن يتدبر رد فعل الصرخة .
رمق رصات الكتب بنظرة متشككة . هل يحرقها ؟
أيقظته يد وردى المتقلصة على كتفه ، وهو يغالب الحشرة الهائلة ، استطالت ، تضخمت ، بدت جسما شائهاً له آلاف الأعين والأقدام والأرجل ، يملأ فراغ الحجرة إلى الجدران والسقف ، تهم بابتلاعه " . ملأت الحشرة المتخيل الواقعى عند سمير دسوقى بحيث أصبحت رفيقته فى صحوه وأحلامه ونومه ، أصبحت هى الواقعى فى حياته ، وفى هاجسه المتخيل ، تبدو وكأنها كابوس يختلط بكل شئ حوله ، ووسط هذا الكابوس الكبير فى حياتهم داخل البنسيون . وفى ذروة تعاملهم مع حشرة العانة يسمعون خبر الانقلاب السورى على الوحدة ، ويسمعون أسماء قادة الانفصال النحلاوى والكزبرى وغيرهم . آراء متعددة حول الوحدة وما حدث لها . أخبره الطبيب بأن الحشرة فى حياتهم ما هى إلا وهم ، ووهم كبير . بلغ الوهم عند سمير دسوقى قمته بحشرة العانة ، وبفشل الوحدة بين سوريا ومصر و لم يوقظه من هذا الوهم سوى العودة إلى الإسكندرية مسقط رأسه . ويترك الجميع البنسيون بناء على طلب الحاج كامل مهدى صاحب البنسيون . ويودع كل منهم صاحبه .
قال الزهراوى لسمير دسوقى وهو يودعه : " سأفتقد دعوتك على كوب الشاى بالحليب "
بهذا النص الملتبس ما بين الرواية والسيرة والمكدس تكديساً لا حد له بالوقائع والأحداث التفصيلية ، وبهذا الوهم الكبير الذى عاشه الجميع سواء على مستوى الحياة الكبيرة فى مصر وسوريا ، أو على المستوى الخاص داخل البنسيون ، وما واجهه الجميع فى الواقعى والمتخيل ، نجد أن النص يتخذ شكل التعبير التسجيلى والتقرير الشديد الدقة ، فى توقيتاته المحددة وتفاصيل أحداثها الظاهرة والباطنة ، الواقعية والمتوهمة ، لهذا كان هذا المناخ الكابوسى الذى ظللت الجميع خطوطه العريضة من الواقعى فى هذه الشخصيات ، ومن المتخيّل الحلم الجميع فى مصر وسوريا ، ومن بنسيون شارع فهمى أيضاً .





د. حسين علي محمد
كوب شاي بالحليب


رواية : محمد جبريـل

الإهداء

إلى عبد الله أبو هيف ، وأحمد إبراهيم الفقيه ، وصالح مفقودة ، وعبد الرحمن تبرماسين ، وعمار شلواى ، وأحمد زيـاد محبـك ، وعبد المجيـد زراقط
صداقات أعتــز بها


***********






حين أفقت ، كان العالم فى الظهيرة .
" رامبو "




******************

نكتفي بنقل الفصلين الأول والأخير:
...................................

ـ 1 ـ

عاد ـ قبل الغروب ـ من جولة فى الشوارع القريبة . تأمل محطة القطار بأبوابها الخشبية العالية ، المفتوحة ، والساعة المستديرة تعلو واجهتها ، واللافتات على النوافذ والشرفات لأطباء ومحامين ومحاسبين ، والباب المفضى إلى السوق المزدحمة بالدكاكين وعربات اليد والمطاعم والإضاءة الشاحبة ، ودكاكين الأدوات المنزلية ، والباعة السريحة ، وبائع الصحف أول ميدان باب اللوق ، والمقهى ذا الضلفة الزجاجية الوحيدة المفتوحة ، بينما أُغلقت بقية الأبواب ، تبدت من خلالها النصبة والكراسى والطاولات المصفوفة لصق الجدران ، وثمة ثلاثة ، وربما أربعة ، انشغلوا ـ فى الركن ـ بحديث هامس . يطل على ميدان تتوسطه أحواض زهور ..
