المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
التشكل السردى فى الليل الرحم لزينب العسال
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
سمير الفيل


التشكل السردى فى الليل الرحم


بقلم : زينب العسال


الليل الرحم، الأيقونة السردية التى أودعها المبدع محمد روميش خبيئته السردية التى حفظتها لأجيال المبدعين، فظل إشعاع هذه الأيقونة يسرى، ويزداد تألقه مع مرور الزمن، برغم صمت النقد عن تناول هذا الأثر الأدبى الذى يعد من أروع ـ رغم أنى ممن لا يفضلون صيغة أفعل كحكم نقدى ـ ما كتب عن الريف بعد يوسف إدريس. الليل الرحم تعد نقلة سردية فى هذا العالم الذى عبر عنه يوسف إدريس بصدق، ولتتواصل معه ـ بعد ذلك ـ أقلام مبدعة كتبت عن القرية وناسها أمثال سليمان فياض و أبو المعاطى أبو النجا وعبد الحكيم قاسم وأحمد الشيخ و يوسف القعيد وسعيد الكفراوى، لا يعنى الاكتفاء بهذه الأسماء الانتقاص من قدر أجيال تالية تناولت عالم الريف، لكننا نقصد من كتب فى تلك الفترة أو عقب صدور الليل الرحم، كما أننا نعنى بالريف هنا ريف الدلتا، أى ريف بحرى، وليس ريف الصعيد.
تثير المجموعة إشكالية التجنيس السردى , فغالبية القصص أقرب إلى الروايات القصيرة من حيث طول القصة، وتعد ـ من ناحية أخرى ـ حلقة قصصية، فثمة وحدة فى المكان قرية تلبانة , إضافة إلى تكرر شخصيات عينها مثل جابر أفندى عمدة القرية، شخصية هانم التى تظهر فى قصة طفلة صغيرة كما فى قصة " كل شيء حقيقة " وهى بطلة قصة الليل الرحم، تكرر التيمة، الرحيل من القرية، فشل كل قصص الحب التى وقعت بين أبطال قصص المجموعة، كما أن الفضاء العام الذى تدور فيه الحكايات ثابت لا يتغير، لكننا ـ فى هذه الدراسة ـ لن ننشغل بهذه القضية، وإنما سنتحدث عن التشكل السردى، أى البناء السردى الذى اتخذه روميش، فهو صاحب بناء سردى يتكرر من قصة لأخرى، إضافة لبعض التغيرات لتى سوف تثبتها الدراسة لاحقاً، وقد تخيرنا ثلاث قصص بعينها هى، " النشيد من الأفق الغربى "، و" الليل الرحم " , و" كل شيء حقيقة "، تتفق القصص الثلاث فى أنها أطول قصص المجموعة، لذا قسمها الكاتب إلى فقرات، الأولى سبع فقرات، كذلك القصة الثانية، أما القصة الثالثة فقد قسمت إلى خمس فقرات، كما ترزح القصص الثلاث تحت جو كابوسى خانق، حيث يكثر فيها القتل والهروب والموت، وإحدى هذه القصص جعل الفنان عنوانها عنواناً عاماً للمجموعة.
أولى قصص المجموعة " النشيد من الأفق الغربى " تتكون ـ كما سبق القول ـ من سبع فقرات سردية تتراوح بين خمسة أسطر إلى سبع صفحات ونصف، تأتى البنية السردية الأولى مع طلة إبراهيم لست أبوها يتأمل ملامحها الجسدية وبخاصة الوجه، لكن هذا التدفق السردى يتعطل عندما يتدخل الكاتب فى لاوعى إبراهيم، ثم يعود السرد إلى استرجاعات قريبة تمثل مشهداً سردياً يقع بين ست أبوها وإبراهيم نكتشف فى نهايتها أنها حلم يقظة، تم ينتقل إلى اللحظة الحاضرة قائلاً : " الواد عواد راح لامك.. ليلة امبارح عشان يخطبك منها.. " ص8.
إن هذا الحكى الذى يحرص على ذكر حكايات داخل القصة الرئيسة، من قبيل الميتاقصة، وهو يقوم بدور الكشف عن تشابك علاقات القوى داخل القرية، كما فى علاقة العمدة بشيخ الغفر وصاحب الوسية.
فى الحركة السردية التالية والتى تمثل حلماً استباقياً يتبنى ما تهفو إليه نفس ست أبوها وإبراهيم، حلم الزواج والعيش فى سعادة، لكن الحلم ينتهى بما يرهص وينذر بالخطر المحدق بالقرية كلها، فعساكر الهجانة القادمون مع الجنود الإنجليز يترصد شباب القرية.
فى الفقرة الثالثة يكثف السرد فيصبح كالطلقة تصيب هدفها مباشرة، حيث تصور حال القرية بعد واقعة ترحيل شبابها، فقد تغير شيء ما.. تبدلت الأغنيات التى يرددها عمال الوسية، صار الغناء" بلدى يا بلدى.. السلطة خدت ولدى.. بلدى يا بلدى، انا بدى أرجع بلدى ".
