المساعدة - البحث - قائمة الأعضاء - التقويم
((قراءة فى بعض أعمال محمد حافظ رجب))
منتدى القصة العربية > منتديات القصة العربية > دراسات في القصة القصيرة والرواية
سمير الفيل
إحياء الأساطير البائدة
((قراءة فى بعض أعمال محمد حافظ رجب))

في الستينات من القرن الماضي ـ أي منذ حوالي أ ربعين عاما ـ انطلق في سماء الأدب المصري شهابا جديدا , فأضاء سموات الإبداع , وترددت حينذاك مقولته المشهوره " نــحن جيل بلا أساتذه " وكان يعني بها ضرورة حدوث انقطاع فنى حتي لا يحدث التكرار والاستنساخ بين جيل الرواد الذي يجثم علي صدر الحركة الأدبيه , وبين جيل جديد يقدم جماليات مختلفة للنص الأادبي , ويحمل أفكارا مغايرة .
أما هذا الشهاب فهو الكاتب المجيد : محمد حافظ رجب , صحيح أن القصة القصيرة المصرية كانت تواصل التجريب والكشف عن تخوم جديدة للتجربة الابداعية , وقد تجلي ذلك علي يد عدد لا بأس به من الكتاب مثل يوسف الشارونى , إدوار الخراط , صبري موسي , و إلي حد ما يوسف إدريس برغم واقعيته المؤثرة ,إلا أن محمد حافظ رجب كان يقدم كشفا جديدا , وطرائق في الآداء غير مطروقة , بحيث يصح القول بأنه أحدث انقلابا حقيقيا في القص المصري المعاصر دون أي تفريط في جماليات النص , وما يحققه من متعة .
والسؤال الذي يصح لناأن نطرحه هو : هل أثرت تجربة " حافظ " في كتابات الأدباء الجدد ؟
ويصح أن نحور السؤا ل المحوري إلي سؤالين فرعيين هما :
• ما مظاهر التجديد التي حملتها قصص محمد حافظ رجب ، والتي يمكن رصدها بدقة ؟
• هل أ ثرت تجربته في الجيل الذي تلاه ؟ وإلي أي حد كان هذا التأثير ؟
وللإجابة علي السؤال المحوري والسؤالين الفرعيين يجدر بنا أن نقدم قراءة نقدية موجزة للإنقلاب الأدبي الذي قدمه رائد مجيد من رواد القصة المصرية , بل العربية.
حداثه غير مسبوقه :
استطاع محمد حافظ رجب في مجموعتيه " الكرة ورأس الرجل " , " وكائنات براد الشاي المغلي " أن يقدم حداثة غير مسبوقة لا تقف أمام زخرفة الشكل الخارجي , بإضافة صبغة شعبية علي النص الأدبي فقط ، لقد أفصح القاص عن نبذ السائد تماما ,والتمرد علي كافة الأساليب المطروقة والمواصفات التقليدية , بل أمكنه التوغل في مناطق تعبيرية جديدة , وبلغة طازجة معبأة بطاقات مدهشة من التخييل .
لقد استوعب منجزات تيار الوعي , ووظفها بصورة رائعة كما استخدم العناصر السريالية لتتضافر مع ما هو واقعي بشكل لا يمكن معه فصل كل منهما عن الآخر .
واستفاد بوعي كامل من عطاءات السينما فنراه يقدم المزج والقطع , و " الفلاش باك " , والتوازي بين الأزمنة فيما يسير الحدث في طريقه دون إحساس بالصنعة او الافتعال . وتلك هي أهم مزايا ذلك الأسلوب الجديد .

• الواقع... نقطه وثوب :
وقد يظن القارىء أن محمد حافظ رجب ينفض يديه تماما من الواقع , ويقع في أحبولة التخييل المطلق ـ وهذا غير صحيح البتة ـ فقدرة الكاتب تنتج من إدراكه لعناصر الواقع , والكشف عن علاقاته غير السوية , وعجنها علي مهل لتتشكل بعد ذلك فتجمع بين الجوهري والعابر , بين العالم المعيش والأنموذج المثالي , وأخيرا بين العيني والمتخيل.
