مرتكزات الانتماء في قصص
أ.د. حسين علي محمد
إنّ صور الحياة تتحدد بجملة من التفاعلات التي يمارسها الإنسان ضمن محيطه بمختلف ملابساته ، و أحيانا هذه المكتسبات تمتد إلى عمقه فتصبح أحد أهم عناصر تكوينه الذاتي و النفسي و الاجتماعي ، و منه يمارس طبيعته كتقليد ، و في ضوئه يبحث عن توازنه بين جميع الأشياء حتى تلك التي ركبت تركيبا متناقضا ومختلفا ، فالهوية الحقيقية ليس تلك التي نعيشها على مستوى ظواهر الحركات و الانفعالات و السلوكات المتباينة هنا و هناك ، في هذا الاتجاه نكتشف لدى بعض الكتاب نزعة متميزة و أسلوبا مختلفا في تصوراتهم للمجتمع و عناصره و ما يربطهم به من علاقات ذات محددات تاريخية و اجتماعية و نفسية ، وقفتُ على جملة من تقارير سردية لدى الأستاذ الدكتور حسين علي محمد في طرحه المميز للأشياء و بث مفهوم مختلف لعلاقة الإنسان بعالمه و محيطه و كيف يتخيل انتماءه في ظل مثيرات و مؤثرات داخلية و خارجية ، محسوبة وفق تجربة عميقة في مختلف العلاقات الإنسانية بالتصور أو مما هو مشاهد في الواقع أو من وحي التجربة الشخصية.
إنّ مستويات الطرح تختلف من كاتب إلى آخر ، قد تكون بالتوصيف المباشر في تقابل الأشياء أو الأشخاص و ربما ، بأسلوب غير مباشر كما يفضله البعض الآخر ، من هنا اتضح لي في مجموعة من القصص المختارة للكاتب قد مارس فيها العملية بشكل نمذجة المواقف و معالجة ظواهرها من خلال ما يتقابل من أجله الأشخاص على المستويين ، الأبطال الرئيسة و الأبطال الثانوية ،مراعيا أبعادها الفكرية و تصورها حتى الساذج منه ، باعتباره من مكونات الذات ،ففي قصة (حكاية هنادي)على سبيل المثال ، يحاول الكاتب حسم بعض المواقف على ألسنة مختلفة من شخصياتها ، و يدور حولها حوار تشكل منه أزمة ذات اتجاهين ، نفسي و اجتماعي ، و هذه صورة من صور القلق و الحيرة التي عادة تنتاب البطل حتى في تلك الحالات التي يبدو فيها عاديا وهو في واقع الأمر يعالجها بألم ، قد تكون في مسألة الزواج كمظهر تجديد و تغييري لتلبية مطالب قديمة استوت مع اتقاء الذات و تكونت في داخل الشخصية البطلة ، لينتج منها طرح مزدوج ، أي انشغال ثنائي متبادل بين هذه الشخصيات التي لا تتوقف عن الحركة و التنقل بين الأمكنة و الاستغراق في أزمنته المتباعدة و المتقاربة و المتناقضة في كثير من الحالات، تلك صورة أخرى للخلفية الحقيقية التي يمارسها هذا البطل أو ذاك دون أن يعلنها ، باعتبارها من أسرار الصراع و البقاء ، بل من مرتكزات القوة الدفاعية الفاعلة في مثل هذه المناسبات و إن تظاهر بمظهر الرضا
(( قال الكهل:
ـ أهذه أول زيارة لك بعد العمل في الرياض؟
ـ لم أسافر إلا من خمسة أشهر فقط!
ساد الصمت بيننا، فقطعه بصوت مباغت:
ـ هل تعرف هنادي؟
ـ ومن لا يعرفها؟!
ـ إنها تعمل محاسبة في الإدارة البيطرية!