قال لنفسه وهو يميل إلى شارع فهمى :
ـ أهم شئ أنى وجدت محل كشرى سألجأ إليه كثيراً !
لم يكن فى باله حجرة بالتحديد . مجرد مكان للإقامة يستطيع دفع إيجاره . اللوحة الورقية المثبتة على الباب المضفر بتداخل الحديد " غرفة مفروشة للإيجار " دفعته إلى صعود السلمات الرخامية الست .
زيارته الثالثة للقاهرة ، وإن قدم ـ هذه المرة ـ بنية الإقامة .
قال أبوه فى استغراب وهو يعد حقيبته الوحيدة :
ـ أعرف أن خريج التجارة يعمل محاسباً .
قال :
ـ الصحافة لا تشترط مؤهلاً بالذات !
نزل من المترو فى محطة تريامف . الإقامة عند خالته محطة يبدأ منها . ابتسم لرؤية لافتة " مقهى الاتحاد " على ناصية شارعين . الاتحاد السكندرى ، النادى الذى يحبه .
سأل عن شارع الشيخ عبد الوهاب النجار . عبر الطريق إلى التقاطع الجانبى ، ثم مال ـ فى الميدان الصغير ـ إلى اليمين .
ثالث يوم ، قالت خالته وهى تبدى التأسف :
ـ هذا بيت رجل غريب .. قد يرفض إقامتك !
كان الرجل جالساً ـ بثيابه الداخلية ـ على كنبة لصق الجدار ، يمسد شاربه بطرف إصبعه ، وعيناه تتجهان إلى الفراغ بنظرة تخلو من المعنى .
عرف أن دور الصحف بالقرب من ميدان المحطة . غالب التحير وهو ينظر إلى المفارق والتقاطعات والشوارع المتفرعة . سأل عن الأسماء التى غابت لافتاتها : رمسيس ، الفجالة ، كلوت بك ، الجمهورية ، الجلاء ، السبتية ..
عبر الكوبرى الحديدى الموازى لمبنى المحطة . قال الرجل ـ فى وقفته على باب حلوانى ، يفصل بما يشبه المثلث ـ :
ـ هذا شارع الترعة البولاقية .. وهذا شارع شبرا .
اتجه ـ قبل امتداد الشارعين ـ إلى اليسار . أخذه زحام المارة والعربات والسيارات واللافتات والدكاكين المفتوحة . اخترق شوارع أخرى ، واسعة كالميادين ، ضيقة كالأزقة . اجتذبته لافتة " شقة للإيجار " . الشارع اسمه ابن الرشيد . البنايات وحركة الحياة أقرب إلى ما خلفه فى بحرى . تكلم الرجل ذو الجلباب والعمامة المطوية فوق رأسه عن الشقة بحجراتها الخمس ، وعن الإيجار الذى لا يساوى إيجار حجرة . أخذه الحديث فتكلم عن بدايته بائعاً بمشنة فى سوق الخضار القريب ، وعن أبنائه الذين أطلق عليهم أسماء الخلفاء الراشدين ..
قال متفكهاً :
ـ ماذا سميت بعد الخلفاء ؟
قبل الرجل ظهر يده :
ـ الحمد لله .. أربعة أولاد وبنت ..
ظل هدوء الحجرات الخالية يداخله بالخواء . يحرص على عدم التلفت حتى يمضى ـ فى المواجهة ـ إلى الحجرة الوحيدة التى يشغلها . بها سرير معدنى ، ومكتب خشبى صغير رص فوقه كتبه وأوراقه ، وكرسيان أحدهما للجلوس ، والثانى يضع عليه ثيابه . وفى الجانب طاولة خشبية ، فوقها حلة وطبقان وملاعق ، وبوتاجاز مسطح به شعلتان .
مضى ـ بنصيحة من خالته ـ إلى باب اللوق . فيه الكثير من البنسيونات ، والحجرات المفروشة ، والونس .
نادى على البواب .
طالعه بملامح عابسة ، وأومأ برأسه إلى شقة الطابق الأرضى . ضغط على الجرس ، وابتعد .. غابت التلبية من الداخل ، فترك البواب غرفته الخشبية الملاصقة لحنية السلم :
ـ صاحب الشقة حدد للسرير ثلاثة جنيهات فى الشهر ..
