المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
دلالة الموت و حكمة الحياة في ( اختفاء قدوسة ) للقا
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
سمير الفيل
دلالة الموت و حكمة الحياة في ( اختفاء قدوسة ) للقاص السعودي حسن الشيخ.

رؤية نقدية بقلم : سمير الفيل ..

وريث شرعي للأسطورة :

يقودنا حسن الشيخ في مجموعته القصصية الجديدة اختفاء قدوسة الى بحث مطمئن عن الروح الانسانية عبر انعكاسات الافعال وردودها لتدرك من جديد أن تلك الروح يصعب القبض عليها و الإمساك بها .
قدوسة بنت ابراهيم هي الحاضرة الغائبة ، و حادث الاختفاء هو غياب حاد للمعنى و لأن التجربة الذاتية هي أساس المعرفة ، و هي الشرط الذي لا يمكن تجاوزه لأي معرفة ، فإن عملية البحث بتلك الصورة هي أقرب إلى اصطناع طرائق عملية للتفتيش عن ( الأنا ) وسط الجمعي و عن النغمة المفردة داخل هارموني منسجم .
و مثلما يفعل ( بورخيس ) في روائعه القصصية حين يحول الأساطير إلى دراما حياتية ، يعالج حسن الشيخ نصوصه ربما برمزية أكثر و الفارق أن كاتبنا الشاب الذي عاش في واحة الأحساء و اطل على صحراء حقيقية هو وريث شرعي لألف ليلة و ليلة بكل خوارقها و وقائعها ، لقد تعجب القارئ الغربي حين صعدت بطلة ماركيز إلى الفضاء و تحررت من أسر الواقع في غرائبه بديعة أطلق عليها ( الواقعية السحرية ) لكن قدوسة العربية تختفي مجازا فهي تبصر قصاصي الأثر و تختبئ في الأوهام أو اللغة .
كم كان رولان بارت دقيقا حين عبر عن كسر حاجز الفن السائد بقوله ( لنتخيل فردا السيد تحت مقلوبا ـ يحطم في ذاته الحواجز و الطبقات و الاستثناءات لا دمجا و توفيقا و إنما تخلصا ببساطة من شبح قديم ، التناقص المنطقي ) .
تفرق الصحراء رغم بساطتها في مثل هذا التناقض، و كان حريا بالكاتب أن يمضي في البحث عن مغزى ضياع قدوسة ؟ و هو يتساءل مع الرجال : أين اختفت ؟ و من أخفاها ؟ من يعيش امتداد الصحراء يدرك انبساطها الظاهري قادر رغم كل شيء على إضمار المعنى و إخفاء الجسد .. عن الدروب الصحراوية متشعبة بظلامها المخيف لكنها في ذات الوقت صريحة في النطق بتمردها المطلق على كل قيد .
لم تكن الفتاة تنوي الهرب أو الاختفاء ، هذا ما قال به أبو داحم و صرح به للوجوه الواجهة حوله ، فانا تجاوزنا تلك التفصيلة لاستوقفنا على الفور الكيفية التي يعبر بها أهل القبيلة عن ظنونهم . إنها مدارات هلامية عن التساؤلات التي تخفي أكثر مما تبين ، و يظل أنينها الضاج بين الأودية المقفرة يحمل دلالات القهر الذي توارثته القبيلة أبا عن جد .
و نعود إلى أسطورة ( قدوسة ) أو بالأحرى أسطورة حسن الشيخ التي يعيد صياغتها على مهل .. نتأمل وجه الفتاة الصبوح فقد كانت ( تبدو عشبة ندية هائمة فوق رمال الصحراء المسكونةبالشبق) هذا تحديد لبطلة القصة و لأن الشخصية تقع في المنطقة المحرمة بين الواقع و الفانتازيا .. فإن التعامل معها يبدو صعبا ، فترة هي ابنة الصحراء الخشنة ة تارة أخرى هي وليدة الفجر الندي و طراوة الصباح . هذه المراوحة التي نلمسها في كل سطر من القصة ( اختفاء قدوسة بنت ابراهيم ) تعيدنا إلى مناطق الدهشة حيث تتحول البنت من فتاة واقعية من لحم و دم إلى صورة شبحية منحتها المخيلة لنا .