ـ أعرف. ))
و هذا الذي يجب أن يفعله الكاتب مادام الصراع الذي بدأه ينطلق من الذات نفسها، و تتداخل فيه مراتب الأولويات في البحث عن الاستقرار والهدوء و ربما أبعد من ذلك ، البحث عن السكون الذي لا يشوبه فضول الأشياء المتداخلة أيضا ، المنبعثة من داخل الذات أو الوافدة من العالم الخارجي كما هو الحال
كنا في الصف الثالث الثانوي، وكانت مصر تخوض حرب 1967 حينما دخلت عليّ صارخة:
ـ أخي شوقي يريد أن يزوجني من "عبد الفتاح بك"؟
نظرت بفجيعة لها! ))
أهو البحث عن الهوية أم أسباب التحرر ، و ربما التعبير عن الرفض المطلق لتلك المعتقات التي من شأنها أن تحد من تلك الممارسات التي اعتادها الإنسان و أصبح في يوم الأيام مهددا في بقائه فبات يخشى هذا البقاء و تحولت اهتماماته من قوة هجوم إلى قوة دفاع ، ذلكم متعدد من صور ، كما أراد الكاتب أن يصل به إلى القارئ ، و من جهة أخرى قد تتداخل أحيانا مستويات الوعي لدى طبقة واحدة من فئة واحدة حتى ولو كانت العملية مشتركة في معظم عناصر التعبير ، فالثقافة أحيانا لا تصلح أن تكون مقياسا في نقل كل مرتكزات الذات ، ربما قد يحدث العكس ، قد تشوه النوايا و تبعد الأهداف ، ليصبح العمل مفرغا من محتواه ، لا معنى له ،ولا أثر
و تنتهي الفكرة بإلغاء العناصر المشتركة بين الأشخاص أو الأشياء ،باطلة و في حكم واحد
و الخلفية الثانية التي أثراها أكثر في النموذج الثاني لا تبتعد كثيرا عن الهدف الأساس ، نلاحظ اختيار الكاتب للعنوان في حد ذاته يوحي بأكثر من دلالة على أهمية الطرح الذي لا يزال قائما في ظاهر الأشياء (التجربة)وهنا يتراءى لنا جملة من التساؤلات ، هل هو البحث عن الحقيقة ، وإذا كان الأمر كذلك ،أية حقيقة تلك التي يبحث عها هذا البطل هنا أو هناك ؟
الحديث عن السعادة و تجاربها المختلفة ،قد تكون من باب تنوع الحالات المختلفة التي تعيشها النفس و تقف عندها زمنا ، و قد تزول لأتفه الأسباب ن تغيير المكان و الانتقال من محيط إلى آخر يحمل أكثر من دلالة في نظر الكاتب ، الوصول إلى شيء ظل مكتوما في عمق الذات و استبعد لعوامل عديدة ، يكفي أن نفهم قول الراوي أو السارد: (( ما أحلى الأيام الأولى لمجيء "سعيد". خفَّف عني عبء مساعدة والدي في الحقل، فأصبحت الأيام تمر بنا مثل مرور الطيف. أسحب الجاموسة إلى الحقل أحياناً، وأساعده في تحميل نقلة سباخ فينهرني أبي:
ـ ذاكر دروسك أحسن، إنه هو الذي يعمل لا أنت.
ـ سعيد طيب كالأطفال، ووديع كحمل، ذو صوتٍ حانٍ واهن كصوت أمي! ))
و الملفت حتى في اختيار أسماء الأشخاص لم يكن من باب الصدفة و إنما اختيار مقصود يحمل دلالات متطابقة مع الواقع النفسي و إن تغير في بعض المناسبات ، فالكاتب يثير الأشياء التي تجعل القارئ يتأمل و يؤول كما يريد أن يبلغ طبيعة الأشياء في سيرها العادي و الاعتيادي ، حتى لا يشعر بالتناقض و النفور و بالتالي لا يحقق ها الهدف الذي رسمه من البدء مع شخوصه المرسومين بدقة ، و لكي لا تشوه صورهم بانحراف غير مقصود:
((قال لي قبيل المغرب:
ـ أحضر الفأس من كوخي.
طرقت، لم يُجب أحد. دفعت الباب، قالت لي عروسه:
ـ ادخل!
كانت الزنبقة قد ألقت أحمالها، وتفتحت خمائلها، وانتشر عبيرها. غمغمت لحظة، بوغتُّ، هممتُ بالخروج، فقالت:
ـ تعال …!
وربتت علي كتفي، فشعرت بحرارة غريبة تغزو مفاصلي! كدت أقع على الأرض وأنا شغوف باستداراتها وملاستها… ))
و من التجربة إلى السفر تحضر الكاتب معطيات أخرى يعتقد أنها مكملة لأجزاء الصورة المفقودة ، قد لا تتضح حالات الإنسان كاملة وهو يدور في محيط محدود ، و مؤثراتها غير كاملة و لا تمس كل الأبعاد التي تكونت منها الذات على المستوى الداخلي و الخارجي ، يتكشف بها خلفيات أخرى ، لحقيقة المرتكزات التي تحرك هذا الكيان الغامض و البعيد ، و ربما الغائر في متاهات التيه و الضياع و الصراع و ما إلى ذلك من صور الحياة الكثيرة ، قصة (المسافر)
ـ لا إله إلا الله.
فيرد في حماس، وهو يرمق الشفقة في عيون أبنائه وزوجته:
ـ محمد رسول الله.
