قراءة في قصة «رمضان كريم» لإبراهيم المصري
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
...............................
(1)
عندما يختار الكاتب الشخصيات التي تؤدي أحداث قصصه "يلزم أن يُعايشها فترة في خاطره ووجدانه، حتى تتشكّل لكل شخصية أبعادها الجسمانية والاجتماعية والنفسية في نفسه".
وإبراهيم المصري (1900-1979م) الكاتب القصصي المعروف يصدق عليه هذا القول، فقد كان يهتم برسم الشخصية اهتماماً كبيراً، مما يجعلنا نجزم بمعايشته لها مُعايشة طويلة قبل أن يُقدِّمها في إبداعه القصصي، ونلمس ذلك في مجموعاته القصصية الكثيرة التي أصدرها.
وسنتناول في هذه القراءة رسم خطة التحول في حياة بطلته "منيرة" في قصة "رمضان كريم".
في هذه القصة "يرسم لنا المؤلف من خلال جوّ رمضان الساحر صورة امرأة لم تُعقِّب خلفاً من زوجها الذي أحبته، فأُصيبت بانفصام فُجائي في شخصيتها، واعتقدت ـ هي التي كانت تُحب زوجها حبا كاملاً ـ أنها باتت تُحبه بقلبها فقط، وتعشق بجسدها رجلاً آخر، فوقعت المعجزة في رمضان، وشعرت المرأة بأنها حملت من زوجها نفسه، وعندئذ أشرقت بصيرتها، وأدركت أنها إنما اندفعت نحو رجل آخر غير زوجها، لا عن رغبة في عشق جسدي محرَّم، بل عن ميل فطري لا تنبُّهي إلى إنجاب الطفل الذي كانت محرومة منه. فلما أيقنت أنها قد حملت وفي شهر الصوم، استهولت ما أوشكت أن تقع فيه، فارتدّت بكليتها إلى زوجها، واشتد إيمانها بالله، وزايلها على الفور ذلك الانفصام الذي طالما قاومته، وكان يُعذبها". فهذه المعركة المريرة بين جاذبية القلب والروح من جانب وإغراء الشهوة والجسد من جانب آخر قصّها علينا الكاتب في هذه القصة من خلال سرده لقصة "منيرة" زوج "مصطفى بك".
ومن خلال الفقرات الأولى نتعرف على منيرة:
"كانت فتاة رقيقة وديعة تشتغل معلمة أطفال في إحدى المدارس الخاصة، فأحبها حبا عنيفاً واقترن بها معترضا مشيئة أهله، وأنقذها من مخالب الفاقة، وفتح لها أبواب الثروة والنعيم.
كانت منيرة إذ داك عذراء خفرة، لينة الجانب، طلقة النفس، حلوة المعاشرة، تبرق في عينيها تلك البراءة الناصعة التي يقف حيالها الرجل خاشعاً مفتوناً، وتترقرق من حديثها تلك السذاجة الساحرة التي تُلهب الخيال وتُشعل العواطف، وتملأ النفس بأروع الآمال والأحلام.
أولع بها مصطفى لفرط ما وجد فيها من فضائل تُناقض أشد المناقضة ما اصطلحت عليه بيئته في حياتها. كانت هذه البيئة مترفة لاهية، غليظة القلب، قاسية المشاعر، وضيعة الميول والأهواء، مسممة بضرب من الكبرياء الوقحة المشوبة بالأنانية وحب الذات. وكان مصطفى يمثل بيئته أبلغ تمثيل، ويعتبر منصبه الحكومي الكبير مظهراً للوجاهة فقط، ويحيا حياة الكسالى العاطلين، لا همّ له إلا السهر، وتبذير المال، والتقلب من ذراعي غانية إلى أحضان أخرى.
فلما التقى بمنيرة المدرسة الفقيرة المعدمة، التي تعمل سحابة نهارها لتعول أما عجوزاً وثلاث أخوات صغار، تكشفت له الطبيعة البشرية عن جانب كان يجهله، فأدرك معنى البساطة، وقدّر حياة الكد والكفاح، وأوشك أن يحتقر نفسه ويبغضها، ويفهم ما في حياة الفقراء من تفوق وعظمة.
وساعد جمال الفتاة على إنماء هذه الأفكار في ذهنه، وإضرام شعلة الحب في فؤاده. فعافت نفسه تقاليد بيئته، واستعذب من أجل منيرة فضيلة التواضع والإحسان والرحمة، وتاق إلى تبديل جو حياته في صحبة هذا المخلوق المشرق الناضر النقي.
وعرض عليها الزواج، فاستهولت منيرة الفارق الذي يفصل بينهما، وخُيِّل إليها أنها مكيدة يدبرها كالآخرين. ولكن مصطفى كان صادقاً ونزيهاً، فلم يُغرِّر بالفتاة ولم يخدعها، بل استقدم شابين من رفاقه ذات صباح، وذهب إلى المأذون وعقد عليها".
فهنا نرى من أبعادها الاجتماعية:
-أنها فقيرة: "أنقذها من مخالب الفاقة" .. "الفقيرة المعدمة".
