«عمرو العامري».. في سرديته الباهرة
«رغبات مؤجلة» في البحث عن أمكنة مفقودة
قراءة : د. علي محمد الرباعي
الرغبات إما أن تتحقق فتفسد، أو تكتب لتفرغ فتموت،أو يميتها الكاتب ليحيا واقعياً مهما تعاظم أنين الرغبة وعلا صيتها،ولربما مات الراغب ولم تمت رغباته،أو تأجلّت عن موعدها ليموت زمنها، إلا أن عمرو العامري استعاض عن الموت بالكتابة وبالعزلة والغناء والصحو وبالمنام "وأخيراً اهتدينا إلى سبيل للمنام" كما جاء في مفتتح النص الأول لمجموعته القصصية "رغبات مؤجلة"ليجعل من النوم مفراً تحتمه المنغصات، فيما يختتم المجموعة بالعزلة أو الاعتزال"أنزلوني أنزلوني ليس هناك في حياتي ما هو جدير بالنشيد" ليسجّل مع قارئه موقفاً صارماً يحفّزه من خلاله على قراءة ما بين السطور لأن القارئ إن لم يسبر أغوار النصوص سيحرّض الكاتب على النوم أو إدارة الظهر ومد الرجل والانصراف لأشياء أخرى.
أخرج من قراءة العامري بغنى التجربة حياتياً وعملياً وإبداعاً فالتكوين الثقافي للقاص بنية تحتية للنص وممارسته للحياة في بساطتها وتعقيدها رصيد هام خلق للكاتب فضاءات محرضة على السرد،محاولاً استجلاء الواقع والتاريخ ومقارنة الأزمنة وتفعيل اليومي والآني مع المستقبلي بما يفتح للقارئ نافذة تأمل للتحولات وبوابة أمل آمنة للتعايش مع الحياة الفردية والمجتمعية.
أشياء "فانتازية"
في قصة "أشياء لا تأتي " تداخل بين أرق السارد وقلق الأشياء من حوله لتطاول أحلامه المشبعة برغبات تستعصي على آلية تحويلها إلى معاش ملموس،أو تطويعها لتغدو حقيقة ماثلة،فتحضر القرية والجدة وألوان من الطعام مع التاريخ والسخرية في مشاهد أقرب للفانتازيا وبعد رحلة مرهقة يغدو النوم المشكلة حلاً في ذات الوقت ومهرباً إن تحقق فنعما هو،وإلا ستظل مراودته منهجية يفرضها الأرق لتغدو الأحلام مغنماً إن توفرت برغم القناعة أن الحلم لا يغني من الواقع بشيء إلا أنها فسحة وما أجدب اللحظات العصيات المولدة للعجز حتى عن حلم عابر.
وبقدرة فائقة ينقلنا القاص من عالم متخيل إلى فضاء محتشد بمعان وجدانية تستعيد صورة الطفل المنبهر بسماعه مفردة "تفاحة" لينتدب لمهة جلب التفاح لأمه الموشكة على الرحيل المر ،من دكان محسن أبو حوزة في لحظات حرجة مؤذنة بفراق، ليعود بزنبيله الملئ بحبات التفاح والشجن ليقرأ في وجه الجدة عتباً غير معلن يردد على مسمعه "فات الأوان " لتحضر مرة أخرى الرغبات المؤجلة،راسمة لوحة التطلع إلى ممكن ميسور إلا أنه يفقد معناه وقيمته حين يأتي بعد فوات الحاجة إليه.
عالم العصافير
وبمهارة التفافية يخرجنا العامري من أجواء متخمة بالحزن إلى عالم العصافير المشع بالبياض والإغراء بالمطاردة وتأمل ألوانها وأحجامها ورصد العدوانية التي تنتابنا في حضرة الجمال والتطاول على براءة العصافير بالرجم والقنص ونصب الشراك والفخاخ واستلهام الشواء والرغبة في الأكل لا عن جوع "حملته بين راحتي كان صغيراً ودافئاً كرغيف" إلا أن بعض العصافير يظل عصياً مهما بذلت له معه من محاولات وقدمت له من مغريات لتفاجأ "بمفارقة" عند تصويب البندقية باتجاهه وتحريك الزناد متمثلة في أن الصائد قتيل وليس قاتلا.
وتكشف لنا قصة" مسمار" عن وضع مأزوم يفرضه تخلي أحدنا عن حريته وآدميته ليتحول إلى جماد تتلبسه حالتا اللاقدرة والعجز ما يوّلد خيبة وسخرية ""فأنا مجرد مسمار لا أكثر سواء كنت مسمار جحا أو أحد مسامير الركب أو حتى مسمار نعش " ما يشي بالتبلد والإذعان للطرق لتوفر القدرة على التحمل" مسمار مشكلته رأسه الصلبه" وللحمولات هنا مرفأ لا يضيق.
فيما تتعاطف قصة " رجال "مع المدهوكين والمتعبين بدء من "ذهبة" زوجة أبو شملة التي طلقها لأنها لا تحسن التعاطي مع الزينة والموضة الحديثة،ليجلد السارد الزوج على فهمه المغلوط للرجولة المبنية على الاستعراض "أنت رجل،ألا يكفي أنك رجل"؟ لتحضر المقابر الأربع المحيطة بالقرية معبّرة عن حالة الجهل المتلبسة كثيراً من أهل القرى الرابطين بين الذكورة والرجولة غير عابئين بما بين المفردتين من بون شاسع مثلما بين الجنس والوصف،ويرتقي مؤشر المقابر إلى خمس بل ست والموت محلّق يبتسم.
شاعرية السرد
ويدخلنا العامري في "فاقداك" إلى سردية شاعرة،أو شاعرية السرد ليستبطن الغيم والشجر والسفر والمطر ويزاوج بين النثر والزجل في ترنيمات محرّضة على البكاء "روحي فضاء مشرع للتنهدات....وانفجرت رئتي بالبكاء".
وعندما ندلف إلى قصة "القمري" تلك القرية الضاربة بإرثها في أعماق القرويين وإن كانت عند الأغلبية معبراً أو ملتقى طرق، لنستذكر مع إبراهيم الكوني "البحث عن المكان الضائع" خصوصاً حين يتميز المكان "بجمال البنات وكثرة المجانين" والربط بين المتلازمين ليس عبثاً إذ كثيراً ما تجنن رجل من جمال، وكثيراً ما تراكم الجمال في حضور من يجن به،ويكفي أن نحتفظ بالتسمية "قمري" لنوقن بقصدية اشتقاق اسم القرية من الطائر الجميل أو الكوكب المضي إنها قرية يمر بها العابرون ليرتووا من مائها النمير وحينها تتلاقى الأفكار والعادات وتتلاقح المشاعر في موضع لا يعرف البعوض بالرغم من اختراق ثلاثة أودية له يقتعد على ضفافها مرددو الأناشيد والشعراء وكتاب الرسائل.
وختاماً إذا كان القارئ عدواً للكاتب فأزعم أن عمرو العامري استل بمهارة عدائيتي ليحولني مرغماً إلى معجب يحتفي بنصوصه القصصية "أشياء لا تأتي،تفاح،القتيل،مسمار،رجال،فاقداك،نجمة،البرواز،الماء،رؤيا،شجرة،القمري ،الصلاة السادسة" داعياً إلى قراءة هذه المجموعة الصادرة في 75صفحة من القطع المتوسط عن دار"تنفيذ" والتمتع بفضاء القرى والمناخات الإنسانية المتعبة.
جريدة عكاظ 23 رمضان 1428هـ