الأسطورة و فك الشفرة :

هل هو نشيد العجز ما تترنم به به شخصيات حسن الشيخ ؟ إن بطلته المحورية التي تلقي بضلالها على الصفحات ـ كلها ـ تومئ إلى هذا التخريج المأساوي ، فعلى حافة الصحراء ترقد قدوسة عاريه نازفه تئن من الألم و الهوان : و لمة حقيقية لم يعرفها بورخيس أو ماركيز أو سرفانتس و هي أن الصحراء لا تعرف الفسق و قانون القبيلة هو تطهير دنسها .
عدم المعرفة هنا لا تعني الامتناع ، بل التشدد و أحكام القبضة و اللغة المجازية التي يوظفها حسن الشيخ في نصوصه تميل إلى ضرب النظام المحكم ، بإعطاء أكثر من صيغة احتمالية للجملة بل للمفردة و حسب ( دي سوسير ) فإن اللغة بنظامها المركب الدقيق ليست سوى مظهر واضح للعلاقات في حضن الحياة الاجتماعية . هذا ما يعيه الكاتب حين يفوضه النص لأحداث نوع من التعمية لصالح تعدد المعنى . و المقصود بالتعمية هنا نظام التشفير ، و طرق تكوين الشفرات الرامزة و من اللائق أن نذكر في هذا المجال أن ناقدي الأدب قد تبينوا منذ فترة ( أن المشكلة الأساسية في اللغة الأدبية أن الكاتب يعمد إلى مادة مبذولة في الحياة مستهلة و مستخدمة لوضائف الاتصال اليومي ليقيم من داخلها نظاما فنيا جديدا . يعتمد شفرة موضوعية و جمالية و تقنية مخالفة لشفرة اللغة و الثقافة المألوفة ) .
و الشفرة التي يعتمدها الكاتب هنا تنهض على معرفة تامة بالطقس اليومي للصحراء و بأمزجة سكانها و بتقاليد القبيلة . إنه واحد منهم قد يختلف معهم و قد يتفق و في كلا الحالتين هو غير منفصل عن واقع المكان و مفرداته .
و لم يكن ضياع قدوسة سهلا أو هينا ، ففطومة تعترف أنها أولدتها من فخد شجرة البلوط الوحيدة في الصحراء ، و لأن البلوط ليس ابن الصحراء مطلقا ، كما نعرف جميعا ، فقدوسة هي غرائبية حتى في ( الهوية ) و ( شهادة الميلاد ) ، و فك هذه الشفرة تتطلب اقترابا من مفهوم الأسطورة لدى الكاتب إنه يقوم بعملية إحلال و تحديث لمفرداتها و هو ينصت لصوت القابلة : الا تخلصون قدوسة من أسرها ؟ و المعنى هنا ينصرف إلى ذهاب الفتاة كان قسرا و في كل الأحوال فالذهاب يعني الموت .
العطش هنا رمز للجدب و الحرمان و لحظات الصمت القلقة و محمد في وجوده الدال يوازي اختفاء قدوسة . هي تمردت بالغياب و هو اعترض بالصمت . أصبح جهد الكاتب أن تتماس شفرته مع أحداث القصة دون أن تقع في المحكاة الفوتوغرافية للواقع .
و قد يكون مأخذي الأساسي على نصوص حسن الشيخ أنها تعلى من قيمة الرمز ، دون أن تطمح لعقد مزاوجة مرهفة بين العناصر الواقعية في أعماله و بين الأبعاد الأسطورية ، لذلك تكون قصصه ذات النزوع الواقعي هي الأقرب إلى نفسي ، و أنه في هذا الشأن اقتدى بما قاله ( جيرد براند ) بأن ( العالم هو أرضنا أو تربتنا الأخيرة و من ثم فهو كذلك التربة التي تنمو فيها الحقيقة ، فيبقى علينا أن نحدد حقيقته و نعبر عنها تعبيرا مفصلا ) .

حكمة الموت .. حكمة الحياة :