مع ذلك فقد استمرت الحياة، حيث تتابعت مواسم الزرع والحصاد من جمع القطن، وقطع الحطب، وحرث الأرض، وبذر الحنطة، ويذهب الصيف ويأتى الشتاء.
الفقرة الرابعة وقفة طويلة نسبياً إذا ما قورنت بما مضى من وقائع سردية، لكنها تتوازى فى كونها حديث عما يقوم به إبراهيم فى الشتاء، السرد هنا يقوم بدور الاستمرارية لوجود شخصية إبراهيم برغم رحيله. فحضور الشخصية يتم تبئيره عبر منظور ست أبوها، إضافة إلى رسم بروفيل جسدى ونفسى لأم ست أبوها، وعلاقتها بإبراهيم، صورة صادقة وبسيطة لحياة هؤلاء الكادحين المطحونين والمنسيين، يعتمد السرد على تقنية الحلم داخل الحلم، فلدينا حلم كبير تتكرر رؤيته وهو من الأمور التى تؤرق ست أبوها، فيتوه حلم الزواج والفرح وليلة الدخلة تحت وطأة غياب إبراهيم.
الفقرة الخامسة بداية جديدة، فهى تقول " بعيداً عن سوق الثلاثاء فى المنصورة، وعن سوق الخميس فى السنبلاوين، حتى عن سوق الأربعاء فى طنطا، آخر ما يصل إليه النابهون والرحالة الكبار من رجال قرية تلبانة " ص 15
لدينا هنا نقلة مكانية بعيدة جداً عن وعى الشخصيات، ووعى السارد ذاته، ينتقل إليها السرد، إضافة إلى اخبار المتلقى أن الأحداث السابقة وقعت فى قرية بعينها هى قرية تلبانة.
هذه البداية تجيب عن سؤال تأخر طرحه : أين رحل إبراهيم ؟
" بعيداً عن أرض مصر.. كانت نجمتان تبهتان ببطء فى الجهة الشرقية، وتباشير ضوء كاب تنبعث من بعيد، وانطلق دوى صفارة كئيب، أفزع الرجال النيام أو المهدودة. تحسس كل منهم فأسه ومقطفه، انتزعوا أنفسهم من رقدة أبدية، طوابير يتحلق كل خمسين حول رئيس يوزع عليهم زاد يوم.. وتفرقع السياط فى الهواء وينطلق الرجال إلى الجبل " ص 15.
ينطلق السرد بعد دفقات سردية ممهدة، لتنهمر الجمل السردية الوصفية، أو ما يمكن أن نطلق عليه الوصف الدرامى.. فى مشاهد متلاحقة، لكنها فى الوقت ذاته ملتفة حول نوة سردية واحدة هى رحيل إبراهيم عن قرية تلبانة , تعبيراً عن أن العين الساردة الراصدة عين غريبة غير عارفة أو غير مدركة ما يحيط بها، وهى هنا تتساوى مع المتلقى، فالجبل قد يكون أعلى من النخلة مرة، مرتين.. قل ثلاثة..
اليقين الوحيد الذى يدركه السارد هو أن على هذه الأجسام ألا تضعف أو تلين " رغم أن إبراهيم لم يخرج من قريته، ولم يعرف العالم المحيط به، إلا أنه يطرح على نفسه أسئلة وجودية مؤرقة ظلت مؤجلة، إلى جانب ما طرحه صديقه وابن قريته "صلحى" لماذا يموت الإنسان ؟ لم هذه القسوة ؟ وكيف يلقى صلحى حياً يستقبل ربا ًكريماً فى هذه الجبانة ؟ " ص 18.
يهتم السارد بوصف حياة الأنفار بدقة متناهية، ويقطع هذا الوصف استرجاعات سردية تذكرنا بليل القرية وشتائها وغيط الوسية، كوسيلة للهروب من الواقع الكابوسى الضاغط على إبراهيم ورفاقه. إضافة إلى الهروب من فكرة الموت الماثلة أمام أعينهم.
ثمة وسيلة أخرى وهى الحلم الذى ينقل إبراهيم لأجواء القرية، وكأنه التطواف الأخير لإبراهيم قبل أن يداهمه المرض.
يمثل الهروب وسيلة أخيرة لإبراهيم لتجنب المصير المؤلم، ولكن فشل المحاولة يعجل بوقوع المحظور، ونلحظ أن السرد صار فى اتجاه تصاعدى برغم تلك الوقفات التى اعترضت طريقه، فقد خصص الكاتب هذه الفقرة السردية لتصوير حياة إبراهيم، الذى هو فى نظر جنود الاحتلال مجرد رقم 1917، هكذا يتحول الإنسان إلى مجرد رقم يعاقب لأنه لم يقم بواجبه !.
الفقرة السادسة هى أقصر الفقرات، وظيفتها الوصل بين ما فات، وبين الآتى من السرد، بهذه الوقفة أو الفاصلة ينقسم السرد إلى سرد يهتم بست أبوها وسرد يبئر لإبراهيم ورفاقه فى الغربة، هنا يعود السرد إلى قرية تلبانة يرصد تحركات أهلها وبهائمها، حواريها وغيطانها وطيورها، ثم يركز على ست أبوها التى يبدو على هيئتها أنها أدركتها الشيخوخة.
