وداعا محروس الصياد: شاعر البحر والنوارس !
بقلم: سمير الفيل
مساء السبت الموافق 29 سبتمبر 2007 رحل عن عالمنا شاعر العامية المجدد محروس الصياد . ذلك الصوت المتميز الذي ظل مؤثرا في حركة شعر العامية المصرية منذ بدأ الكتابة في أجواء هزيمة يونيو 1967 وحتى اللحظة الخيرة في حياته.
كنت قد تعرفت على محروس الصياد لأول مرة في تجمع جماهيري مواكب لما كانت تمر به مصر من حراك عسكري وسياسي حيث نشبت حرب الاستنزاف( 1969 ـ 1970) ، وكانت جموع الشعراء تجوب القرى والمقاهي ، لتلقي قصائدها لدعم موقف الصمود حيث كانت طائرات الكيان الصهيوني تلقي بقنابلها على المدن والقرى الآمنة ، ومن هؤلاء الشعراء : السيد الجنيدي ، محمد علوش ، السيد الغواب ( توفى) ، سمير الفيل ، محروس الصياد ، محمد العتر ، محمد الزكي ، وشيخ أدباء دمياط الشاعر الراحل محمد النبوي سلامة.
ولد محروس الصياد يوم 29أغسطس 1944 بقرية السنانية لعائلة تعمل بالصيد ، وقد توقف عن التعليم النظامي بدمياط فور انخراطه في العمل الحر ، لكنه أكمل جزءا من تعليمه في المدارس الليلية الخاصة في بيروت ، وعمل بحرفة زخرفة الموبليات " الأويما " . أصدر ديوانين هما : " مسافر يا بحر" ، الهيئة العامة لقصور الثقافة ، إصدارات الرواد ، العدد12 ، سنة 1983، و" فارس البحر ". الهيئة العامة لقصور الثقافة ، إصدارات الرواد ،العدد 56 ، سنة 1999.
قام بكتابة أغاني بعض المسرحيات التي قدمتها الهيئة العامة لقصور الثقافة ، ومنها: مسرحية " الحريق " عام 1990 من تأليف أبو العلا السلاموني ، إخراج محمد ناصف . مسرحية " كشف النقوط" تأليف عبد العزيز اسماعيل ، إخراج فوزي سراج ، سنة 1997، مسرحية "الموت الأبيض " ، تأليف عماد الديب ، إخراج محمد ناصف ، سنة 1989كما شارك في كتابة أغاني فرقة دمياط للفنون الشعبية عام 2000.
ومن الجوائز التي حاز عليها : المركز الثاني عن أشعار مسرحية " كأسك يا وطن " عام 1995 ، و المركز الأول في مسابقة جريدة " الدمايطة " في شعر العامية 1994، كذلك حصل على شهادة تقدير لفوزه بالمركز الثاني في مسابقة ( طاهر أبو فاشا ) في شعر العامية 1996، وقد تم تكريمه في مؤتمر أدباء مصر في دورته المنعقدة بالأسكندرية 2002. وسوف نقدم هنا دراسة تتناول ديوانه " مسافر يا بحر" .