كانت الحياة مرتبكة في مصر عبر سنوات الستينات , برغم الصعود الثوري , إلا أن رهافه المبدع أدركت الخلل مبكرا , لذا فإن فحص الواقع استدعي الولوج إلي المناطق المسكوت عنها , ولقد تأكد القاص من حدوث ذلك الشرخ بين ما يقال في الصحف وأجهزة الإعلام الأخري ، وبين ما يراه من تفسخ .
تنطوي قصصه علي مفارقة تستحق التريث عندها قليلا , فبالرغم من أن البناء كله تخييلي بحت ,إلا أن عناصره الأولي , ومادته الخام الأساسية من عناصر واقعية .
إنه يحذف ويضيف , يكبر ويصغر , لكنه لا يهمل الواقع بكل تفاصيله ، فنجد " محطه الرمل " مسرح أحداث العديد من أعماله , وتجد " ترعه المحمودية " , و " سوق المسلة " وفي كل الأحوال ثمة امتزاج كامل يجمع النقائض .
إن التواصل مع نصوص الكاتب تتأتي من قدرته علي تركيب علاقات انسانية بشكل جديد تماما , وبصورة غير جزئية. إن مفهوم الإبداع لديه اتسع بحيث قدم رؤية سريالية لواقع يفهمه ويعيه , دون أن يقع في شرك الغموض الأسود .
فقد حدثت تغيرات كثيرة في الواقع , أمكنه أن يرصدها ويقدمها في شكل فني متماسك , قادر علي طرح الدلالة.
وبهذا التصور فإن الواقع هو نقطة وثوب لطرح ما يود قوله في سبيكة فنية انصهرت فيها العناصر جميعها .

• منطق الواقع .... والمنطق الفني :
كان أرسطو له نظريه متقدمة عن المسرح , لكن أفلاطون كان يري أن الفن تقليد لما في الحياة, وهو ـ أي الفن ـ يقول الحقيقة دائما , ويكشف الزيف , لذلك فهو يسهم في إثراء الحياة , وجعلها أفضل .
واختلفت الرؤية مع تقدم الفلسفات وتنوعها , ولم يعد الفن أو الأدب تقليدا فوتوغرافيا للحياة .
فالوجودية مثلا تري أن حياة الإنسان محنة , ولهذا ينبغي أن يتحرر الإنسان من أي سلوك إلزامي أوغريزي .
فالحياة عبء يعاني فيه الفرد من الخـــــــــــــوف الدائم , وعليه أن يتخفف من هذا العبء والشعور بالإثم .
في قصص محمد حافظ رجب لا نجد أصداء للنظريةالقديمة التي تري أن الأدب تقليد للواقع , ولا نعثر علي النزعة الوجودية التي تري أن الحياة الانسانية محنة .
ان المسأله لديه تأخذ أ بعادا أخري , فهو يتفهم الواقع , لكنه لايقع في أسره , كما أن حرية أبطاله ليست ذات نزوع وجودي .
إن المحنة تنبع من إثم المجتمع نفسه , وتفسخ علاقاته , وعدم التواصل الإنساني الحميم . لذا يبدأ أبطاله حركتهم من تخوم واقعية, لكنه ـ أي القاص ـ يحررهم من العلاقات الاجتماعيةالمأزومة , ويعمق معني الشعور الداخلي , والباطن , واللاوعي . وكلها إشارات تعتمد علي نشاط العقل الإنساني دون أن تتقيد بالمنطق الواقعي . تتلاشي الحدود بين العناصر الواقعية , وبين الإرهاصات النفسية لأبطال قصصه , وهذا يفسح المجال للتحليل الدقيق , والتأمل الهاديء, والتحليق في عوالم الحلم والاستبطان .
فبائع اللب والسوداني في " حديث بائع مكسور القلب " يتعرض للقسوة والبطش , وبنبرة هادئة يسرد لنا الراوي تفاصيل حفر النفق , في مراوحة بين عناصر واقعية , وأخري تخييلية . لكن الشيء الجدير بالتسجيل إن التجربة ذاتها تحتمل تلك المزاوجة، إذ أن ثمة نزعة للإحساس بالمأساة بالرغم من غرائبية الأحداث , وتداخل الأمكنة وتضارب أنماط السرد .

• الحدث ... وكسر التوقع :
الحدث عند الكاتب مركب , ومجموعة الأحداث داخل النص القصصي تكسر التوقع لدي المتلقي . والإطار المرجعي الذي يتعامل به المبدع ينهض علي رفض المحاكاة .