-تعمل في وظيفة متواضعة: "تشتغل معلمة أطفال في إحدى المدارس الخاصة".
-تقوم بدور في أسرتها: "تعمل سحابة نهارها لتعول أما عجوزاً وثلاث أخوات صغار".
الأبعاد الجسمانية:
-وصَفها بالجمال: "يقف حيالها الرجل خاشعاً مفتوناً"، و"تُلهب الخيال وتُشعل العواطف، وتملأ النفس بأروع الآمال والأحلام".
الأبعاد النفسية:
-"لينة الجانب، طلقة النفس، حلوة المعشر".
-"تبرق في عينيها تلك البراءة الناصعة".
ومع ذلك فهي تعرف قدر نفسها، ولم تكن تطمح في الزواج من "مصطفى بك" (سليل الحسب والنسب).
"وعرض عليها الزواج، فاستهولت منيرة الفارق الذي يفصل بينهما، وخُيِّل إليها أنها مكيدة يدبرها كالآخرين".
لكن حينما أصبح حب مصطفى بك لها حقيقة، وتزوّج منها، عاشا في سعادة مترعة:
"وكانت حياة زوجية شائقة لم تخطر لمصطفى ببال. حياة هادئة ناعمة مستقرة تنطلق في مجرى لامع صاف، أشبه بحلم عذب طويل، لا تكاد تعقبه اليقظة حتى يعود فيتجدد ويتألق في عالم شعري فاتن مُفعم بالثقة والتفاهم والوفاق.
أحس مصطفى أن جو البراءة والطهارة التي طالما نزعت إليه نفسه أصبح حقيقة تكلؤه وترعاه، وتفيض على وجدانه وبيته، وتغمر قلبه وعقله، ولا تفتأ تنبثق من عيني هذه المرأة المثلى، وتُبدِّل شيئا فشيئا أخلاقه وعاداته ونظرته إلى الحياة.
وقابلت منيرة هذه النعمة بكل ما في فطرتها السليمة من وفاء وإخلاص، ثم اشتد إخلاصها على مر الزمن وتضاعف واستحال من عرفان بجميل زوجها إلى حب صادق غامر صحيح .. هو ذاك .. كانت تحب زوجها بكل صراحتها، وكل براءتها، وكل قواها".
***
لكن شخصية منيرة تتحول. ويلمس زوجها ذلك التحول أولاً، فيقول في بوح ذاتي: "لقد تغيّرت، إنها لم تعد تحبني. إنها تبعد عني، تتملّص مني … لقد فترت حرارة منيرة، وابترد شوقها، واستحالت إلى امرأة أخرى. يا لخيبة الأمل المروّعة، بعد خمس سنوات خالسنا فيها النعيم، لم نُعقِّب فيها أطفالاً، ولكننا كنا سعيدين. كنتُ مكتفياً بها، وكانت مكتفية بي … إنها وفية، وفية ونزيهة، وأنا أثق في شرفها ثقتي في وجودي .. فلماذا تغيّرت؟ ولماذا هي قريبة وبعيدة، لا يكاد جسدها يلتصق بي حتى تغيب روحها عني، ولا أكاد أضمها إلى صدري حتى يخونها الحب فجأة ويفرّ منها ويخلفها بين ذراعيّ أشبه بجثة هامدة؟ لقد تغيرت".
ويلتقي مصطفى بك منيرةَ في حجرتهما، وتلقي نفسها عليه، ولكنه يشعر أن هذا الحنان الذي تلقيه عليه خالٍ من الحب.
وينتقل المؤلف إلى منيرة راصداً تحولاتها:
"طافت بها جميع صور حياتها .. ذكرت هي أيضاً ماضيها وحاضرها، ومبلغ السعادة التي أشرقت عليها في هذه السنوات الخمس، وما انتهت إليه هذه السعادة التي كانت تعتقد اعتقاداً راسخاً أنها لن تموت. ذكرت فقرها وبؤسها، وحب زوجها العميق لها، واعتزازه السمح الكريم بها، والنعمة التي أسبغها عليها، والترف الذي حباها به. ذكرت كل هذا ثم نظرت إلى نفسها، هبطت إلى قلبها، نفذت إلى أعمق أعماق ضميرها، فسرت فيها قشعريرة متقدة مستهولة .. كيف؟ كيف تتنكّر هكذا لحبها، كيف تتحوّل هكذا عن إخلاصها، كيف تحنث بيمينها، وكيف تخون بالحس والفكر والضمير هذا الرجل الذي لم يكترث لبيئتها، ولم يعيرها بأصلها، بل استعدى عليه أهله من أجلها، وانتشلها من وقدة الفقر، ورفعها إلى مرتبة أخرى لم تكن لتحلم بها أبداً؟!
وتمثلت صورته، فتحسست أعضاءها مكمدة حانقة، وأنشبت فيها أظافرها كأنها تود أن تهزها من سباتها، وتنعشها وتحييها، وتبعث فيها تلك الحرارة التي ينشدها مصطفى، ولكنها عجزت".