يتسم شعر محروس الصياد بالتقاطه لمظاهر الطبيعة الحسية التي ترسبت في مخيلته منذ الطفولة ، ومحاولة توظيفها بمقدرة فائقة في قصائده. إن شاعرنا من عائلة تعمل في قرية السنانية بالصيد ، لذا نجد قاموسه الشعري يذخر بمفردات( البحر ـ المركب ـ القلع ـ الأخطبوط ـ شباكي ـ الفنار ) ، وقد امتد تأثير البحر في قصائد محروس متجاوزا الاستخدام اللفظي المفرد ليكون من تلك المفردات صورا متكاملة على نحو غاية في الوضوح ، بحيث تصبح الصور لديه تشكيلا صوتيا يتناسق مع ما يحمله وجداننا من قيمة للبحر كمصدر للخير ( الرزق ) مع ما يخالطه من شر متوقع ( موج عات ـ رياح شديدة ) .يستغل الشاعر الصورة المكانية ممتزجة بالصور الموسيقية في تضافر موفق بحيث تشي بالتصاق البحر وموروثاته بروح الشاعر التصاقا عميقا بعيدا عن السطحية ، ولنرجع إلى قصيدة " شاعر من الشمال" :
شاعر أنا
شعري بلون البحر
في ليلة عدل
إنده يا ريس ندهتك
الريح مهاود ، وانعدل
يمكن يكون القلع بيلاغي الهوا
ويصح حالنا وينعدل
مراكبنا يا ضحكة صباح
على شفايف بحرنا
لفي ودوري واطرحي
وع الخلايق صبحي
إن الألفاظ التي يضفرها الشاعر في قصيدته تحمل رائحة البحر ، وتتسق مع حالة التفاؤل التي هي وليدة السروح للرزق ، حيث يرتبط الصيد بمظاهر الطبيعة وتكتسب تلك المفردات ثراءها من الخبرة الجمعية التي يفلح الشاعر في فهمها وتوظيفها دون أن يخدش ذلك الحس الجمالي للقصيدة . نفس هذا الاستخدام نعثر عليه في قصيدة ( مسافر يا بحر) :
مسافر يا بحر ، وشايل همومي
وكل اللي حيلتي شباكي وهدومي
ياضحكة حبيبتي ، يا دفة سفينتي
دي بسمة شفايفك مواني ومراسي
وقلبي اللي حبك سبقني وراسي
برمشك راح اغزل طاقية وعجابة
ولما هنتعب هنفرش نسايم
لكن استسلام الشاعر للقافية جعل قدرته على استحضار مخزونه الوجداني الخاص به بما يبعثه البحر من مشاعر في غاية المحدودية . إنه يحاول أن ينسق الوجود الخارجي وفقا لمشاعره ووجدانه ، بحيث تصير مفردات البحر معادل ميكانيكي لذاته الفرحة أو الأسيانة ، ويتم هنا إخضاع الطبيعة لحركة النفس وتذبذباتها الغير مستقرة.
بالرغم من أن تلك المفردات قد تسهم إسهاما فعالا في إثراء الصورة في قصيدة أخرى ، لا نلمح فيه مثل هذا التدخل السافر أو العقلانية الزائدة ، ولنأخذ هذا المقطع من قصيدة " نوة الأعاصير" ، وهي من أرقى قصائد الديوان التي تحمل الطابع الغنائي الذي يمتاز به محروس الصياد ، وهي لا تهمل هذه العفوية الشعرية ذات القدرة المتجددة على التدفق . إن القصيدة تتسرب إلى النفس لأن الشاعر يترك الإيقاعات الحيوية لعالمه الأثير تأخذ دورها في التأثير دون أن يلجمها ، وبمعانقته لمفردات الواقع ينجح في أن يربط بين مظاهر الطبيعة المتحركة والثابتة ، وبين قلق الإنسان الداخلي إزاء مصير مبهم:
النوة جاية من جبال الريح
راكبة خيول الشط بتعافر
مالهاش جواز مرور
ولا تأشيرة دخول
بيتنا الصفيح دايب
مالوش فراندة رخام
ولا مراسي حديد
بيمشي فيها الكلام
مالوش حرس ولا سور
ولا سطح من قرميد
إن تلك الصورة تأسرك ببساطتها لأن الألفاظ المشبعة بعبق البحر ، ومن خلال تركيب صورته السهلة والعميقة في آن واحد تنجح في أن تغزو وجدانك . إن هم الشاعر هنا أن يستنطق تلك الطبيعة التي حيرته صغيرا ليصنع من الذاتي واقعا ، وباستخدامه للصورة المحسوسة التي يفلح في أن يجسد من خلالها الواقع مغلفا برؤيته. وتتميز قصائد محروس الصياد باستكناه الروح الشعبية واستعارة أدوات الفنان الشعبي القديم في التعبير عن موقف ما أو تجربة محددة . إن الفن الشعبي العريق وإن افتقد براعة الصنعة وحسن الترتيب فإنه لاشك يمنحك روعة الإلهام وصدق الآداء وبساطته. وهذا ما ينجح فيه الشاعر إذ يحققه في بعض نصوصه حين يجنح إلى استخدام الموروث الشعبي بالضرب على وتر الحكمة أو الاستسلام للقدر ، وإخفاء التجربة العميقة خلف كلمات قليلة تلمح ولا تصرح. لنتأمل تلك التركيبات التي تتناثر في القصائد :
ـ ( فرستنا حامل من زمان
والشهر ده
.. بيقول أبويا شهرها)
ـ ( ومين يضحك في وش البحر
.. ومين يستقبل السمان ؟ ).