صحيح أن العناصر الاولية , والمادة الخام للقص لها أبعاد واقعية, ومؤشرات عيانية, لكن العلاقات نفسها تدحض قوانين الواقع الخارجي , ولا تسلم نفسها إلا لما هو استنباطي،جوانى .
لذا فإن أغلب النصوص برغم خلوها من الشاعرية, واقترابها من التعبيرية مع أمشاج سريالية إلا إنها قادرة علي إثارة الدهشة, وصدم القاريء . ( وهي علي أية حال صدمة فيها قدر كبير من المتعة) .
يتشكل النص ـ إذن ـ من تلك العناصر الواقعية التي نعرفها جيدا , مع قدر كبير من التفصيلات الداخلية, لكنها تتحرر تماما من دلالاتها النصية القديمة .
وثمة إشارات منبثةهنا وهناك عن محاولة التحرر من أسر الواقع وقوانينه الجائرة , وتأتي الحلول في غاية القسوة:
( صرخ في أبيه : اصمت .. يجب أن أذبحك لأتحرر .. وليتيتم الأولاد .. لا يهم . حريتي : الهدف .خروجي من العادة. إن عطست أقل لك : "يرحمكم الله " , والمنديل في يدي )
( جولة ميم المملة )
الموت هنا موت رمزي , ولا نعثر علي منطق التتابع السببي , فالمقدمات غالبا لا تؤدي الي النتائج , ويفتقر هذا النمط من الكتابة إلي استبصاربالنتائج الواجبة ،الحتمية ، وتوقعها .
إن الكاتب يتعمد كسر التوقع لأنه يريد أن يوصل رسالة محددة علي مهاد غير تقليدي , ولذلك نراه يقتصد في اللغة , ولا يرصعها بالكناية والاستعارة والمحسنات البديعة المجلوبة من نطاق الشعر قسرا. إنه يلجأإلي البديل : الاختزال في العلاقات , الاقتصاد في اللغة , عدم تسلسل الأحداث , غياب الحبكة التقليدية،فوضى العلاقات .
الكاتب هنا لا يبدد جهده في صنعة زائفة , ولا يقف أمام الأشياء التافهة والزائلة , هو يتوقف فقط عند اللقطةالتي تلمح ولا تصرح , كما يجتهد في أن يقدم بنية جمالية دون زيادة أو إطناب .
لنعود ثانية إلي " حديث بائع مكسور القلب " من مجموعة " الكرة ورأس الرجل " , ولنتفحص العلاقات التي يبنيها القاص علي مهل :
" تسللت من ثقب إحدي عيني إلي داخل رأسي . صرت داخل المحطة , ودرت أبحث عن مكاني القديم . قال لي أبي يوما : أنت مولود هنا ..نزلت من بطن امك تبحث عن زبائن لتبيع لهم علي الفور !
أطعت أبي ونزلت أبيع . منذ ولدت وأنا اقف في هذا المكان " .
تتكيء التجربة علي علاقات جديدة بين شخوصها , فالبطل ـ وهو بائع اللبن ـ يستعيد حواره مع الأب ليكشف عن جانب هام في العلاقة المتوترة . والنزعة القدرية يغلفها سحر قديم ؛ فمنذ نزل الطفل من بطن أمه , وهو يبحث عن زبائن . هذه العلاقة الصادمة تكسر توقعنا , من حيث خبرتنا القديمةعن علاقة الابن بأمه , وأبيه .
في "الأ رض الخراب " لأليوت نبرة واضحة لرثاء العالم , وفي قصائد عديدة لصلاح عبد الصبور عبر ديوانه " الناس في بلادي"و" أحلام الفارس القديم " رنة أسي واضحة يجمع القاص ـ هنا ـ في خيط سرد متماسك بين الرثاء الكوني ورنة الأسي الذاتية00000 من خلال رؤية تكشف عن عطب العالم ولا معقوليته ! مع اختلاف بين في الأدوات والإيقاع والدلالات .

• إقتناص الملمح الوحشى :
يندر أ ن تخلو قصة من قصص محمد حافظ رجب من ركيزة هامة ،وهى اقتناص الملمح الوحشي في العلاقات , وفي سير الحدث , ناهيك عن فعل الموت ذاته : ذ بحا ,أو غرقا , أو خنقا،أو سحقا .