النقص هو سنة الحياة ، و لا يقوم النقص على الشمول للمفتقد ، فاللغة مثلا تعد ناقصة في ذاتها لأنها استدلالية منطقية و هي تحاول أن تعبر عن مواصفات الحياة و سكون الموت بنفس المفردات .
كون القاص أسطورته من عوالم تمزج بين الواقعي و التخيلي ، كما حاول أن يستقصي أبعاد النقص الذي يعتري البشر في حركاتهم و سكناتهم .
في نصه ( حلم ) توقف مصغيا لحكمة قديمة تجدد كل يوم محاولا عبر استرجاعها أن يحقق التوازن : ( تلك ليلة فريدة اشتم بها رائحة الأرض التي أحببتها ، رائحة الولادة و الموت معا ، فلماذا هذا الخوف من الآتي الذي لن يأتي الآن ) ثمة صراع يدور على مستويين .. الأول بين هواجس الذات و مخاطر الحياة التي تشملها بنواقصها .
أما الثاني فيتحقق عبر صراع ضار بين الأحكام و التقاليد القديمة و بين التساؤلات الحديثة التي نتأملها على مهل . إن الإنسان هو محور العالم ـ أو هكذا نظن ـ و الموضوعات التي تشغله يجب أن توقض في المتلقي حالة نفسية أو انفعالية ما و تعلمنا أو تؤثر علينا أخلاقيا بالرغم من كونها تعبيرا عن خبرات محدودة .
يستقر الموت في ذاكرة الإنسان العربي . و عبر ثراته المقروء على امتداد أجيال متتالية و أكاد أوقن أن الموت هو أهم هاجس شغل الإنسان منذ استقراره على وجه البسيطة ، ذلك لأن موت شخص ما ليس هو موت كيان عضوي فقط ، لكنه ( تقطع في نسيج العلاقات بين الأشخاص ، و عن هذا الطريق يصبح الموت هاما للتجربة ، فالذي نجربه أو نمارسه على أنه الموت ليس هو مجرد موت الآخر ، و لكن التمزق المفاجئ لهذا النسيج الهش للوجود ) .
الغياب هو صنو الموت كلاهما تبدد. و القطاع ، أو هكذا يشكل حسن الشيخ نصوصه و يجتهد لبلورة ملامح أسطورته في غرائبية متزايدة ، و اللغة السردية هنا تعتمد على الحوار و هو عنصر فعال في تجربته و دائما ما يدفع القاص بالكلام أو الحوار بديلا للسرد لينمو الحدث ، لكن ما يحدث فعلا ـ و في أغلب النصوص التب بين أيدينا ـ أن الساحة تكون قد أخليت فعلا من البطل الرئيسي و بقيت الشخصيات الهامشية ، تحاول أن تبحث و تيتقصي و تحلل و تفسر وقائع الموت و الغياب أو لنقل الارتحال ، لأن هناك مخاطرة معرفية في أن توقن أنه موت مادي متحقق لذلك تفاجئنا النصوص بمراوغتها و بعدم تحديدها من الحالة ، هل هي غياب أم شرود ؟ موت أم ارتحال ؟
في قصة اعترافات سجين هارب ) يكتشف السجين في محاورته مع السجان أن الموت لن يكون بالنزول في القبر ( بل ستموت على الأرض حيا ) ها هو تشكل جديد للأسطورة في معالجتها لفكرة محورية أضنت البشرية . فالصراع لا ينفك دائرا بين الإنسان و مصيره ، و النجاة من المصير المروع ياتي عبر طرائق تخيلية .