فى مطلع الفقرة السابعة والأخيرة من القصة تكون البداية وصفية بحتة، تصف أشعة الشمس ونورها، وكأننا أمام نفس المشهد الأول من القصة.
يطلق السارد على ست أبوها لقب "خالتى الست" فنعرف أنه قد مرت سنوات وسنوات، يفشل السارد فى تحديدها بالدقة شأن أهل الريف حينذاك، " كل يوم مثل أخيه " " نحن لا نعد بالأرقام "، يعقب ذلك حوار هو أطول حوار داخل القصة، يدور بين ست أبوها وعواد صديق إبراهيم، يبدو من الحوار أنه نوع من الفضفضة المقصودة والموظفة، فهو يخبرنا بالمسكوت عنه عبر الفقرات السردية السابقة. ويتغير صوت السارد من صوت غير العليم إلى صوت مشارك فى الأحداث فيكون السارد هو عواد، ومن حياة عواد التى يرصدها السارد العليم إلى عواد نفسه الذى يتحدث عن ست أبوها وإبراهيم والأم والأيام الخوالى، لا نلمح أى تغير فى حياة ست أبوها، بعد رحيل إبراهيم، ألفت العيش لوحدها فى الدار بعد وفاة أمها، كعادتها تخرج على الغيط كل يوم بذات الهمة والنشاط " ويستدل السارد العليم بعدة تعليقات من قبيل " الضلمة موتت قلبها، الضلمة وحشة يا ناس، الضلمة عملتها راجل، فيه واحدة زيها كانت تشتغل الشغل ده كله.. " ص 27.
يتبع ذلك تتبع المراحل التى تظهر أثر الشيخوخة على ست أبوها، نشعر أن الكاتب أخذ الطريق السهل، فقد خلت الفقرة من أى حدث سردى، وهى بذلك تهيئ الكاتب لاقتراب النهاية، نقصد نهاية القصة ونهاية حياة البطلة، فست أبوها لا هم لها إلا أن تكمل بقروشها القليلة الجنيه الذى يكفل لها الستر فى موتها، ينهى الكاتب القصة، وقد رفعت ست أبوها كفيها تبتهل وتدعو لاستقبال شهر رمضان، بهذه النهاية يكون السرد قد أكمل دورة مفترضة بدأت مع خطوط الشمس الحارقة وانتهى بظهور البدر " هكذا غلب الوصف على الأحداث السردية التى تناثرت داخل بنية القصة، كأن النواة السردية هى الأم التى تولدت منها أحداث أخرى، هى رحيل إبراهيم ورفاقه للعمل فى السخرة فى بلاد الشام.
لماذا الليل الرحم ؟
تعمدنا تأخير الحديث عن عنوان المجموعة، إلى الحديث عن القصة ذاتها. بين الليل والرحم صلة، هى الظلمة والعتمة، وبين الليل والرحم دلالة أخرى فمن الليل يولد النهار ومن الرجم يولد الجنين، والمولودان يدلان على تجدد الحياة واستمراريتها، والرحم كدلالة معجمية، موضع تكوين الجنين ووعاؤه فى بطن الأم، وهو يدل على صلة القربى وأسبابها، والرحم جزء من الجهاز التناسلى للمرأة، وأحد دلائل على وظيفة الأنثى وهى الولادة والتناسل، عبر الكاتب عن الكل بالجزء، عن وجود المرأة الفاعل، وهى المحركة والحافزة لوجود تلك البنى السردية التى تعتمد عليها القصة، فبها تبدأ وبمصيرها تنتهى القصة.
والليل دلالة على الستر فيقولون الليل ستار، والمرأة هى المعنية بهذا الستر والخفاء، وقد يعنى بالرحم القرية/ الأرض كمكان ومستقر لأهلها الأحياء، ثم يدفنون فى ترابها أمواتاً، وقد عبر السارد عن ذلك فى غير موضع، فحركة السرد تحكمها ثنائية الليل والنهار، الشمس والقمر، فحياة أهل القرية، والقصص أيضاً تتولد فى النهار، وتمتد حكاياتها فى الليل حيث أمسيات السمر والحكى والغناء والقتل والتربص إلخ.
تبدأ القصة بوصف واقعى يستعين بالبلاغة ـ التشبيه ـ " الأظلاف الستة عشر تضغط وجه الأرض فى قبلات متلاحقة ثقيلة " ص 53 هكذا يلتقى المحراث بوجه الأرض فى بداية يوم من العمل الشاق بدأه عم الوهيدى.
يستمر الوصف الذى يقوم بوظيفة استرجاعية، لا تعرقل مسيرة السرد، ولكنها تعمقه، وكأنها حفريات سردية محفزة على استمرار السرد نحو الأمام، فالإيقاع السردى لا يتراجع أو يتوقف، الاسترجاعات تقدم صراعاً بين الإنسان والطبيعة، صراعاً حاول فيه التغلب على قسوة الحياة والسعى للرزق وتحمل شظف العيش، وقهر ملاًك الأرض أصحاب الوسية، وهنا تظهر شخصيات جديدة سوف يلتقط السرد أخبارهم، ويروى تفننهم فى قهر الفلاحين، وجشعهم، إنهم السوالمة الغرباء، يمثلون طبقة أخرى تقف بالمرصاد لأى خروج على هذا الوضع، ويتصاعد الصراع إلى حد القتل.