ـ سرير ؟
ـ الحجرة الواحدة بها سريران .. إذا أردت حجرة مستقلة ادفع ثمن السريرين ..
ـ لا بأس من الإقامة المشتركة ..
أعجب بالحجرة من النظرة الأولى . مساحتها الواسعة ، والنافذة المفتوحة ، المطلة على شارع خلفى . يشغلها سريران متباعدان بحجم مقابل جدارى الحجرة ، بينهما كليم منسوج من مزق الملابس القديمة ، تداخلت ألوانها ، وكومودينو ، فوقه طفاية سجائر ، وتدلت من السقف مروحة هائلة ، ساكنة . ولصق الحائط دولاب من ضلفة واحدة ، تغطت واجهتها بمرآة اسودت حوافها . يعلوها مستطيل يختلف فى درجة اللون عن بقية الجدار . خمّن أنه موضع إطار نزع فى القريب . وفى الجانب المقابل مرآة مستطيلة ، كبيرة ، ذات إطار فضى ، مزين بالأرابيسك .
ترامى من النافذة أصوات شجار ، وأغنية فى راديو ، ورائحة معسل ، وضربات نرد على الطاولة ، وهديل حمامة ، وهتاف مرتفع النبرة :
ـ أكثر من الصلاة والدعاء ، اقترب موعد موتك !
بدا المكان على غير ما رآه فى الصباح . شبان يجلسون ، ويقفون ، ويمضون ـ فى الطرقة الضيقة ـ إلى الأبواب المفتوحة ، والمغلقة ، ويخرجون منها .
غالب الحيرة أمام النظرات المتسائلة ..
الصالة مستديرة ، فى المنتصف طاولة يحيط بها ثمانية كراسى . بسطت على الأرض فروة خروف ، تهرأت فى مواضع منها . توسطت الجدار لوحة زيتية كبيرة لمنظر طبيعى ، فيه خضرة وأشجار وضفتا نهر ضيق ، أشبه بالترعة . إلى جانبها ساعة ببندول ، واقفة على الثامنة والثلث . رصت على النافذة أصص العتر والريحان والقرنفل ، تلاصقها صينية نحاسية ، بداخلها قلة مغطاة بسدادة بلاستيك ، تحيط بها حبات ليمون مغموسة فى الماء .
تلاقت تيارات الهواء ، فأنعشته ببرودة لطيفة .
لم يستطع الشاب ذو القامة الفارعة ، والبشرة السمراء ، والعينان السوداوان ، أن يلتقط اسمه . أعاد السؤال :
ـ اسم الكريم ؟
جاهد ليبدو صوته رائقاً :
ـ سمير دسوقى .. نزيل جديد ..
اجتذبهم من المناقشات والأحاديث الجانبية . علا صوت من ركن الصالة :
ـ مصرى ؟
هز رأسه دلالة التأكيد .
قال الشاب ذو القامة العملاقة ، والبشرة السوداء ، والعينان اللتان تعانيان احمراراً :
ـ أنا جزرة الشفيع ..
وأشار إلى صدره بسبابته :
ـ سودانى بالطبع ..
وتحركت يده فى غير اتجاه :
ـ هنا السورى والمصرى والفلسطينى والتونسى والبحرينى ..
واتجه إليه بابتسامة واسعة :
ـ نحن الآن جامعة عربية مصغرة ..
ثم وهو يؤكد على مخارج الكلمات :
ـ وهى كذلك جامعة من الشبان ..
قال عزام :
ـ إذا أردت أى شئ يمكنك أن تطلبه من عم راضى البواب ، أو من عنابر الشغالة ..
واستطرد فى نبرة تذكر :
ـ تترك الشقة فى الرابعة بعد الظهر ..
فى حوالى الخامسة والعشرين . أميل إلى القصر . فرق شعره من وسط رأسه ، له شارب كثيف ، عنى بتسويته ، هادئ الوجه ، لا يبين عن حقيقة مشاعره .
قلب الوسادة بتلقائية . هذا ما اعتاده فى ليلته الأولى بأى مكان يبعد عن بيت الأسرة . يضيق بالتصور أن أحداً ـ لا يعرفه ـ كان يضع عليها رأسه فى الليالى السابقة !