إن الوهم بالخلود من صنع الإنسان نفسه ، و الأمل الفعال لا يتوقف من الصراع مع المصير النهائي المحتوم ، إن الطابع الإيجابي للأمل يتصاعد مع كل خطوة لخطوها الشخصية ، و إذا كان السجين قد حاول أن يهرب من قيوده ـ فهذا خلاص جزئي محدود ـ أما الخلاص النهائي من العدم فهو محض وهم و افتراء ( و حيث أن الموت ليس احتضارا ) نهائيا بدرجة أو أخرى يدركه هذا الفرد أو ذاك ، و إنما هو جزء لا يتجزأ من الحياة .
من هذا المنطلق يمكننا أن نفهم المأزق الذي يعبر عنه القاص ، فالألم الإنساني نسيج أصيل في تكويننا البشري ، هو اعتراف متأخر للسجين .. ( آلام مخاض تجتاحني ، تورم في كل جسدي ، الدماء تندفع في تلك الأوردة و الشرايين الضيقة محاولة الخروج ) .
نلاحظ من هذا الفيض المؤلم من الدماء التي هي دليل حياة تتحول إلى علامة يأس .. نفس الشيء يتحدد بصورة أكثر وضوحا في قصة ( سنة الرحمة ) حيث الموت يضل برأسه ليخطف الابد خالد : يوم واحد بين القيء و الهذيان ثم حمله أبوه و خالته ملفوفا في نفس البطانية التي ينام عليها إلى مكان بعيد و لم يرجع ) .
بيد أن الموت الجاثم على الأنفاس لا يمر مرورا عابرا بل هو حاضر و مسيطر و قادر على فرض شروطه ، و هذا ما يرصده القاص بدقة في نص يغلب عليه الحس الروائي ، حيث الأصوات متعددة و الأحداث متشعبة ، فلا يمكنك أن تقتنص القيمة الرئيسية إلا بصعوبة بالغة .
إن الموت حلقة في سلسلة الحكي التي يمررها الكاتب بمهارة ، إنه يستعرض حبوات الشخصيات التي تنطق بألمها و نواقصها و تاريخ كل شخصية هي حالة من حالات البؤس الانساني لا بمعناها الاجتماعي ، بل في إطارها الكوني الذي يفضله حسن الشيخ الذي يبدو متأملا لنوازع النفس البشرية في الترف و الرخاء .. بله الخود حين يسأل الحاج عبد الوهاب المؤذن : ماذا هنالك ؟ تكون الإجابة مجدولة في خيط سردي حزين ، إذ أنه لم يجب و أحيانا يكون الصمت أكثر جدوى من الكلام ، بل اكتفى بإشارة من أصبعه إلى الخرقة السوداء أمامه .
تقدم عبد الله و على ضوء المصباح الاصفر الوحيد الذي أنار فجأة رفع عبد الله الخرقة ، فلاح لهم وجه الشيخ أحمد فارغ الفم و مغمض العينين في وداعة .
الموت حاضر و بدونه لا تصبح للحياة معنى فبضدها تتميز الأشياء و إذا كانت الشخصية الدرامية تعلن عن وجودها من احتكاكها بالحياة و تقاطع مصيرها من مصائر الآخرين ، فغن الموت يمنح المسيرة الإنسانية المعنى و يكشف عن قيمة وجودنا و دلالته .
و يعمق لدينا الإحساس بمأزقنا البشري ، فنحن نعيش على الأرض و نكتوي بنار أحلامنا التي لم تتحقق ، كما تطحننا عجلة الحياة التي لا تكف على الدوران سواء عشنا أو متنا ! و لا شك أن القلق و اليأس ينشآن ( حينما نواجه إرادة الحياة الطليقة باحتمال الفناء ) عند هذه الاشكالية نلاحظ أن القاص يوحد بين الموت و الظلام فكأنهما تجل واضح للعدم الذي هو محطة انتقالية في مسيرة شخصياته المرعوبة بوجودها .