نستطيع رصد هذه الظاهرة في مجموعاته المختلفة , ويحكمها نزوع دائم الي التعامل مع الموت بكل تفصيلاته عبر طرائق آداء تنهض علي المألوفية .
فمنظر الجثث التي تتراكم , والسكين الذي يلوح به الأخرون للذبح , وسيل الدم المنبثق من الأعناق المجزورة مؤشرات لذلك القدر من الوحشية , والفعل الخشن الذي يتعدي الحدث إلي اللغة , وهو منطق فني يخضع لرؤية الكاتب التي يضمنها نصوصه . وثمة تساوق بنائي بين ردود أفعال أبطاله تجاه الأزمات وبين الأفعال ذاتها الأكثر حدة .
ان القص الذي يقدمه محمد حافظ رجب مليء بالرعب والفزع والغرائبية , ولكن هذا الأمر ليس بغريب , فالرجل لا يخفي ما وراء السطح الساكن من تفاعلات مضطربة غاية في العنف والقسوة .
وإذا كانت تجارب أوربية مثل ما قدمه كل من جيمس جويس , أ و فرجينيا وولف أو حتي نتالي ساروت قد اتجهت إلي تيار الوعي بكل ما يحمله من ذكريات ومخاوف وآلام . فإن تجربة محمد حافظ رجب تتعدي ذلك الحفر في اللاشعور, والبحث عن الممكنات والمستحيلات , التي يري صداها وتجليها في الواقع من حوله دون أن يكون قادرا علي القبض عليها بيديه . إن شبهةالقتل تحوم حول أبطاله, ودور الأديب هنا أن يبحث في جيولوجيا النفس البشرية عن المقدمات والدوافع , عن الجذور والمنطلقا ت .
تكاد رحلة البحث هذه أن تسفر عن كشوفات جمالية اقتنصها محمد حافظ رجب علي مهل وبتؤدة , ليؤكد للقاريء الحصيف إن الأزمات في الذات ؛ في داخلنا الممزق بين الواقع والمثال .
أنظر إليه في " جولة ميم المملة " :
" تلفت (ميم) حوله .. فوجد عددا من الجثث تجلس متكومة بعضها حول بعض تحتسي الشاي , وتدخن اللفائف , وخلف كل جثة قدمان معلقتان فوق المشجب علي الحائط " .
ويتخطي العنف عوالم البشر إلي الحيوان , وهنا نجد " برهوته " يقوم بفعل شائن حين يجز عنق الحمار , في قصته " برهوتة والحمار المهموم " :
" سقط برهوتة علي الأرض .. تحامل علي نفسه ..قام بالموسي .. قطع عنق الحمار .. سالت منها الدماء .. حمل الرأس .. سار بها إلي أمه .. من خلفه سارت قطرات الدماء .. رسمت فوق الطريق خطا أحمر من لهيب " .
يتردد ذلك الملمح الوحشي هنا وهناك , وتصبح جثة البطل هي الأكثر حضورا في " حديث بائع مكسور القلب " , وربماأمكننا القول إن الأصل في الأشياء هو الحزن , وإن أصالة المبدع تتبدي في الكشف عما وراء ما هو ظاهري . وحسب مقولة " فاليري " , فان " الاسد مصنوع من الخراف التي التهمها !! "
لننظر إذا الي هذا البعد الوحشي , ونبسطه علي مهاد خبرتنا الإنسانية ثم لنتأكد بعد ذلك أنه قد أفصح عن المسكوت عنه لدي الانسان الذي يدعي التحضر . وهنا تصبح جثة الإنسان هي البديل الأمثل لذلك الكائن الذي يتقن اللغة , ويمارس الحب في رومانسية شائقة .
" الطريق الي الأبدية يمر فوق رصيفي , حيث جـــــــثتي ملقاة منذ أعوام بعيدة .. لا تجد من يدفنها "
ولا يأتي الموت بالطرائق القديمة , فلا يكتفي الكاتب برصد الخنق والذبح والركل , والضغط بحبال مجدولة علي الحنجرة , فثمة وسائل عصرية منها طلقات الرصاص , كما في قصــــــــة
" حديث شاعر مهزوم " :
" وضعت الوسادة فوق أذني لتوقف صوت الغناء حولي .. لكن صوت طلقات نارية دوي في الجو .. تحسست جسدي خائفا وجدت ثقبين في جبهتي " .