***
صحا على طرقات خافتة ، يرافقها النداء :
ـ يا أستاذ وردى ..
التفت ناحية السرير المجاور . الكومودينو الصغير الفاصل بين السريرين المتجاورين ، وضع فوقه وردى نور ساعته وكتبه وعلبة سجائره . أزمع أن يدس أشياءه الصغيرة تحت الوسادة . تتوسط الممر الضيق ـ بين السريرين ـ مشاية صغيرة . لاحظ أن وردى استلقى فى السرير . سحب الغطاء على جسده ، قال : تصبح على خير . ثم ما لبث أن راح فى النوم . أمه تتحدث عن نومه الخفيف . يصحو على أى صوت ، وعلى إضاءة النور . صحا على شخير وردى ، أو تنفسه العالى ، أو تململه فى سريره ..
همس وردى :
ـ حاضر ..
ثم اتجه بجسده إلى الناحية المقابلة ..
ـ حضرتك جديد ؟
هز رأسه دلالة الموافقة ..
اللكنة تغلب على صوته . وجهه مسحوب إلى أسفل ، شعره أسود متجعد ، كث ، ملامحه تشى بصغر سنه . يرتدى فانلة بيضاء من القطن ، ذات أكمام طويلة .
ـ خادمتك عنابر ..
فى حوالى الخامسة والثلاثين . أرسلت شعرها ـ فى إهمال ـ وراء ظهرها ، وعلى كتفيها . أهدابها مكحولة ، وشفتاها ممتلئتان ، لصوتها بحة مميزة . تضع حول عنقها عقداً من الخرز الزجاجى . يشى مظهرها أنها تجيد العناية بنفسها .
قالت :
ـ هل أعد إفطارك ؟
د. حسين علي محمد
فصل من الرواية:
......................

ـ 6 ـ
ترامى صوت عنابر عالياً ، غاضباً ، من غرفة جلال ضيف الله ..
فز حسام خياطى من مجلسه وقد ملأت البسمة وجهه :
ـ جلال قذف بخصوصياته فى أرضية الحجرة ..
وغمز بعينه ..
قال عزام الزهراوى :
ـ لا تنسوا أنها سيدة .. ومن المهم مراعاة شعورها ..
قال حسام :
ـ ربما جعل جلال هذه الخصوصيات من أجلها ..
قال سمير دسوقى :
ـ ميزة عنابر فى نظافتها الشخصية وليس فى جمالها ..
نظرتها إلى عملها فى البيت ، تشرف على أموره ، وتلبى احتياجات النزلاء ، لم تفلتها من نظراتهم إليها . تنشغل بالكنس ومسح البلاط وترتيب الحجرات وغسيل الملابس والطهى ، وترفو الملابس الداخلية ، وتشترى احتياجات البيت من السوق .
قال عزام الزهراوى متصعباً :
ـ عنابر هى الأم الرءوم لوحدتنا العربية !
لم يكن عزام الزهراوى متحمساً لفكرة الوحدة ، وإن انخرط فى المظاهرات التى هتفت : بدنا الوحدة باكر باكر .. مع الأسمر عبد الناصر . ذاب قطرة فى حشود المتظاهرين . يرى أن الوحدة كانت وسيلة ، وليست هدفاً . سئم السوريون مسلسل الانقلابات العسكرية ، فلجأوا إلى الوحدة ، ربما تأتى بالاستقرار ..
قال سمير دسوقى :
ـ عبد الناصر معبود الجماهير منذ تأميم قناة السويس ..
وجاشت مشاعره :
ـ قال لا ، فى الوقت الذى اكتفى الآخرون بنعم ..
قال وردى نور:
ـ أعتقد أن الوحدة قائمة على أسطورة عبد الناصر وحدها . ما عدا ذلك مختلف تماماً ..
قال حسام خياطى :
ـ ما أعرفه أن عبد الناصر ظل متردداً فى قبول الوحدة . ثم اضطرته الضغوط للموافقة عليها
قال وردى نور :
ـ هذه الوحدة أقرب إلى وضع اليد أمام الوجه تفادياً للخطر .. مجرد تصرف انفعالى!