ـ بحر الصحاب لوحتى هاج
.. الطفل فيه عوام)
إن هذه التراكيب وغيرها تحاول استكشاف عالم متغير . لا تدعي وصف ما هو قائم ومعروف بل تسعى إلى التغلغل في مساحات ممتدة من وعي شعبي نابه وضارب في عمق الأرض .
تمتاز الصورة الشعرية عند محروس الصياد بالبساطة في اغلب الحيان ، وهو يلجأ إلى تفتيت الأشياء التي يتعامل معها لتفقد تماسكها البنائي ويبقى على بعض صفاتها ، لذلك فإن الصورة التي يقدمها لنا قد لا تكون واضحة ومحددة لغياب الرؤية الشعرية الشاملة التي تربط بين الصور المختلفة داخل القصيدة الواحدة ، ويصبح النفاذ إلى الفكرة المستخدم من أجلها الصورة ضربا من التخمين كما في هذا المقطع من قصيدة " السور العالي " :
لازم يحمر بلحنا العام ده
قبل ميعاده
ويسوق عباد الشمس عناده
لازم يظهر نجم الهرم الرابع
يظهر حر ، طليق ، مش تابع
يبقى هوية ، واسم ، وطابع
وان كان بكرة زي امبارح
مضطرين .. فوق جواباتنا
نعمل بقع الحبر طوابع
إن التفكير الحسي في الصورة الشعرية قد لا يمنحنا معنى محددا لكي تتسق الصورة الجيدة : لازم يحمر بلحنا العام ده ..
قبل ميعاده ..
مع الصورة التالية التي نستشعر أنها أقحمت في السياق النفسي والفني ، فقطعهت التدفق الشعوري والتجاوب مع روح القصيدة ، حيث تعطي دلالة نفاذ الصبر والنزوع نحو التغيير وفرض ال؟إرادة . إن الصورة التالية لا تمنح المتلقى فرؤصة ليطور الفكرة ، او يدعمها على اقل تقدير :
لازم يظهر نجم الهرم الرابع..
ونهاية القصيدة تقدم صورة متسقة مع أول أبيات المقطع ، ليعود التيار الفكري معانقا التدففق النفسي في بناء القصيدة ، ولنعثر على شفافية الصورة ، وقدرتها على تخطي الغموض والنفاذ إلى الوجدان حين يلجأ الشاعر على التشخيص ، ويقترب من عفوية محببة في قصيدة ( رسالة من أبو فصادة على النسر ) والتي تعليقا أمينا على هزيمة يونيو 1967 وكيف أصبح على الطائر البسيط أن يتعلم من التجربة :
رجع كلامي ، ورد لك
.. مش قلت لك
مش كل أيد تتمد لك
.. تقصد سلام
قاوحت يومها وقلت لي :
" كداب .. كداب
بحر الصحاب لوحتى هاج
الطفل فيه عوام "
كان قلبك المليان حنان
فارش لك السكة أمان
إن انكسار الجناح ليست نهاية الأمر فلابد من مواصلة الطيران ، ولهذا كان استدراك الخطأ ، بالوعي والفهم ، والاصرار على نفض غبار الهزيمة والتعلم من الألم . علينا ملاحظة أن النص كتب في عام 1968:
العفو يا مولاي
كلامي لك مش عنجهة ، ولا منجهة
ولا مألفة ، ولا تحضيرات في الفلسفة
أنا صحيح طائر بسيط
لكني برضه مش عبيط
باعرف أدير النوّة
وأقدر أواجه الرياح
مع إني مكسور الجناح
من نواة العام اللي فات !