إذا كان استصلاح أرض الهيشة ينتسب إلى الماضى فلا يتذكره أحد الآن، فإن أطماع عم الوهيدى لا تنتهى إلا بضم أرض السيد أبو دراع، يقتل السيد أبو دراع على يد ابنى عم الوهيدى، فتح الله وعبد الشاطر، وتستقبل القرية الخبر بنوع من الفتور، من يقتل يقتل ولو بعد حين، فالسيد أبو دراع رجل الليل لابد أن تكون ميتته هكذا " كأن فأساً قد هوت على رأسه وانبثقت نافورة دقيقة من دم أحمر "
تنفرد النقلة الثانية بالحديث عن مشاعر فتح الله، وتكثر أحاديث القرية، وتروى الحكايات وتستعاد حكايات مشابهة، ويبقى السؤال : من قتل أبو دراع ؟، ويكون من المناسب تقديم صورة لليل القرية وناسها والدور والحوارى والكلاب والذئاب والعفاريت، والنوم الذى يلف كل شيء " الرجال والنسوان والعيال فى سابع نومه، على المصاطب، على قباب الأفران، على الحصير، على قش لأرز، المهم أن عيونهم أغلقها النوم، واستسلمت أجسامهم للراحة " ص 56. برغم ذلك فثمة حياة خلف جسر المصرف، حيث انحدرت عصبة من الرجال ببنادقهم الميزر المعلقة على أكتافهم، هم ينتمون لعالم آخر، عالم لا يعيش إلا فى الليل ولا يتحرك إلا فى الليل، إنهم أبطال عالم الجريمة، لهم حياتهم، وتعميرة الحشيش، والجوزة النحاس، أولاد ليل لا يعرفون الخوف، إلا أن قلوبهم تدق خوفاً من المطاردة.
لكن ما علاقة هذا المشهد الطويل بما حدث لفتح الله ؟
هذا ما تجيب عنه السطور التالية من الفقرة السردية، حيث يعد وجود فتح الله بينهم وجود رجل غريب بينهم، يجدها السارد فرصة للإدلاء بمعلومات عن أبودراع، فيتحول السارد من سارد محايد يرصد الأحداث إلى سارد مشارك متعاطف مع هؤلاء الرجال الذين يصفهم بأنهم أحفاد أبو زيد الهلالى سلامة , الزير سالم، هم كائنات خرافية، تختلف كل الاختلاف عن الفلاحين الذين ينامون من المغرب.
يبدو أن أبو دراع هو الشخصية التى تبئر لها الفقرة، فالسرد يستحضر صوته وحركاته، حتى تكتمل صورة وملامح شخصية الرجل أمام المتلقى، " الضحكة أطلقها أبو دراع مجلجلة، ويطلق كلماته بلا خوف أو لجلجة، حلال ولا حرام يا عم الوهيدى لا تؤاخذنى، أنت راجل كوالدى، يعنى عيلة السوالم، لا مؤاخذة كانت الأرض أرض أبوهم، أنا سمعت وأنت أدرى أنهم ناس أغراب عن البلد. هذا الرجل الذى تحول من تابع يعمل عند جابر أفندى أبو سالم، إلى واحد من أبناء الليل.
يستخدم الكاتب تقنية المونتاج السينمائى، ويعمد إلى عمل كلوزات قريبة للشخصية يتم فيها تكبير الملامح وظهور كافة التفاصيل، ومع نهاية الفقرة تنسحب الشخصية، لتفسح المجال لشخصيات أخرى هما هانم وحامد، وتنتهى الفقرة بحيرة فتح الله الممثلة فى : من الذى قتل السيد أبو دراع ؟
بداية من الفقرة التالية ستحتل هانم المشهد السردى حتى نهاية القصة، هانم ابنة السبخاوى تعمل كما يعمل كل أفراد أسرتها، فى سراى جابر أفندى عمدة البلد.
ثمة رؤيتان متضاربتن: الأولى تروى بلسان هانم، والأخرى تروى بلسان والدها السبخاوى. وهذا التضارب يبعد النمطية عن الشخصية ويجعلها متحررة من الأحكام المسبقة، أو التوقع، يجتهد السارد فى سبر أغوار الشخصيات، وبخاصة هانم وفتح الله.
" منذ عرفته وهى تسير على حبل.. تخفى عنه حياة أبيها وأمها وأخواتها.. من أجل ماذا ؟ هو لا يستحق، ولد مفعوص ولا خير فيه، يسرق من أبيه، من لا خير فيه لا خير فيه للناس ". السارد هنا سارد عليم، يعرف ما لا يعرفه فتح الله نفسه، فيلقى لنا بمفاجأة يأتى دويها كالقنبلة، فالوهيدى نفسه قاتل، نعم فقد قتل صاحبه من أجل سمكة " ص 62.