لم يتبين سمير دسوقى ـ فى البداية ـ موقفه من قضية الوحدة . كان الاستفتاء أولى مشاركاته فى الانتخابات . أظهر البطاقة الخضراء للموظف البدين ذى الرأس الأصلع ، والشارب الأبيض ، الكث ، المنسدل على الشفتين . الصندوق الخشبى المغلق ، فى وسطه شق مستطيل بحجم الكتاب المتوسط . سأل عن طريقة الانتخاب . أخذ الموظف البطاقة ، وأشر عليها . أشر على دائرة فى بطاقة برتقالية . طواها ، ودسها فى الشق وسط الصندوق . ذابت التصورات التى أمضى معظم الليل يقظاً فى تخيلها . تنبه إلى أنه نسى البطاقة فى لجنة الانتخاب بمدرسة رأس التين الثانوية . لم يحاول استعادتها ، ولا استخراج بدل فاقد ، وإن تبدلت نظرته إلى الوحدة فى قراءاته للصحف . استهوته الدولة الإقليمين فى هيئة الكماشة ، ونواة الدولة العربية العظمى ، وتخوف الساسة الأتراك من مطالبة العرب بلواء الإسكندرونة . صار أميل للدفاع عن دولة الوحدة . وجد فى عزام ما يغريه بالأسئلة ، وإبداء الرأى ..
قال الزهراوى :
ـ عندما طلب الجيش الوحدة فإنه كان ينقل رأى الشعب السورى لعبد الناصر ..
ونقر بإصبعه على الطاولة :
ـ أراد قادة الجيش أن يطردوا فكرة الانقلاب العسكرى ..
وانتزع ابتسامة شاحبة :
ـ سمعة الجيش فى سوريا سيئة منذ انقلاب حسنى الزعيم !
وهز رأسه دلالة الأسف :
ـ مشكلة الوحدة أن ميثاقها وقع بمنطق الصفقة وليس بمنطق المصلحة القومية ..
لم يكن يؤمن بالاستفتاء . هو أسلوب لا يترك للناس فرصة للمناقشة ، أو المفاضلة ، أو الاختيار . إما أن توافق على الحاكم ، أو توافق على الحاكم . هذا هو الاستفتاء . حقيقته التهديد ، وليس الانتخاب ..
قال جزرة :
ـ أليس مضحكاً أن تتحد سوريا ومصر ، ولا تتحد مصر والسودان ؟
لاحظ فيه اندفاعة ، تصدر منه دون توقع ، آراؤه مفاجئة . يختزنها فى داخله . لا يعلنها إلا فى اللحظة التى يختارها . ولم يكن يميل إلى المناقشات التى يضطر فيها للدفاع عن رأيه ، أو تسخيف الآراء المختلفة . إذا تسارع الأخذ والرد ، نسى قراره بأن يتجنب الانفعال ، فهو أميل إلى الحدة فى آرائه وملاحظاته ، وربما قاطع محدثه بعبارات قاسية ، لا يتدبر مفرداتها .
أضاف جزرة وهو يدير كوب الشاى فى راحته :
ـ مشكلة الأنظمة العربية أنها تتصور نفسها وصية وليست حاكمة . المواطن جزء من لعبة الحكم . لكن الأنظمة تصر على أن تدير كل شئ ، ويكتفى مواطنوها بالأكل والنوم والإنجاب ..
قال الزاهراوى إنه لا توجد مشكلة بين عبد الناصر والمواطنين العاديين فى سورية . مشكلته مع المثقفين من ضباط الجيش والشرطة والموظفين وقيادات الأحزاب . عاب على البعثيين تصورهم أنهم هم الوحيدون المؤهلون لقيادة سوريا ، بالوحدة أو بدونها . قصروا الوظائف على أعضاء الحزب فى كل المؤسسات . من يعترض ، أو ينتقد ، أو يناقش ، فهو خائن . حتى تغيير ترتيب الوحدة والحرية والاشتراكية جريمة يعاقب من يقدم عليها . أراد قادة البعث ـ من خلال دولة الوحدة ـ أن ينفردوا بحكم سورية ـ أن يفيدوا من ضبابية الحياة هناك فى عين عبد الناصر . من يقيم فى منشية البكرى يصعب عليه أن يتابع كل ما يجرى فى حى المزة السورى ..