وبأكثر من طريقة يأتي القتل بديلا عن حياة مضطربة , وعلاقــــــــــات مــــــتــــــــأزمة !

• التداعي , بأكثر من طريقة:
أتصور أن منهج التداعي الذي اعتمده محمد حافظ رجب في أغلب قصصه قد أضفي علي تلك النصوص قيمة جمالية لا تزحزح الأبنية المعرفية التي بثها علي امتداد مساحة نسيج السرد .
المادة الأولية للخيال استدعت ثلاث طرائق للتداعي عمقها الكاتب عبر مسيرته الطويلة , التي توقف خلالها لسنوات ثم عاود الإبداع بحذر وتوجس .
الطريقه الأولي هي الاعتماد علي التداعي الخاص بالحدث , وهو بهذه الكيفية يقدم نهرا رئيسيا لموقف أساسي , ثم يتفرع منه إلي جداول حكائية بسيطة تخرج من النهر الرئيسي ثم تعود إليه علي هيئة فروع هامشية , لكنها محملة بالدلالات .
وهذا الشكل نجده في " حديث بائع مكسور القلب " , حيث يبدأ الحدث من محطة الرمل , وتمتد يد البائع الي رأسه , فتقع عربة , ويسقط فاعل يحمل قفة تراب فوق كتفيه ..
وبنفس طريقة تداعي الأحداث عبر حدث رئيسي حاكم هو ـ فعل الحفر ـ القادر وحده علي استبطان المأساه , وهنا تتواتر بقية الشخوص : الرشيدي بائع الجرائد , الأب , المهندس , عيد بائع الفسدق , المعلم متبولي , يورغو بائع الجيلاتي ...
كل شخصيه مما ذكرنا تقدم نهيرا صغيرا من القص عبر تداعي الحدث . وتكون مهمة البطل هي الإمساك بالخيوط كلها في يده يجذبها في الوقت الملائم , أو يرخيها , حتي يأتي " الحاكم " فيعض يده بدلا من أن يقبلها !!
الطريقة الثانية هي تداعي الجمل الحوارية , وتبدو تلك الحيلة هي الاكثر تحررا من تبعة الحبكة القصصيةالتي يرفضها القاص وتتجلي كأفضل ما تكون في قصته "مذاق اشتهاء رائحة الشواء"
من مجموعة " طارق ليل الظلمات " .
فثمة حوار ساخن بين " بركات " والمرأة , مع إطلالة أوراق سعيد مطر تشعر من خلال الحوار بفيض من التوجس والريبة , لكن الحوار نفسه يقوم بمهمة إضافية في تحوير الصورة , واستدعاء مناطق خفية من الذاكرة.
يكفر بركات بلعبة الحاوي , وهو يعرض ألاعيبه في دائرة السذج , وفي الوقت نفسه يستدعي العلاقة القديمة : بين فلة وبركات .
داخل فك سمك القرش الملتهب تلوح مشاهد عبثية ذات تاريخ قديم مهمل ما زالت تقوم بتأثيرها الضار .
اما الطريقة الثالثة فتعتمد علي تداعي الفكرة الكلية مع أفكار تتقاطع معها , أو تختلف عنها , وربما تنقدها ، أ و تفسرها .
نجد أن هذا النسق الأخير هو الأقل استخداما , فهو يحـــــتاج إلي وعي شديد لتوظيف المعني في إ طار اسلوبي محدد .
ويعتمد هذا الأسلوب علي بناء مدرك لمنظومة الأنساق الفاعلة في النص . فالفكرة الكلية ، ولتكن عن الموت مثلا تولد فكرة أخري عن الميلاد , ثم تتولد عنها فكره ثالثة عن البعث , أو الخلود , وهكذا .
في قصة " ألقاه .. ألقاه .. ألقاه " من مجموعة " طارق ليل الظلمات " , نعثر علي تداعي الافكـــــار بصورة ناصعة , فالجارة سميحة تصرخ في أولادها بعد ان اختفت " قرونها " في بطن جارها مبروك !! وذلك الضجيج ينقلنا الي اختفاء من نوع آخر , فالشاب حسين مبروك قطعوا لسانه , وصار أبكما .
أما " وردة " التي تقفز فوق حبال السيرك المنصوب كل يوم مع لاعب جديد , فهي تحول آخر أو توليد للمعني الكلي للفقد أو الاختفاء , للانتقاص وعدم الاكتمال .