نصادف في قصائد محروس الصياد اقترابا حذرا من قضايانا السياسية ، لكنه يعمد إلى أن يؤجل صدامه الوشيك خلف حيلة فنية كما سنرى في أكثر من نموذج ، والحالة الوحيدة التي يكشف فيها أوراقه الإبداعية عندما يتغنى بالوطن كما نرى في قصيدته ( يابلدنا لا تليني) وهي القصيدة التي لحنها فنان دمياطي هو معاطي محمود في أعقاب الهزيمة مباشرة وكانت تغنى على العود في مقاهي وقرى المحافظة خلال حرب الاستنزاف ،وزجاج الدكاكين والبيوت يعلوه طلاء أزرق والقلوب مليئة بقهر مميت فكان لابد من كلمات تتغنى بضرورة الصمود :
يا بلدنا لا تليني
وان سألتي فاسأليني
وان ندهتي هتلاقيني
صدقيني هتلاقيني
زي نسمة في قلع مركب
زي حبر في سن يكتب
زي مية في غيط شراقي
زي بصة في عين فدائي
يتعاطف شاعرنا مع القضية الفلسطينية ويتضح ذلك في قصيدته " السور العالي" حين يزاوج بين ضياع هويته وبين عجزه عن تقديم أي عون لضحايا العدوان الصهيوني على مخيمات اللاجئين العزل من السلاح :
وتتوه من عيني مدينتي
وارقام واختام في بطاقتي
تلعني وتسخر مني
وتقول : أيه الي عملته لصابرا
ومخيم نهر البارد
دلوقتي مابقاش بارد
في جنابه بيغلي الدم
زي تنهيدة الأم .. الحامل
عايزة تولد ع السابع
بتقول الخيمة ملانة بنادق
ومفيش للكف صوابع
الصورة الأخيرة رغم جرأتها وبراعتها إلا انها تذكرني بإحدى الصور التي استخدمها نزار قباني في ديوانه " هوامش على دفتر النكسة " ، وأحب أن أشير إلى أن تعاطف الشاعر مع القضية الفلسطينية ينبع من تجواله ومعايشته لنكبة اللاجئين خلال سنوات عمله في سوريا ولبنان . إن التعاطف نتاج شعور حقيقي لعين مبصرة يقظة ، ولم تحركه أجهزة الإعلام التي تعاملت وقتها مع حادث غزو بيروت ( 1982) بنوع من الحياد .
ليس غريبا أن نلاحظ تطور الوعي لدى الشاعر في قصائده الأخيرة التي جنح فيها إلى التعبير عن الشواغل والهموم المطروحة على الساحة ؛ فالقضايا الملحة التي فرضت نفسها على إبداعاته ظلت أسيرة تمرد ميتافيزيقي مبهم المعالم ، وقصارى ما أتى به هو رفض لم يصنع جدلا مع حركة التغيير المرجوة.
حتى في استخدامه للتاريخ لم يأت نتيجة إلمام شامل بإبعاده بقدر ما برز كنتيجة لرؤية بصرية ذات دلالات رمزية أضفت على التجربة الشعورية قدرا من العفوية ممتزجة بحس شعبي مشبع بانكسار نضالي قديم . ف"طوابي عرابي" التي تبرز في أكثر من قصيدة لمحروس لم يستخدمها الشاعر نتيجة لعملية ذهنية تجريدية أو ترديدا لقراءة واعية لمرحلة نضالية من تاريخ مصر ، لكنها استخدمت وحملت قوة تأثيرها الشعري من منطلق رؤية بصرية لها في مدينة " عزبة البرج" حيث مازالت أطلال تلك الطوابي والتحصينات تمنح المبدع عبقا من الماضي .
تتيح هذه الخبرة المستقاة من أغاني الطفولة وذكريات الشيوخ قدرا من الحيوية يزيد أو يقل طبقا لتوفيق الشاعر في استحضاره لدقائق التاريخ أو إخفاقه. وتبقى مخاطرة الشاعر في استخدام رموز التاريخ دون سند ثقافي باعثا على القلق بل والحذر ، فقد يخونه الرمز المستخدم في مقطع ما من القصيدة ، ولا يعبر عن العلاقات الحية التي حاول من خلال الرمز التاريخي أن يحمـّـله شحنته العاطفية ، وهنا يمكن أن يحدث التناقض في السياق بين الرمز والتجربة حيث لا تتحقق الجماليات التي تصحب في الغالب عملية استكشاف الرمز أو مدلوله.
وكمثال تطبيقي نجتزيء هذا المقطع من قصيدة " نوة الأعاصير" :
ومين يستقبل السمان
مين يحكي حكاية الهكسوس
عيني عليك يا بيتنا
أخاف عليك م النوة
ولاّ أخاف م السوس ؟
في هذا المقطع تم إقحام الهكسوس بكل ما يحمله هذا اللفظ من خبرة جمعية وإسقاط تاريخي دون أن يتم تضفيره عضويا في السياق الفني للقصيدة بحيث برز كنتوء غريب عن العجينة الغنائية المستخدمة في التشكيل الجمالي للنص ؛ فلا علاقة واضحة أو منطق مفهوم بين هذا اللفظ على حدة وبين الألفاظ الأخرى التي تم انتزاعها من البيئة وتوظيفها .