قبل أن يشهق، وهو يجتاز الممر الطويل المؤدِّي إلى مقعده في الصفوف الأخيرة في الطائرة، قال له المضيف حينما لا حظ لحيته البيضاء .. كأنه قالها مستغرباً:
ـ هل تُدخِّن؟
ـ لا.
وكأن عينيه استفهمت عن مغزى السؤال، فقد ركب الطائرة أكثر من ستين مرة في هذه السنوات العشر. كان يأتي في إجازة رمضان، وفي إجازة عيد الأضحى، ثم الإجازة الصيفية، وأحياناً يأتي في زيارة سريعة تستغرق عدة أيام. )) هي رحلة استكشاف على ما يبدو و لأول مرة في حياة هذا البطل ، إنّه الإنسان الذي لم يخبر الحياة على طبيعتها و ظل قابعا في عالمه البعيد ينتظر قرب الأشياء و لم يفكر في الاقتراب منها غير أنّ لحظة حاسمة لمناسبة قوية تحمله على التفكير في الرحيل أو السفر كما أختار الكاتب ذلك ، لم تكن إلا دعوة حاضرة في التنقيب عن الممرات التي مر منها كل الناس ، لكنه لم يفكر إلا في شيء واحد يختلف فيه عن تفكير الآخرين أن يكتشف ما لم يكتشفه الآخرون أو ما عجزوا عن اكتشافه نو تلك حقيقة موجودة في نفس أي إنسان نمارسها و نعتقدها بالجزم و لا يستطيع أحد التخلص منها فهي من بين أهم محددات الانتماء القار في ذواتنا كما يتضح ذلك في قصة (المسافر)
ـ لأنك ستجلس في مقاعد المدخنين.
أحس بصدمة، فقد قال له طبيبه الذي يُعالجه من السكر:
ـ احذر التدخين.
ـ أنا لا أدخن.
ـ لا يكفي أن تكون غير مدخن!، احذر من مجالسة المدخنين.
أشارت المضيفة ـ في مدخل الطائرة ـ دون أن تتكلم إلى الطريق الذي سيسلكه حتى يصل إلى مقعده في مؤخرة الطائرة، وهو يقول لها ( 65 c).
وصل مكدوداً، ووجد الركاب في مقاعدهم، ولاحظ أن بعض الركاب يدخنون))
إذن هو الاستعداد للسفر على متن مستشف جديد مكوناته مختلفة و أهدافه لن تتضح إلا في النهاية إن كانت هنا نهاية لهذه الرحلة الغريبة ، و ، و إن بدت في ظاهرها أشخاص و أشياء و أمتعة و ألوان و مربعات و .....و حتى الحيوانات
كل الصور التي استحضرها الكاتب في هذا المشهد تداخلت فيها عيوب الرحلة و أشياء لمتكن واضحة منذ بدء الرحلة و تلك الميزة التي تعمدها الكاتب ليعطي للقارئ ما لم يكتشفه ولو بالتجربة المباشرة ، لماذا ؟ لأنّ بعض التفاعلات قد لا تسمح بممارستها في سلسلة واحدة من السلوكات و الاستجابة لكل المثيرات ، طبعا الإنسان نفسه يعد أحد مقوماتها المباشرة ،هل انتهى السفر ؟ ما هي نهايته ؟الاكتشاف أحيانا قد لا يكون إراديا في جملة من الأشياء المتزاحمة ، الالتفاف ، السقوط ، الاحتضار ، النجاة ...كلها صور تزاحمت في لحظة واحدة لاعتبارات مختلفة ترك الكاتب بعضها غامضا للدلالة على أن عملية الاستكشاف عميقة و الفر رحلته طويلة و النهاية أقرب الأشياء من الكل;((..)) وفتح عينيه بعد جهد جهيد ليجد نفسه نائما على سرير أبيض، مغطى بملاءة بيضاء، ومصل الأنبوب المعلق يتصل بوريده، وأولاده جميعا حوله يقولون في فرح حقيقي:
حمداً لله على السلامة. ))ربما هي النهاية السعيدة و النجاة مما يمكن أن يكون حقيقيا و واقعيا و أن الإنسان أحيانا قد لا يقوى على مقاومة الحقيقة و الرحلة لا تتوقف عند حد معين بين كل هذه الأشياء مهما بدت سهولتها أو اقتربت مسافتها ،تلك فلسفة في بعض ما أراد الكاتب الأستاذ الدكتور حسين أن علي أن يرسله في بعض هذه الصور المختلفة من الأفكار و فلسفة الحياة و اهتمام الإنسان بهويته و انتمائه الحقيقي في هذا العالم المركب.
ــــــــــــــــــــ
قصص الأستاذ د. حسين علي محمد أنقرهنا