عبث أم محض خيال ؟

لعل فكرة الموت و النحر و الاختفاء هي أكثر ترديدا في نصوص المجموعة ، كما سبق و أن أشرنا ، إذا كنا قد وسعنا من مدلول الغياب باعتباره اختفاء عياني للجسد . فإن الوجه المضاد لتلك المنظومة هو الحضور .
و إذا كانت الصحراء قرينة الوحشة و التبدد و الضياع ، فإن الأماكن المغلقة لا تقل سطوة و مأزومية عنها . ففي قصة ( محطة الملح ) . و لنتأمل دلالة العنوان ـ نجد القطارات تعبر الزمن على سكك خشبية مكسورة ، المحطة في هذا النص هي محطة زمنية و مكانية في آن واحد .
الحضور معلن للشخصيات ، حيث يدلف القاص إلى المحطة ليسرق السمع إلى همهمات مكومة هي بداية مؤامرة .
القتل هو النبرة السائدة في الحديث الدائر بين شخصيتين محوريتين و بطل القصة ( صادق عبد الوهاب ) يتحسس الحديث و يبحث عن السر بالرغم من أنه ليس فضوليا ، فهناك جريمة قتل قد حدثت و ثمة اعتراف واضح لا يردد فيه ( تذكر أنك شريكي في قتلها ) و الرد جاهز و معلن كأنه فعل عادي يمضي بصورة روتينية : ( نعم ، نعم أعرف ذلك قتلناها سويا ) .
لنلحظ تلك النزعة العبثية التي قد نعثر عليها من أعمال سارتر و البير كامو ، حيث الاغتراب الكامل و اللاتواصل ، يسقط الكاتب من حساباته كافة المقدمات و يتجه إلى جوهر الفعل / القتل ، و ما يلبث أن يشعر صادق عبد الوهاب أن الفعل ذاته يتحرك باتجاهه .. و لكن ماذا عن صادق عبد الوهاب .. هل سيلقى . نفس المصير و الجواب العبثي .. لا أدري .. سنتحدث عن ذلك لاحقا كان البطل هنا يشيد مقدمات موته ، ألا يذكرنا ذلك بوقائع موت معلن لماركيز و بعض التجارب الموغلة في الواقعية التي قدمها يوسف إدريس في مجموعته الباكرة .
في لغة مجارية تحركت الأرصفة و كان بائع الصحف يصيح ( اقرءوا .. المرأة العجوز التي قتلها اللصوص ) .. و حده بطلنا الذي لم يسمع النداء و النزوع العبثي في القصة له جدوره البعيدة الغور في تراثنا العربي و للعبث بمعناه الفلسفي تشكل تخييلي باهر ، فالتخيل هو ( الكلام الذي تذعن له النفس ، فتتبسط عن أمور و تنقبض عن امورمن غير روية و فكر و اختيار و بالجملة تنفعل له انفعالا نفسانيا غير فكري سواء كان القول مصدقا به أو غير مصدق و ربما كان المتيقن كذبة مخيلا ) .
عرف العرب الخيال و استقصوه في في قصائدهم و لم يغب عن نثرهم مثلما رأينا لدى الجاحظ و ابن المقفع على سبيل المثال و قوة الخيال ملكة يولدها العقل الفعال و هو عنصر أساسي في الشعر ، و قد اقتحم القصة و حطم أسوارها منذ القديم ، و لكن ترك الباب مواريا للدخول و الخروج إلى رحابة الواقع حين كانت القطارات تقرقع بأصواتها في ( محطة الملح ( كان الراوي يشعر بمرارة قديمة متوارثة .
و لأن الموت هو نهاية الطاعون فإن المدينة تتحرك هاربة من براثنه ، كنت أقرأ رواية الكاتب الجزائري خالد حداد " ليس من رصيف الأزهار من يجيب " و توقفت أيضا أمام منظر القطار و هو يقتحم المحطة و بهرتني تلك الصورة ، كان القطار كتلك الخيول التي يثير نفرتها اقترابها من الإسطبل ينتشي من سرعته ذاته و مننفاذ صبره .و هو قادم من مرسيليا .
كان خالد وحيدا على الرصيف يجتر أحزانه و لم يكن هناك فعل الصقل الذي سمعه صادق عبد الوهاب لكن تأثير الوحدة و الملل و الاغتراب
ا حسست بها فكأنني أعيش تلك اللحظة نفسها ، برودة باريس غير حرارة المدينة التي يصفها حسن الشيخ بأن شمسها تحلق فوق الرؤوس التي هدها الطاعون والخواء ، و سأعود إلى الخيال الجامح الذي نعثر عليه في نصوصنا القصصية العربية ، و لقد كان عبد القادر الجرجاني من النقاد الذين وقفوا أمام سطوة الخيال وقفة متأنية فعاب على الشعراء إسرافهم فيه ، و لكنه سرعان ما أحس بالقيمة الجمالية التي يهبها الخيال للنص الشعري .

الحياد المخادع :