وهذا التداعي لا يعتمد علي الحدث , ولا الحوار لكنه يبرز وبالأساس من خلال تداعي الفكرة الكلية , وقد يأخذ شكل تقاطع لكنه يصب في رؤية موضوعية .
وربما استدعي ذلك المحور أو تلك الصورة من التداعي ما يشير اليه " لوسيان جولدمان " حين يؤكد أن الوجود الموضوعي في الحياة ذو رؤي عالمية كونية . ويستطيع الكاتب الموهوب أن يدركه ويفسره عبر أكثر من صورة .
ويحدث الترابط بين مختلف الصور حين ينجح الكاتب في التعرف علي الرؤي الاجمالية التي تشكل حالات الوعي .
يعتقد الكثيرون ان التداعي لا يحتاج الي وعي يقــــــظ , فهو أقرب إ لي اجترار الذاكرة, وهذا الفهم لا يصدق في كل الأحوال .

• الاساطير البائدة , وتراسل الحواس :
يحدق محمد حافظ رجب في العالم من حوله , ويقدم نصوصا يتخلي فيها عن فرصة استدعاء الذاكرة القديمة , ويعتمد علي بنية تشكيلية تراعي استعادة الأساطير البائدة , وتراسل الحــــــواس , فمن الصعب في عالم يتجه إلي هوة العدم أن نري كل شيء بأبصارنا ، أو أن نسمع ـ فقط ـ بآذاننا , او نكتفي بالشم عن طريق الأنف وحده .
لذا تذخر قصصه بتراسل الحواس , فيمكن أن يري الأشياء بأذنيه , ويستطيع أن يري بالـاــــــمس , أ و يسمع عن غير طريق الأذن .
كل هذه المواضعات القديمة لا تهمه , هو يبحث أولا وأخيرا عن الإدراك , والسمع والبصر كما نعرف هما أهم عناصر الإدراك لدي الانسان , غير أ ن القاص ـ وتحت وطأه الخلل الاجتماعي , والنكوص النفسي ـ يعتمد علي تراسل الحواس .
إ ن الرغبة لديه متزايدة كي يلج إلي جوهر الأشياء , وسيحتاج الأمر دائما إلي القفز فوق الموانع الطبيعية التي تعوق عملية التواصل . فيمكن إثراء الذاكرة التي يصعد إليها الكاتب علي جدارمن التخييل اليقظ من خلال تعظيم الأ نا , ورفض كل المحاولات القديمة لتأنيب الذات , ودمجها مع الجماعة .
والشيء اللافت للانتباه أن تراسل الحواس تسعي إلي اقـتناص ما وراء المعرفة المجانية ،إنها تتسرب نحو الباطني , وتخدش القشرة الصلدة الخارجية , وصولا الي الجوهر .
وبقدر ما تحاول المعرفة دحض كل ما هو وهم , فإنها ـ وفي المقابل ـ تسعي الي إحياء أساطير بائدة عن بشر يتحولون إ لي زواحف , أوأن أرجل بشرية تتحول الي قطع خشبية .
وهي تحولات غير التي عرفناها عند " فرانتس كافكا " فهي تركب الموقف , وتسقط الاحتمالات المفتوحة إلي ما لا نهاية .
إ ن الاسطورة البائدة , وفي نصوص محمد حافظ رجب لها منحي تأملي , تهكمي , ثم هي تأخذ اشكالا جنينية لفكرة " الواقعية السحرية " التي ستشيع بعد ذلك فور ترجمه آداب أ مريكا اللاتينية إلى كافة اللغات الحية .
نقرأ في قصه " حكاية رجل يترنح " من مجموعة " اشتعال الرأس الميت " هذا المقطع :
" تدحرجت عربة الأ حجار المتثاقلة فوق رصيف سكني . الثانية وخمس دقائق .. ألقيت بملابسي داخل النافورة لتبرد وحدها . سخرت المرأة مني. خير لي أن أعود إلي ثدي أمي ، أحمله .. أ دخل به علب سجائري .. أ جلس فيها بلا حركه تعوقني " .
هذا التشكيل الفانتازي يتردد عبر قصص حافظ رجب كلها , ويولد الدهشة , ويكشف عن الانفصام التام بين الاحلام الموؤدة ، ,و بين الواقع المأزوم . إن العلاقات تتكون في ذاكرة مزدحمة بتفصيلات ماضاوية بائـــسة .