كما أن السرد يستبطن مشاعر هانم تجاه والدها السبخاوى، وسرقات البهائم، وإشفاقها على إخوتها المصابين بداء القراع. ثم ينتقل السارد العليم إلى خارج البيت فيقدم صورة لقضاء وقت الفراغ وكيف يقضيه أولاد القرية، نحس مدى التعاسة التى يعيش فيها هؤلاء الأولاد الذين يتبارون فى أكل الصابون، وكسر أعواد القصب بيد واحدة، وشرب الجاز ! بينما تتأهب النسوان إلى الخروج من منازلهن لقضاء حاجاتهن فى الخلاء، هذا المشهد الفريد فى مغزاه ودلالاته، كان مسكوتاً عنه ـ إن جاز لنا القول ـ هذا المشهد قام روميش بتقطيعه وتوزيعه على هذه الفقرة السردية، بدأ المشهد هكذا.. " بعد الطبخ، والأكل وتنويم العيال، تتنادى جارات الحارة، وكل جماعة تأخذ طريقها ـ مارة بمصطبة دكان الشيخ سعيد ـ إلى التل، تفك تكة السروال والجلسات متقاربة ـ الأسرار هى الأخرى حمل ثقيل ـ ثم يسكت السرد عند هذا الحد لينتقل مع فتح الله، يسجل ما دار بينه وبين خالته، لتتأكد علاقة هانم بفتح الله نواة سردية تتحلق حولها بنيات سردية صغرى.
تأتى الفقرة الخامسة لتمثل نتوءاً فى السرد، حيث يدور الحديث عن أسرة جابر أفندى سويلم، يظهر لنا ـ جلياً ـ مدى فساد هذه الأسرة، ينتصر السرد بذلك لوجهة نظر هانم والسيد أبو دراع، تكتمل دائرة تورط رجال هذه الأسرة فى علاقة محرمة مع الفلاحات، فبعد يتورط رشاد بن جابر أفندى فى علاقة آثمة مع زوجة فهيم بن زينة، وافتضاح أمره، واختفاء فهيم بن زينة بعد ذلك، هاهى الحاجة جواهر زوجة جابر أفندى تشكو من تصرفات زوجها، وتنصب كمينا ًله، لكنها تفشل فى ضبطه متلبساً بالجرم، ولا تدع الفرصة تمر دون أن تلقن من ضبطتها درساً لن تنساه، ونكتشف أن المرأة ما هى إلا هانم السبخاوى بذاتها، فتنال حظها من الضرب والتجريس، وهنا ينغلق المشهد على هذه المفاجأة.
ونتوقع أن تفرد الفقرة السابعة بتناول هذا الحدث، ففضيحة هانم باتت على كل لسان، توحد الجميع على هذا الخبر، كما وحدتهم نقاط الدم المختلطة ببول كل أبناء القرية، وتكون النقلة السردية التالية هى استكناه مشاعر فتح الله، وكيف يواجه هانم ؟ ماذا سيفعل ؟ لكن ثمة حدث أخطر جعل كل الأبصار شاخصة لا تدرى ماذا تفعل ؟ هو المصير الذى يوحدهم، إنها الشوطة / الكوليرا، يتخلى السارد عن مشكلة فتح الله وهانم، ليقدم لنا مشاهد مؤلمة لهذا المرض الذى ينعش الأجساد الهزيلة ويزهق أرواحها.
يبدأ السرد بوصف أعراض المرض " يبدأ بصداع فى الرأس، همود فى الركبتين، تهدل فى الجسد كله، إسهال، قيء، بعد ثلاثة أيام ماتت الأم، ماتت نرجس زوجة السبخاوى " هكذا بدأت الدائرة الجهنمية تحاصر الجميع لا تفرق بين كبير وصغير رجل أو طفل أو امرأة " فتحت المقابر أفواهها، كل يوم موت ودفن وجنازات.. الدفن لا يتوقف فى كل بيت مريض أو ميت أو مرعوب ! " ص 70
هل المرض كتب على هؤلاء الفقراء والمكدودين وحدهم ؟ لماذا لم يهاجم المرض عيلة السوالم ؟ لقد تحصن السوالمة، وأقاموا معسكراً وقائياً حول سراياهم ومنازلهم، لا يدخل أحد إلى بيوتهم ولا يخالطوا الفلاحين، أهالى البلدة وحدهم يواجهون غضب الله عليهم! يتصاعد اللحن الجنائزى، ويصل إلى الذروة مع تناقل الأخبار بأن هانم أصابتها الشوطة، فكان على فتح الله ان يتردد عليها، هاهو الموت يخطف عبد الشاطر الأخ الأكبر لفتح الله، ويحوم حول هانم، " جال فتح الله بنظره فى دار السبخاوى، الأتربة وطبقة الهباب السميكة المعلقة على السقف، برج الحمام المهجور، زكمته رائحة الرطوبة والعتمة وزبل الأرانب فى حجر داخل المصطبة، فوق حصيرة باهتة، هانم متكورة تعانى من آثار المرض وسكرات الموت.
تنتهى الفقرة، والقصة نفسها، بهذه المرثية التى تصاحب انسحاب هانم من الحياة واستسلامها للموت بين يدى فتح الله، ويصف السارد تلك اللحظات بأنها " حياة تموت وموت يحيا " ص 74