ومن ثم فقد كانت "قلقة ومذعورة، كانت تقف بمفردها أمام التجربة ولا إيمان يحميها، ولا إرادة تعصمها، ولا طفل يملأ فراغ حياتها .. الطفل .. طفلها .. لقد انتظرته عبثاً منذ خمسة أعوام .. جميع الأطباء قالوا إنها سليمة البدن، وجميعهم زعموا أن زوجها سليم البدن أيضا، وإذن فلماذا أبى الله إلا أن يغدق عليها كل المتع ويحرمها نعمة الأمومة"( ).
وفي وسط هذه الحيرة النفسية، وهذا القلق الذي أصاب زوجها، يفاجئها ـ في مخدعها ـ الوجيه "إحسان بك" ابن عم زوجها، وجاره، وأحب أصدقائه إليه، ويحاول أن ينال منها، ولكنها .. "ذكرت أنها في شهر الصوم، فجن جنونها، هالها الحرام في شهر رمضان .. كبر عليها أن تكون مفطرة وغادرة .. كبر عليها أن ترى الناس يصومون ويصلون ويُكفرون عن آثامهم ثم ترتكب هي لأول مرة وفي هذا الشهر الفضيل أخس وأقبح وأفظع الآثام .. فدبَّ فيها عزم طارئ، فاستجمعت قواها، وتملّصت من الرجل، واندفعت نحو الباب تأبى إلا أن تفتحه، فانقضَّ عليها إحسان بك، واحتواها بين ذراعيه، وجاهد جهاد المستيئس ليقبلها، ولكنها استنهضت من نفسها أقصى الإرادة وأقصى العزم، ودفعته عنها في عنف، وفتحت الباب.
وتقهقر إحسان وقد أمضته الخيبة، ثم قطّب حاجبيه، ونصب قامته، وخرج من الغرفة"( ).
وفي هذه اللحظة التي تشبثت فيها منيرة بأهداب العفاف والتقى تحدث لحظة التحول، حيث تحس إحساسا حقيقيا بالحمل:
"مست بطنها في ذهول، فأحست شيئا عجيباً .. شيئا عجيباً .. شيئاً خارقاً .. شيئاً خفيا وساحراً .. يتحرك فيها، ويدب دبيب الأمل المرموق في صميم أحشائها.
وتحسست أيضا بطنها كمعتوهة، وملكها فرح لا يوصف .. اختنقت، جمدت، أصابها شبه شلل فاتر ولذيذ سبحت فيه وهي تائهة ولم تتحرك، أجل .. لم تتحرك .. لم تتقدّم، لم تلحق أيضا بإحسان، لم تحفل بغضبه، ولم تكترث لسخطه، أو تفكر في مجرّد النظر إليه .. شعرت شعوراً غريباً، شعوراً باغتها وحيّرها أن إحسان قد انفصل عنها، وانسلخ من جسمها، وبُتِر من حواسِّها، وتقلّص في مثل لمح الطرف وتبدّد كأنه طيف خيال..
وارتمت على مقعد وهي تلهث، ويدها المرتعشة الرقيقة تحضن بطنها المبارك حيث يتحرك جنينها المنشود .. ومن هذه الحركة الوئيدة الهامسة، وعلى وقع هذا النبض المتقطع المختلج الوهاج، انجابت السحب عن ذهن منيرة، وأشرق عقلها بغتة، ووضح أمامها سر نفسها. فهمت ووعت وأدركت كل شيء، أدركت أن توزّع ميولها كان ثورة على الطبيعة، وانفصام كيانها كان تحرقا على الأمومة، وتصدع شخصيتها كان تلهفاً على الطفل".
وتعود منيرة إلى مراجعة موقفها، وتصبح إنسانة سوية من جديد "تحرص على نفسها، وتزن خطواتها" فقد "أدركت أن إحسان لم يكن في نظرها غاية، بل وسيلة.
أدركت أنها لم تحب إحسان أبداً.
أدركت أنها لم تنجذب بحواسها نحو إحسان القوي إلا لتعقب منه الطفل الذي كانت قد يئست بعد خمس سنوات طويلة من أن تعقبه من زوجها الضعيف مصطفى .. ولكن مصطفى لم يكن ضعيفاً .. هي التي كانت واهمة ومتبطرة وثائرة ونافدة الصبر .. وها هو ذا الطفل .. ولده، ولده هو. ولد مصطفى، ثمرة حبها الخالص له، يدب في أحشائها، ويباركه ويقدسه كفاحها المرير دفاعاً عن كرامتها، وذوداً عن عرضها"( ).
لقد اشتد إيمان منيرة بالله، وعادت إلى الصلاة والصوم، وزايلها ذلك الانفصام الذي طالما عانت منه، وقاومته مقاومة عنيفة.
وهذا الصراع العنيف الذي كان بين القلب والروح من جانب، وإغراء الشهوة وغريزة الأمومة ومطالب الجسد من جانب آخر، يستصفي أنبل ما فيه، وهو الحب المخلص للزوج، والأمومة التي تمنح الحياة الطفل .. رمزاً على العطاء، والقدرة على التجدد والاستمرار.