ثم وهو يغالب ارتعاش صوته :
ـ أعلن البعث تأييده للوحدة كى ينفرد بالحكم ..
وشرد بعينيه كأنه يحادث نفسه :
ـ حتى قرار حل الحزب ظل حبراً على ورق !
قال سمير دسوقى :
ـ لعل حكومة الوحدة تخشى خالد بكداش ..
قال الزهراوى :
ـ ليس خالد بكداش هو الشيوعى الوحيد فى سوريا ..
تحدث عن خطأ عبد الناصر الذى كاد يضيع ـ فى تقديره ـ كل شىء . قواعد الحزب الشيوعى السورى ، والتنظيمات الماركسية ، شملت كل المدن ، وفى داخل الجامعات ومؤسسات الدولة . حتى الجيش كانت الأكثرية من ضباطه شيوعيين . خطأ عبد الناصر أنه وافق البعثيين على تسريح الضباط الشيوعيين من الجيش السورى . اقتصرت الحياة السياسية على قيادات البعث ، يدبرون الخطط والمؤامرات لمصلحة الحزب ، لا لمصلحة سورية ، ولا دولة الوحدة . ربما لو أن الوحدة تأخرت ، كان الصراع المسلح ينشأ بين الشيوعيين والبعثيين ، وكان الشيوعيون هم القوة الحقيقية داخل الجيش .
قال سمير دسوقى :
ـ وافق الشيوعيون على دولة الوحدة !
قال عزام الزهراوى :
ـ لم يتصوروا أن فكرة الوحدة ستلقى استجابة فورية من عبد الناصر ..
واتجه بنظراته إلى ما وراء النافذة :
ـ كان التوقع أن يرجئ الموافقة حتى تنتهى الفكرة بنسيانها !
ـ هل أفهم أنك شيوعى ؟
هز رأسه بالنفى :
ـ جئت إلى القاهرة لمهمة علمية .
أدرك سمير أنه لا يريد أن يتحدث .
د. حسين علي محمد
الفصل الأخير
................

ـ 24 ـ
مال من شارع رأس التين إلى شارع الحجارى. جاوز زحام المارة والسيارات وعربات اليد والبضائع المكومة على الرصيف، والمقاهي. دخل البيت الصغير ذى الطابقين . صعد السلالم الرخامية، المتآكلة. استعاد رائحة قديمة كان قد نسيها. ابتسم للعبارة المكتوبة على الجدار بخط مرتبك ، لم يمحها تقادم السنوات " سمير دسوقى البنا ملك العالم". توقف ـ لحظات ـ أمام باب الشقة. ثم ضغط الجرس ..
حجرته على حالها كما تركها . لم يتغير فيها شىء : السرير المعدنى ، والمكتب الصغير أمام النافذة المطلة على الشارع ، حتى المكتبة التى تعلو الجدار ، تضم ما اعتاد قراءته ..
لزم البقاء فى البيت ، يقرأ ويحاول الكتابة ، وإن خرج لزيارة أصدقاء ، وللتمشى ما بين نقطة الأنفوشى وسراى رأس التين ، والسير بلا هدف فى شوارع بحرى ..
تعمد أن يحجب عنوان البنسيون عن أسرته . عمله فى الجريدة بالقطعة، لا يملك المراسلة على عنوانها . فرض الانتظار نفسه حتى يبين الأفق عن ملامح يسهل الإشارة إليها . لم يكن أعد نفسه لما حدث ..
قال الحاج كامل هويدى :
ـ كل ما يحدث فى البنسيون أعرفه ..
أضاف لنظرة الدهشة الموزعة على الأعين :
ـ لن أنتظر حتى يبلغ السكان الشرطة ..
ارتسمت فى ذهنه صورة الرجل ذى الخطوات المتباطئة وهو ينزل درجات السلم من الطوابق العليا ..
قال جزرة :
ـ لكن باب الشقة لا يفتح إلا للدخول والخروج ..
ـ دخول من ؟
أشار إلى النزلاء :
ـ هؤلاء ..
ـ وماذا عن ربات الخدور ؟
ـ ماذا تقصد ؟
ـ ألا تعرف ؟.. البنسيون تحول إلى كباريه !