يبدو أننا شططنا كثيرا و نحن نتتبع أبطال قصصنا سواء في الصحراء أو المدن أو أرصفة المحطات و غاب عنا سؤال جوهري و ملح . هل يمكن أن نعثر على حب صاف في الصحراء ؟
إذن نحن نقلب أوراق قصة " رجوع صبران " و هي رغم قصرها إلا أنها تأخذ شكل الملحمة و تتضمن مأساة الارتحال القهري تبعا لقوانين القبيلة ، فمن العادات الأصيلة أن يعتزل الصغير القبيلة عشر سنوات كي يشتد عوده و تخشن أفعاله .
يبدأ المشهد بعودة صبران معتليا ناقته جميلة ، إنه يحلم باللقاء الحميم مع ابنة خالته أنوار بعد ذلك الغياب الصعب قبل أن يغيب عن مضارب القبيلة من رحلته الصعبة أوصاه عمه زيدان إرقال الناقة الدائم ، لأمر مؤلم لك أما إذا تعبت من المسير فأنخ الناقة ، و لا تبتعد عن مبرك الناقة ، فإن الصحراء غضبها الذي قد لا يمكن التنبؤ به وضع بندقيتك تحت رأسك ونم نومة الذئب " .
لم تكن الوصية بقادره على إنقاذ صبران من برائين الموت ، فكما تقول العرب : " يؤتى الحذر من مكمنه فبعد رحلة السنوات القاسية و حين يهم الشاب ـ الممتلئ رغبة في الحياة ـ بالنزول عن الناقة لكي يفتح ذراعيه للأهل تدوي طلقة غاضبة لتستقر في صدره .
الغريب أن بطل القصة لم يتمرد على قوانين القبيلة الجائرة و لم يرفض التقاليد ، فلماذا جاء الموت ؟
هذا سؤال محوري حاولت أن أبحث عنه في ثنايا النص دون جدوى و هو ذات السؤال الذي روعنا حين اختفت " قدوسة " رغم ندارتها و ربما الزفير الحار الذي أحسسنا به صاعدا من صدر محمد في ( حلم ) يتكرر بصورة عالية و صادقة مع السقوط المدوي لصبران على رمال الصحراء التي عشقها .
تتحرك عدسة الالتقاط لتصور لنا المشهد على مهل و كأنه بالتصوير البطيء ثم انحبست الكلمات و يبقى شيء من الدم المتخثر على الوجه و اليدين ، بينما بركت حميدة إلى جانبه نظرت إليه تارة أخرى ، نظرة استفهام مروعة ، أن مثل هذه الأسئلة و علامات الاستفهام تقودنا ـ بداهة ـ إلى العناصر الحاكمة التي يعتمد عليها الحكي لدى حسن الشيخ و علينا أن نراجع الشواهد التي قدمها لنصل إلى هذه النتيجة . فلم تكن الرحلة يسيرة و لم تكن العودة أمرا سهلا ، لقد داهمته الأمراض في غربته و كثرة المشي و الترحال ، أصاب ناقته بالحفاء بدليل أنه نزل و تفحص إخفاقها و لاحظ دوائر حمراء مرسومة عليها ، لقد تلاشت تلك الطبقة الخشنة الواقعية لبطن الخف .
لنلاحظ ثنائية الخشونة / المنعومة من عالم الصحراء كل سأمة او نأمة ترد إلى القانون الصارم الذي لا يعرف الرحمة و لم لا و قطرة الماء قد تسلب الحياة من النفس البشرية أو تردها إليه .
يتأمل الكاتب واقع البداوة لا يدينه لكنه يصف قوانينه يحاول أن يبدو محايدا ، لكنه الحياد الخادع ، لأن زاوية الرؤية تحدد دون شك الموقف بلا مواربة . و هو يعلن ذلك بكل وضوح في ذات القصة يتذكر بوضوح ساعات الخوف التي تتملكها . حين تعبر الصحراء عن غضبها ، فالصحراء لها قوانينها الغامضة الموحشة و التي تخالف فيها قوانين الطبيعة ، هذا الحكم القيمي الذي يأتي كتعليق من الخارج لم يمنع وقوع الموت كفعل نهائي صارم و حاسم .

ثراء الدلالات :

تكتنز نصوص حسن الشيخ بدلالات عديدة يصعب حصرها و لكنها على الأرجح تنتظم فيها مجموعة معان مترابطة و بذلك يتخذ النص هيئته المتكاملة و تتشكل الدلالات في بنية محددة تلك البنية هي التي تتيح تماسك المعنى العام ز أجزائه و بها تصبح المعاني المبعثرة و الدلالات الجزئية كلا شاملا .
يمارس الكاتب عمله في التلاعب و الإخفاء و التمويه و التركيب غير المنتظم ، و لكنه يسوق في ذلك إسرافا شديدا و ربما أرجع الأمر لولع حسن الشيخ في اثراء عمله و إدخاله المعمل الفني حيث لعبة التخييل و التعامل مع زخارف الجملة و التحايل بالصور القائمة على الحكي .. و لكن يحمد له الوعي بالبيئة فكل قصصه ـ و لنكون موضوعيين أكثر نقول أغلبها ـ يتحرك شخوصها في عالم الصحراء الموغلة في الغموض . و تتحول اللغة من مستواها الصرفي و الدلالي إلى شفرات لإخفاء المعنى و ربما قام الكاتب ـ بصورة جزئية ـ بعملية استكناه معرفية للمكان و تتبع مصائر شخوصه ، لكنه بحذف و بضيق و يعمل على تكثيف المعنى و استقصار الدلالات بتعامل واع مع الكناية و الاستعارة قبل الولوج إلى تفاصيل المشهد .
البنية كما نعرف هي مفتاح المعرفة و من مهام الناقد كما يؤكد غاستوف باشلار في ( جماليات المكان ) أن يحول النص إلى عالم يخصه . يتجدر في داخله ، فالصورة بهذا التصور تصبح وجودا جديدا في لغة الناقد يعبر عنها بتحويله إياها إلى وجود عياني .
على هذا الأساس فإن قراءتنا تسعى إلى اقتناص الدلالات المتشابكة كوحدات متداخلة تتعامل مع الواقع عبر إشارات و إحالات تتخذ بنية جمالية تمنح من التراث تارة و تضرب بسهم وافر من التحديث تارة أخرى .