فى غنائية عزيزة لا نصادفها إلا فى هذه القصة، ماتت هانم، بينما فتح الله يهيم على وجهه، ويقرر هجر حياة القرية لينضم إلى رجال الليل " أنا ههج يا خالة، وأنتم يا رجال الليل، قادم إليكم، لم أقتل السيد أبو دراع، صدقونى رددوا، مدوا إيديكم، عيناى توشك ألا ترى موضع قدمى. رصاصة واحدة تضيء الطريق " ص 75
هكذا ينهى محمد روميش قصة الليل.. الرحم بتلك النهاية المفتوحة على عدة تأويلات، هل مات فتح الله ؟ من أطلق عليه الرصاص ؟ أم تمنى هو أن يطلق الرصاص على هذا الواقع المرير ؟ النهاية هنا تتفق مع كافة نهايات قصص المجموعة التى تنتهى بتلك النهاية المفتوحة على كل الاحتمالات، وعلى المتلقى أن يتخير نهاية بعينها يجدها مناسبة للأحداث ووقائع القصة.
أما القصة الثالثة التى تتناولها هذه الدراسة فهى قصة " كل شيء حقيقة "، القصة هى الأخرى تتكون من خمس حركات سردية، تبدأ بوصف مشهدى يصف فيه السارد مشهد حلب جاموسة، هذا المشهد الواقعى مشحون بدلالات حسية مرتبطة بنجية المرأة التى تقوم بعملية حلب الجاموسة، فيصف السارد مشاعرها " ضغط الطاجن بجداره المواجه لصدرها، حلمتى نهديها. أحست الدفء الخفيف فى جدار الطاجن، سرت رعشة لم تحسها فى بدنها كله، وتركزت ململة فى رحمها.. لم تدر نجية لماذا اجتاحتها هذه المشاعر، لكن المشهد التالى يبرر اجتياح تلك المشاعر، ظهور حسان أمامها فى الزريبة أثار تلك المشاعر، فتتذكر زوجها صالح الذى خرج يسرح بالبهائم ولم يرجع، هنا تظهر الشخصية الرئيسة فى هذه القصة، فهو البديل للزوج، من هو حسان ؟ ومن أين أتى ؟
كل هذه الأسئلة تجيب عليها الفقرة الثانية، فنعرف أن حسان رجل جاء هارباً من الصعيد، وهو شخصية صارمة، قاسى القلب، يرى أن لا فرق بين من يقتل مرة ومن يقتل ألف مرة ! يقال عنه إنه قاتل والدته، وهناك من يقول إنه قتل زوجته الخائنة، أو هو مجرد حرامى من الأشقياء، ضبط بسرقة بقرة، وحينما ضبطه صاحب البيت قتله وفر هارباً، و يحيى الأفراح بغناء المواويل، يعمل عند جابر أفندى، يستخدم روميش تعدد الأصوات فى سرد واقعة واحدة، كل الروايات تصف حسان بالقسوة والعنف. قدم شخصية حسان كل من نجية وجابر أفندى و زوجته.
فى الفقرة التالية ينتقل السرد من دار شيخ البلد جابر أفندى إلى بيت نجية، فعند دخولها الدار تفقدت حيواناتها وطيورها ومشنة العيش، واطمأنت على ابنتها هانم التى تعشت برغيفين وقطعة جبن قريش، بعد ذلك تستعد نجية للذهاب للفرح، فترتدى فستانها الكستور المشجر الذى لبسته أول مرة عندما زفت فيه إلى صالح، وتزينت بوضع الكحل، ومسحت وجنتيها بورق التفتاه، هنا تستعيد نجية ملامح زوجها صالح وتكوينه الجسدى ولون بشرته وشعره المجعد الخشن، شخيره العالى، حتى الشقوق الموجودة فى كعب رجليه تجدها مغموسة فى الطين، وهنا نستحضر مقولة يحيى حقى حينما وصف الحياة كما صورها روميش فى مجموعته بأن الطين تزوج بالطين "، فالطين تآلف مع الجسد الحى، أخذ منه وأعطاه ". يعلق الكاتب مرتين فى الفقرة السردية، فيردد عبارة " حقيقى بلا رمز أو دلالة " مرتين، الأولى عندما يصف وقع شخير صالح فى أذن نجية كل ذلك يعد تمهيداً للمشهد التالى، ويمثل محاولة حسان إقامة علاقة جسدية مع نجية، التى تدافع بكل ما أوتيت من قوة عن جسدها، فهى ترفض تلك العلاقة العابرة، التى ينفرد الرجل بتحديد مكانها وزمانها " تصدى جسدها بأدواته، جسد لا يثق فى قدراته الذاتية، لكنه بدنيا مصمم دائماً على أن يحمى نفسه " ص88.
فى الفقرة الرابعة يعود المشهد السردى الأول حيث تحلب نجية الجاموسة الكديش، لكن ثمة تغيراً حدث، فهاهو حسان يرقب نجية وهى تحلب الجاموسة، وفد أصبح خبيراً فى الروائح المنبعثة من الزريبة، ولديه القدرة على تحديد مصدر تلك الروائح، وهو يهرش جلد الجاموسة دلالة لاستئناسه المكان وقاطنيه، وها هى ناجية لا تشعر بتلك المشاعر الأولى، بل تنم ملامح وجهها عن الارتياح.وهى تشعر بالشفقة على حسان، ولا تدرى لماذا فعلت ما فعلت ولم ؟