إن الرمز لابد أن يخضع لمنطق السياق النفسي للقصيدة ، وينبع في الوقت نفسه من عملية التخليق المستمرة للصورة الشعرية ، ولا يغفر للشاعر اقترابه من تخوم الرفض فنراه متمردا بلا قضية في بعض قصائده ، وإن لمس القشرة السطحية الهشة التي يخشى النفاذ لأعماقها.
ومن الملامح البارزة في شعر محروس الصياد رنة الحزن والأسى التي تفيض بها معظم قصائده ، وهذه السمة ليست وليدة الإدراك النفسي لمأساوية الحياة أو عدم القدرة على التكيف الذاتي مع ما يحمله الوجود من غربة وتمزق وضياع . إن مبعث هذا الحزن بعيد تماما عن أي منطلق فلسفي مجرد ، ويمكن بلورته في تلمس الشاعر لهموم الوطن ، وعدم القدرة على انتشاله ـ حتى بالكلمات النبيلة ـ من محنته التي طالت . هذا الحزن صلب ونبيل ، ولم يكن في لحظة من اللحظات حزنا خاويا هشا ، فهو الحزن الذي يسبق التمرد وتأتي من بعده إرادة التغيير . القصائد التي تحمل هذا الحس المأساوي الحزين تشع بالصلابة وتحقق عنصر التحدي ، وقد تتحول إلى نزعة تحريضية كما في قصيدة "تحت الشمس " :
أنا حملي تقيل
لو اهدي يميل
وارجع من تاني أقاسي الويل
على كده وكفاية
لا..
لا ، ح أمشي لحد العلواية
أنا راح أعمل كتفي معداية
وأتحمل دوسهم
واعند واتجمد
في عمود م الصبر
وأغزل للحلوة التوب
من خيط الفجر
إن الكتف الذي يتحمل كل هذه الهموم والأرزاء قادر على تخطي الصعب وإعادة البسمة لشفاه الوطن. يقترب الشاعر كثيرا من فهم العناصر الجوهرية في طبيعة الصراع بين قوى القهر من ناحية وبين قوى الخير من ناحية أخرى كلما تسلح بخبرة الجماعة في مقاومة تيار التنازل والسقوط ، وأعتقد ان حساسية الشاعر ووعيه الآخذ في النضوج كذا إخلاصه الشديد لقضية الشعر كحقيقة وحلم .. كل هذه العناصر مضافا إليها ذخيرة إنسانية تسانده من ثقافة شعبية وخبرات جمالية ومحكات واقعية قد أضفت على نصوصه الأخيرة بعدا جماليا مؤكدا ، مما يستدعي الباحث أن يتوقف بالدهشة والإعجاب أمام صوره البكر التي جعلت أغنيته هي الترديد الأكثر قوة لفكرة الخلاص ، وهذا ما يواجهنا في قصيدة " رسالة من الدوري إلى القمري" :
غنيت كتير علمتنا معنى الغنا
غنيت على جسر الحياة غنوة شقا
غنيت لكل العاشقين
غنيت لكل الشغالين
بالمسطرين والمطرقة
ووصيتي .. مني أنا :
إن كنت مؤمن بالغنا
إوعاك تبطل زقزقة.
تلك هي الرسالة التي تركها لنا شاعر أصيل ونبيل من الجيل الذي ارتبطت قصائده بقضايا الوطن ، والذي ظل رغم كل المأسي والفواجع قادرا على الإنشاد دون أن يفقد البوصلة الصحيحة التي ظلت توجه خطواته نحو شعبه ، وهو يردد وصيته في رثاء شاعر أصيل سبقه إلى الموت هو الجنوبي " أمل دنقل " في قصيدة غنية بالدلالات عنوانها " شاعر بلدنا" :
يا شاعر بلدنا ياضلة ف طريقنا
عزمت تفارقنا يافارس زمانك
هترحل بجسدك وجوه قلوبنا
هتبقى ف مكانك
بحبك بفنك ، بشعرك , برعشة إيديك
وحتى شجرنا بحبه ووفاءه
في ساعة الجنازة بيعلن حداده.
رحم الله الشاعر محروس الصياد الذي ظل مغنيا ومنشدا ووفيا لشعبه الفقير حتى آخر لحظة من حياته