قراءة في مجموعة «دبيب الروح» لوائل وجدي
بقلم: د. حسين علي محمد
***
في مجموعة «دبيب الروح» لوائل وجدي نرى تنويعات على أزمة الإنسان المعاصر، الذي تُواجهه المثبطات التي لا دخل له بها، فكأنَّه مُحاصَرٌ من الخارج، مُطارَدٌ ممّا صنعته أيدي العلماء من تقنيات كان من المفروض أن تُساعد الناس على استثمار وقتهم، وتُخفف عنهم معاناتهم في المدينة الحديثة، لا أن تثقل عليهم وتُصعِّب من حياتهم. يقول في قصة «ترانيم الوجع»:
«ارتدى الحذاء عجولاً، وانطلق نحو باب شقته، وفتحه خارجاً. اتجه ناحية المصعد. لمح ورقة مدوناُ عليها «المصعد معطل» نزع الورقة ومزَّقها. رنا إلى ساعته، ألفاها الثامنة. زاد ضيقه أكثر، فميعاد العمل يدنو، راح يقفز فوق الدرج. بعد ثوان احتواه الطريق، السيارات تمرق يمنة ويسرة، إشارات المرور لا تعمل، أصوات اصطدام السيارات مع بعضها يصم أذنيه ... أسرع إلى سيارته، ألقى بنفسه داخلها، حاول تشغيلها، ولكنها أبت أن تستجيب له. نزل منها وغرق في الدهشة. ساعته تدنو من الثامنة والنصف»( ).
ويُطارد أبطاله أيضاً من الشرطة، دون سببٍ جنوْه. يقول في قصة «سقوط»:
«صوت ابنته المختنق يدوي في أذنيه: صدري، صدري. يغوص بقدميه في بحيرات المجاري، يبحث عن أتوبيس، ميني باص.
دنا من المحطة. العسس يتراصون، ويمنعون الهبوط من الطوار. نفذ. لا تقف الأتوبيسات في المحطات الرئيسية. دمعات ابنته ووجهها الشاحب. بكاء الزوجة. الوقت يمر، والدواء؟!! »( ) .
ونتيجة للمطاردة والحصار، يتوالد عدم الفهم، وتتحاور الشخصيات كأنها تصرخ، فنرى في قصة «انفجار»:
«دخلتُ مكتب مدير الإدارة، حاملاً الملف الهام، الذي ألـح في طلبه، دنوتُ قائلاً:
ـ السلام عليكم.
وقدمتُ الملف. نظر من تحت نظارته ولم ينبس بكلمة.
مكثتُ واقفاً أُتابع قراءته. طرق بيده على المكتب صارخاً:
ـ يا أستاذ هذا كلام فارغ!
أحسستُ بالدماء تتدفّق إلى رأسي، وصحتُ قائلاً:
ـ سيادتك حمار.
انتفض من كرسيه، وقال متنمراً:
ـ ماذا تقولُ يا أبله؟
أكرر مرة أخرى:
ـ سيادتك حمار، لم تفهم ما سهرتُ في إنجازه ثلاث ليال.
قال بحزم:
ـ الشئون القانونية ستحقق معك يا سفيه.
قلتُ بهدوء:
ـ سيادتك حمار .. حمار.»( ).
ويكشفُ الحوار هنا عن انعدام التواصل مع الآخر، لكنه يُنبهنا على قدرة وائل وجدي على إدارة الحوار.
*ويقوم الوصف بدوره في إضاءة الحدث، كما نرى في مطلع قصة «بصيص»:
«دقت الساعة في المذياع، فأغلقه. وأحضر حقيبته التي تضم أوراقه الخاصة. فتحها ليتأكّد أنه لم ينس أحد مسوغات التعيين، وقبل أن يغلقها وضع الصحيفة المنشور بها إعلان الوظيفة الخالية.
أسرع إلى محطة الحافلة أملاً في أن تحضر سريعاً، ليلحق بالميعاد المحدد في مكتب الدعاية والإعلان ... دنت الحافلة. اجتاحت الغبطة جوانحه، ولكنها سرعان ما تلاشت. الحافلة تعج بكتل بشرية ... بصعوبة استطاع أن يضع قدميه على الدرج. أمسك الباب وجلاً من الوقوع، وبعد هنيهة وجد نفسه يُدفع من عل. تشبث بالباب، وصعد درجتين، ونفذ إلى الداخل، وبعد معاناة وصل إلى منتصف الحافلة»( ).
إن الوصف هنا بقدر ما يعبر عن معاناة البطل في ركوب الحافلة، بقدر ما يكشف عن قدرة القاص في استخدام كلماته وجمله، فالحافلة هنا رمز للوظيفة التي يسعى إليها، والعناء في ركوبها ليس إلا تعبيراً عن العناء في وجود وظيفة، والوصف في المقطع السابق يكشف عن معاناة بطله الهامشي الذي تنحصر أحلامه في البحث عن وظيفة.
وفي قصصه الأخرى نرى الوصف يكشف عن أحلام هامشي آخر في إحضار الدواء لطفلته المريضة (قصة «سقوط»)، أو رغبته في الوصول إلى مكان العمل في موعده (قصة «ترانيم الوجع»)، بينما نرى الحوار سريعاً، لاهثاً، قلما يستمهل فيه القاص ليرسم لنا فيه صورة، كتلك التي قدمها في قصة «بصيص».
*والمفارقة في قصص وائل وجدي تقوم بدورها البنائي في إظهار عالم مثالي يحلم به خال من المنغصات الصغيرة التي تستنزف جهد أبطاله الهامشيين، لكننا نفتقد هذه المفارقة في قصصه القصيرة جدا (التي نشرها في هذه المجموعة تحت عنوان «أقاصيص» ص ص27-32)، فقد تخلى عن المفارقة ليُفسح مكاناً لشعرية اللغة ورمزيتها، كما يتضح في القصة القصيرة جدا «دبيب الروح»، وهذا نصُّها:
«ألق الشفق يتلألأ على صفحة النيل. غداً ـ بأوراقه الصفراء، المعجونة بروحة ودمه ـ يفك أضابيرها، يتصفّح أفكاره المحبوسة بين السطور .. يدفع بها ورقةً تلو ورقة إلى حضن النيل، ويأخذ شهيقاً عميقاً، ويرحل»( ).
إننا نرى البطل هنا يُعاني من تذكُّر تجربة مريرة، (لعلها تجربة حب عاثر) يتناوشه الأمل واليأس، لكنه يرجئ اتخاذ القرار إلى الغد، وإن كان يأسه يريه أنه في الغد سيدفع أوراق هذه التجربة القاسية إلى قاع النسيان الذي سيبتلعها ويمحوها « يدفع بها ورقةً تلو ورقة إلى حضن النيل». ولعله ـ يعد هذا اليأس الذي عصف به، وبعد محاولة العبور يرحل إلى حياة جديدة عبر عنها في تكثيف شديد في نهاية القصة «يأخذ شهيقاً عميقاً، ويرحل».
***
في «دبيب الروح» نلمح قدرة حقيقية على القص الشاعري الجميل المكثف، وليت القاص حذف هذه التمثيلية الإذاعية التي احتلت ثلث صفحات المجموعة دون مبرر فني.
[من كتاب "مقالات في الأدب العربي المعاصر"، تحت الطبع]