هذا التغيير يتوج بطلب حسان الزواج من نجية، التى تستعد لهذه المناسبة، فتفكر فى تغيير بعض الأشياء، مثل نقل الخروف إلى زريبة جابر أفندى، وإبعاد الأرانب عن الحجرة، وتقوم بتسخين حلة المكرونة، ودكر البط للعشاء.
الفقرة الخامسة والأخيرة تحمل للمتلقى عدة مفاجآت أولاها، أن حسان لم يظهر عليه الفرح والسعادة لزواجه، وثانياً لم يعقد مأذون القرية عقد القران بين حسان ونجية لأنه لا توجد قسيمة طلاق بين صالح ونجية، ثالثاً يرحل حسان بعيداً عن القرية، لا ندرى إلى أين رحل حسان ؟ ولماذا ؟ هل عاد إلى الصعيد ؟ وهل هذا القرار جاء كرد فعل لزواج لم يتحمس له ؟ أم الرحيل ليأخذ بثأره ؟ هكذا يتركنا النص ونحن فى حيرة من أمرنا، ولكن هذه إحدى تقنيات السرد فى مجموعة " الليل.. الرحم "، هذا هو قدر هؤلاء الفقراء الذين يعانون الظلم والقهر ولا سبيل إلى تغيير هذا الواقع إلا بالهروب والابتعاد عن القرية.
لا يمكن الانتهاء من الحديث عن البنى السردية فى قصص الليل الرحم دون الحديث عن مقدرة الكاتب الرائعة فى استثمار الفضاء كحافز لتنوع البنى السردية المرتبطة به، فالفضاء الذى تدور فيه الأحداث يمثل رقعة صغيرة غالباً ما تكون هى القرية، لكن الكاتب دائماً ما يحيل هذا الفضاء الضيق فى مساحته إلى اتساع من شأنه تعميق شبكة العلاقات بين شخصياته، وفى أحيان يتسع هذا الفضاء النصى بتلك الاسترجاعات التى تتم فى أماكن مختلفة تتم فى مدن أخرى بعيدة قد تكون داخل مصر أو خارجها، إذا ارتكز الكاتب على فضاء القرية وهو فضاء يبدو فقيراً، لا أن الكاتب يقسم هذا الفضاء إلى عدة فضاءات داخلية وخارجية، صباحية ومسائية، نسائية وذكورية، فهناك الغيطان، والمصاطب والسطح، والزرايب، والحوارى، والبيوت، والسرايات، والأسوار، والأرض الهيش، والترع، والساقية، والمنحنيات، والمنادر، والتلال، والقبور إلخ.
هذا الفضاء يعيش بذاكرة الشخصيات التى تحمل فى ذاكرتها تاريخ الأرض والقرية، وهو يطبع الشخصيات بطابعه، وفيه تتحدد مصائر الأبطال، وتتحول، وقد تتحول الشخصيات، فحسان ابن الصعيد يتغير سلوكه تجاه القرية وناسها بعد فترة من نزوحه من الصعيد، وتتغير مشاعر نجية إزاء حسان بعد خروجه من الزريبة، وكذلك عندما خرجت من بيت المأذون. ويشكل المكان ـ الأرض تحديداً ـ أهم مقومات الهيمنة والسيطرة، فمن يملك الأرض يتحكم فى مصير من يعيش عليها كما هو الحال بالنسبة لجابر أفندى، وعم الوهيدى، ورجب بطل قصة " طرح المجد "، وهو فضاء الوحشة والرفض والطرد والجريمة.
الليل الرحم.. مجموعة تنتمى إلى الأدب الواقعى، الذى لا يخلو ـ أبدا ً ـ من رومانسية حيث لم يتخل الكاتب مطلقاً عن ذلك الخيال المعجون بالعواطف المتأججة. لا يمكننا إلا أن نوافق يحيى حقى حينما وصف كتابة روميش بأنها " كتابة حواسية، أى أن الحواس تلعب الدور الأكبر فيها، فنحن نرى كل الأشياء تتحرك حولنا نشمها ونلمسها، ونحس بملمسها الخشن والناعم، نرى الشقوق الأرض وشقوق الجلد، والتقيح فى جلود البشر والحيوانات ! ونرى نور الشمس، وخيوط أشعتها اللاهبة لظهور الفلاحين فى الغيط، ونشم النسائم مع قعدات النساء فوق أسطح منازلهن، ونشم دخان السجائر والجوزة، ونسمع أوامر ناظر الوسية، وريس الأنفار، والجنود الإنجليز، وخوار البقر والجاموس، ومأمأة الماعز، ونهيق حمير القرية، ونسمع خرير الماء عند وصوله للقنايات، وصياحات المرضى، وضحكات النسوة والصبايا، وبكاء ست أبوها على حبيبها إبراهيم إلخ، كل ذلك يؤكد أن محمد روميش قدم تجربة فنية غير مسبوقة ـ فى ظننا ـ من حيث التزامها منهج الصدق الفنى فى استكناه هذا العالم، فبدت بنياته السردية، وصوره المأخوذة من تراب الأرض القرية، صادقة، وذات تأثير فى نفس المتلقى.