جمل ذات مقدرة توليدية :

تنطوي نصوص حسن الشيخ على اعتراف ضمني بمأزق العصر أن دلالات تستصرخ بنية أخرى مختلفة تحاول إظهار اللاوعي في اللغة الصامتة التي تعتمدها الشخصيات بنية كل نص في غموضها الخفي أقرب ما تكون إلى الحلم ، فهو شكل شبه ثابت لدى الكاتب . سأتوقف أمام الجمل التوصيفية التي يوظفها الكاتب في أعماله ، إنها جمل ذات مقدرة توليدية لا تتوفر في اللغة العادية و يسعى الخطاب القصصي إلى تأكيد نغمة فريدة تتكرر بانتظام في أشكال مختلفة ، تلك النغمة هي صعوبة التواصل بين البشر و المكان . هذا من جانب و من جانب آخر فثمة ارتباك و توتر بين البشر و ذواتهم في القصة ( راعية الغنم ) نعثر الشخصية المأزوقة التي تنتظر عودة غائب و يقوم الإيقاع السردي بعملية استحضار للوجه الحبيب الذي تبدد بالغياب .
لذلك يصبح استحضار كلمات مثل ( الغياب ) ( السفر ) ( الليالي الباردة ) ( و جمل من القبيلة ) ( و كف الصحراء المتجمد ) ( الأغنام المتناثرة على كف الصحراء ) هي معان قصدية تأخذ شحنتها الانفعالية من خبرة الكاتب بالمكان و لو عمدنا إلى تفحص الأنساق الدلالية التي تتوزع النصوص لاكتشفنا بعد جهد يسير أن الحكي متفتح على احتمالات عدة ، فثمة إشارات تسعى لتأكيد القيم الصحراوية تارة و نقضها بالسلب تارة أخرى .
ثمة تحولات ديناميكية في النصوص ، لكنها تعمل تحت السطح و لا تحول دون إحساسنا بالصراع الضاري بين التقاليد الراسخة للقبيلة و بين محاولة انفكاك من سطوتها و من هنا يمكن أن نلاحظ أن الصراع باطني و يقوم بفعله بصورة دائرية متكررة .

الثنائيات و توثيق الدلالة:

من الممكن أن نرقب الثنائيات التي يشحن بها القاص نصوصه و هي ثنائيات تتوزع بتوازن مرهف بين العتمة / النور بين الموت / الحياة و أخيرا بين الغياب / الحضور .
لن توصف قصص حسن الشيخ بأنها صحراوية بالمكان لكنها على الأرجح صحراوية بالروح و الوجدان .. إن النظرة المتألمة تتجاوز الواقع دون أن نهمل تفاصيله و تراوح بين الرمزي و التعبيري ، و لو تسائلنا عن الفرق الحقيقي بين ( الصلة بالواقع ) و ( الإحساس بالمكان ) لأدركنا على الفور أن ثمة ترابطا قويا ، بالرغم من ركام المجاز و الزخارف الاستعارية، إن السياق الدلالي عنصر ثابت ، و الصحراء تزحف بتقاليدها و أي قراءة فطنة للنصوص تتأكد من أن إنتاج الدلالة تقوم بعملية كشف لمواقف إنسانية يريد الكاتب توثيقها ، و عندما تكون على مستوى قراءة متفحصة فإننا سنأخذ بالحسبان أن العالم الذاتي للنص يتفاعل مع وسائط متعددة و مستويات متفاوتة ، و حركة لا تتوقف لتختمر الدلالات بين النظام الإنتاجي لكل نص على حدة و بين النسق الجمالي للمجموعة كلها .
و تبلغ الغرائبية ذروتها في قصة ( اللوحة ) حين يحاصر الفنان بالحرس و يحاول الإفلات و عندما تغلق الأبواب في وجهه لا يجد مفرا من الدخول في اللوحة ذات الألوان المانعة و الاختفاء ، هذه القطة المشاكسة تبدو مباغتة لنبرة الحزن السائدة ففيها سخرية و تهكم ، كما أنها لا تخلو من إشراق ، بل إن قراءتها تتأتى من سؤال حليمة الماكر : كيف غادرت فوارس البحر الصاخبة ؟ إنه اختراق للواقع المحدد المغلق . و مستوى الترميز يعلن عن نصاعته المتزايدة ، و لن يكون من المستحيل أن نكتشف أين اختبأ الفنان لكن الصعب الذي يحاضرنا هو اختفاء ( قدوسة ) أي اختفاء المعنى رغم سطوة المكان و جهامة الواقع ؟
يحيى سبعي


أستاذي المشرق .. سمير الفيل ..
فرح بريادة العبور على هذه الدراسة الفاحصة والتي خلقت رؤى واضحة حول تكريس بقاء الموت ( حسب المدرك لدي ) في مجموعة القاص حسن الشيخ، وعبثية الغريب والنهاية الصارمة التي تحيكها كف الصحراء المديدة.