كان الجسدان فى ذروة التحامهما ، لما انفتح الباب ، وعلا صوت ـ أدرك جلال ضيف الله أنه الحاج كامل هويدى ـ :
ـ مساء الخير ..
كانا مفعمين بالنشوة ، فلم يلحظا إدارة الحاج لأكرة الباب ، وقفته على باب الحجرة ، نظرته المستغربة لما يراه . اللحظة الشبقية احتوتهما تماماً ، غيبتهما فى اللذة . اقترب تلاحمهما من الرجفة التى لا يستطيع كتمها ، فلم يقو على انتزاع جسده ، ولا نفسه . ما استطاع جلال ضيف الله أن يفعله ، قوله ـ من خلال نبرة متعثرة ـ :
ـ مساء النور ..
شاهد الرجل ، وأدرك . لم يظهر أنه رأى ما رأى ، فلا يلزم نفسه بتصرف ، ربما يغلب عليه الانفعال . اكتفى بإغلاق الباب ، ومضى فى الطرقة الضيقة ..
قال جزرة فى كلمات متلكئة :
ـ وماذا كان قبل ذلك ؟!
قال الحاج كامل :
ـ صباح بعد غد آخر موعد لإقامتكم فى البنسيون ..
ثم وهو يهز قبضتيه :
ـ كلكم .. كلكم !
قالت عنابر :
ـ والحشرة ؟
لكز الحاج هويدى كتفها :
ـ هذا شأنى .
وأشار ناحية الباب :
ـ المهم أن يتركوا البنسيون !
كانت لقاءات نزلاء البنسيون فى الفترة الأخيرة قليلة ، ومتباعدة . شغلهم الخوف وتوقع الخطر . حتى جلسات المساء لم تعد إلى ما كانت عليه . تحية المصادفة باب الكلام عن الحشرة . لم تستقر فى داخله مشاعر محددة وهو يعد حقائبه . تبادل العناوين مع أصدقاء البنسيون . ظلت العناوين على أماكن فى القاهرة . عزام ـ وحده ـ أعطاه عنوانه فى دمشق . اعتذر بأن الدورة التدريبية ـ بعد الانفصال ـ لا معنى لها .
أطال الجميع وقفتهم تحت الماء الساخن . عنوا بدهان المراهم والكريمات والأعشاب الطبية ، وارتدوا ثياباً جديدة .
اكتفى ـ فى وداعه للنزلاء ـ برفع اليد ، وبالمصافحة . تبين صوت عبد الله زيدون :
ـ إذا كانت القاهرة قد فوجئت بالانفصال ، فإن دمشق كانت تنتظره منذ بدأت الوحدة .
طالت نظرته إلى عزام الزهراوى ، يحاول تذكر ما يخشى نسيانه . طال الصمت . لم يعد لدى أحدهما ما يقوله لصاحبه . اجتذب يده المصافحة ، وتعانقا . شده إلى صدره .
قال الزهراوى :
ـ سأفتقد دعوتك على كوب الشاى بالحليب .
أهمل سقوط الدمعة على كتف الزهراوى ..
قالت عنابر :
ـ يا سى سمير .. هل تأخذنى معك ؟
ـ إلى أين ؟
ـ قلت إنك استأجرت شقة بمفردك ..
ـ ليست شقة .. إنها مجرد غرفة وصالة ..
ـ حتى لو كانت عشة فراخ ..
قال فى لهجة معتذرة :
ـ قد يرفض صاحب البيت ..
ـ لن يرفض إذا قلت إنى خادمتك ..
وشى صوته بالحيرة :
ـ خادمة فى غرفة ؟
طوحت بيدها :
ـ هذا ليس شأنه ..
ـ سأحاول ..
ثم فى نبرة هامسة ، معتذرة :
ـ وإن كنت لا أعدك !
التفت إلى البنسيون بنظرة تأثر وهو يهبط درجات السلم .
تنبه إلى أنه كان يحيا شعوراً بالألفة . ذوت ـ حتى التلاشى ـ مشاعر العزلة والغربة والرفض . حل ـ بدلاً منها ـ ما لم يكن يتصور أنه يطمئن إليه . ألف الملامح والمناقشات والتعبيرات والأفعال .
ما كان يستغربه لم يعد كذلك .
(انتهت الرواية)
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.