* من أبحاث المؤتمر الأول للقصة القصيرة . نادي القصة بالقاهرة . يونيو 2007




سمير الفيل


حصلت الأستاذة زينب العسال

صاحبة هذا المقال النقدي

على درجة الدكتوراة منذ أسابيع قليلة..

في موضوع

" النقد النسوي " .. فألف مبروك للزميلة الكريمة ،

وبالتوفيق دائما في المجال الثقافي الذي تثيره دائما بمشاركاتها..



السعيد موفقي
الأستاذ سمير الفيل
دراسة ممتعة تستحق التأمل شكرا يا أستاذ سمير. و هنيئا للدكتورة على الشهادة.
سمير الفيل
(السعيد موفقي @ 30-07-2007, 01:46 pm) *
الأستاذ سمير الفيل
دراسة ممتعة تستحق التأمل شكرا يا أستاذ سمير. و هنيئا للدكتورة على الشهادة.


السعيد موفقي

شكرا للمرور

خليل الجيزاوي
wub.gif شكرا للعزيز سمير الفيل على بث هذه الدراسة النقدية الجيدة
وألف مبروك للزميلة د. زينب العسال عضو مجلس إدارة نادى القصة بالقاهرة
فقد انتقلت مع بداية هذا الأسبوع مدير قصر ثقافة الطفل بجاردن سيتى بالقاهرة بعد أن تقلدت لفترة قصيرة منصب مدير إدارة النشر بهيئة قصور الثقافة، هذا وقد تولى مدير إدارة النشر الصديق جمال العسكري، وألف مبروك للجميع!
مودتى بلا حدود
.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.