أشكر لك هذا العرض الفذ الذي يحث على البحث والتفتيش ركضا في نوافذك التي لا ينضب نورها.

السؤال: هل تظل في القارئ جذوة القراءة للمجموعة وعذوبتها بعد الاطلاع على أي دراسة تناولتها ؟
هذا سؤال يدس في جانب آخر أن الدراسة النقدية ربما تشتغل على خبت تلك الجذوة وإنهاء الرغبة في قراءة العمل الأدبي، وهذا لا ينطبق أبدا على طرحك المعرفي هنا حول مجموعة القاص الشيخ، ولكن ذلك يندرج على ( الكثير ) من الأعمال النقدية المطروحة.

آمل أن يحتمل السؤال النية الطيبة كما يليق بقلبك والمكان.


سمير الفيل
أخي وصديقي / القاص النابه يحيى سبعي ..
سؤالك مشروع ، ودائما ما نهرب من الإجابة عنه ، إذ أن أي قراءة نقدية مخلصة هي بحد ذاتها قولبة للنص ، ومعايرته حسب ذائقة الناقد ، وقدراته المعرفية ، وتوجهه الأيديولوجي ، هذا هو الاحتمال الأقوى ، غير أن ثمة نقاد لا ينتهكون براءة النص ، ولا يشرحون الجسد بمباضعهم القاسية ، بل يتركون فراغات متعددة للمتلقي ، إضافة إلى فكرة خلق نص نقدي مواز ، وهو ما نراه في بعض المدارس الأدبية التي تحول النقد إلى متعة موازية ، أذكر من نقادنا القدامي طه حسين ومحمد مندور ، ومن جيل الوسط على الراعي ورجاء النقاش ، ومن الحلقة الأخيرة الغذامي ، وجابر عصفور ، ومحمد عبد المطلب ، ناهيك عن جيل ما بعد الحاثة ومنه محمد بدوي ، وصف طويل من نقاد ، تشعر مع قراءاتهم النقدية أن النص يتفتح على عوالم متعددة .
أنا ناقد يعرج إلى ساحة النقد من الأبواب الخلفية ، وسرعان ما يجلس خلف منضدة اشتغاله بالكتابة . لا تضعنا من فضلك في الحسبان .
إبتسام إبراهيم تريسي
الأستاذ سمير الفيل
تحية
دراسة ممتعة ، شكرا لك .
الأستاذ يحيى ، تحية ، أحيانا تكون الدراسة محفزا لاقتناء العمل , وأحيانا تغنيني الدراسة عن قراءة العمل
في حال صعوبة الحصول عليه .
والحصول على أغلب المطبوعات ـ في الوقت الراهن ـ أصبح مشكلة
لذا كثيرا ما أتابع مثل هذه الدراسات ، وحتى القراءة المتواضعة لعمل ما ، تعطيني فكرة عنه ، وإن لم تغن ِ عن القراءة
فقراءة العمل ، متعة توازيها متعة الكتابة .
لكما تحية ، مع التقدير والاحترام .
سمير الفيل
الأستاذة / ابتسام تريسي ..
أشكر ك لمداخلتك القيمة . بالفعل العمل النقدي كثيرا ما يفيد في التعرف على جوانب خفية من العمل . وآخر محاولة في هذا الصدد أنني كنت قد قرأت رواية الزميلة نجوى شعبان ( نوة الكرم ) ، وظلت هناك جوانب خفية لم أستطع تلمسها ، حتى أردت نشرها ـ أي الرواية ـ في أحد مواقع الأنترنت المهتمة بالثقافة ، وخلال بحثي عن صورة لنجوى لارفاقها بالنص المنشور ، وقع في يدي دراسة رائعة تكاد تفكك النص وتركبه بحرفية بالغة ، والعمل لم يدعي النقد بل أنه سمى المقال ( عرض ) وهو للكاتبة غادة نبيل .
أحيانا كما تقول الزميلة ابتسام يفتّح لنا النقد رؤى غائبة ، وهذا يتوقف على قدرات الناقد وامتلاكه لأدواته .
وشكرا للزميل يحيى سبعي الذي فجر قضية علاقة النقد البعدي بالنص الأدبي .
سمير الفيل
هذه دراسة حول رواية الصديق حسن الشيخ

من الإحساء

.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.