• معني التفكيك :
يذكر " كينيث كلارك " في كتابه الهام " نهاية الحضارة " أ ن الإخفاق في فهم عالمنا يقف وراء الفوضي البادية بصورة أ ساسية في الفن الحديث .
وفي أعمال القاص السكندري محمد حافظ رجب محاولة للتغلب علي فوضي العالم , وهو يقدم محاولة لإعاده ترتيب عناصر تجربته الفنية . لذا يعمد إلي تفكيك عالمه , ثم يعيد البناء اعتمادا علي ذاكرة جمالية توحي بالاطمئنان والتماسك .
قلنا إن الكاتب لا يصور الواقع , ولا يرصد الصراع بصورته العيانية الظاهرة , بل هو يتعمق في دخائل شخصياته , ويستبطن الحدث , ولا يقف عند ترديداته البادية .
علي رقعة التضاد بين الظاهر والباطني , يفكك القاص عناصره , ويشحنها بخبرته , ثم يعود علي مهل يكون , ويركب , ويشكل معمارا فنيا باذخ الجمال .
التفكيك محاولة للتغلب علي فوضي الأشياء , والتدفق الزمني الحر , ومحدودية المكان . إنه يمسك بحقائق الإدراك الحسي دون أن يخون وعيه لمعرفة ما وراء الظاهرة .
وهو يضفي مشروعية محددة علي المنحنيات , والظلال , وأجواء العتمة , ففيها يتم التخليق الحقيقي للازمة : أزمة الواقع , وانكسار البطل .
التفكيك والحال كهذا لا يعني رسالة احتجاج فكرية فقط , بل هو تمرد حي على الوجـــــود الناقص . لا يمارس الكاتب سلطة الهدم وحدها, لكنه يتجه إلي تفكيك العناصر الواقعية , وتحريرها من سطوة الاعتياد , ويعيد البناء علي غير منوال سابق .
اقرأ قصة " رجل معلق في دوسيه " وستلمح حالة التفكيك المضمرة , ثم محاولة البناء , والاختلاف المثير بين الكائنات في صورتها الواقعية , وبين صورتهاالمتحولة الجديدة :
" اليوم عاد إلي الديوان , كما تعود أ ن يعود بعد رحلة كل هروب .. لاعنا الاستمرار البليد .. حاملا اصرار تجهمه لهذه المدينة وأشواقه لبلده البعيد . عاد إلي الديوان من جديد .. وفوجيء بالرجال المكاتب وقد ظهرت لهم أرجل خشبية زائدة : كل واحد صار له 4 ارجل , وفي داخل قلبه ثقب لمفتاح يدور " .
هو إذا يفكك العناصر ليعيد تركيبها في ذهنه , كي يتغلب علي الخلل الذي يواجهه أ ينما تأمل الحياة . وفي نفس القصة هناك تفكيك من نوع جديد :
" في امبابة فك مسامير جثته , ونحي يقظته جانبا ونام . في الخامسه أيقظه راديو أ مونة . فنهض وأعاد تثبيت مساميره , والتقط يقظته . إلي أين . إلي مسكن صديق له ".
غيرأن التفكيك يأخذ شكل التقرير لإثبات واقع ما ، فالكاتب قد انتهي من إنشاء عالمه الجديد , وعلينا أن نتعامل مع الأمر من هذه الزاوية , وهذا يقترب من يقين الأولياء والمتصوفة !!

• رؤية جارحة :
في حوار أجراه القاص أحمد محمود حميدة مع القاص محمد حافظ رجب ( الثقافة الجديدة ـ العدد العاشر ـ أبريل 1986 ) يؤكد الأخير إن الحاجة كانت ملحة إلي التجديد , كما كانت واجبة ,إ نـها انبثاق من صخور الواقع الوحشي الذي صبغته ظروف وملابسات تلك الفترة .
ويضيف : لقد كنت مضغوطا وضائعا في غابات القاهرة , وكنت أري وأ سمع لعق الذئاب لدماء الإنسان في مصر . ثم يختم شهادته بقوله : من هنا خرجت كلماتي في وجه البوم والخفافيش . لم يكن في هذا الوقت بالإمكان سوي التلميح بالإشارات والرمز . " .
تلك الرؤية الجارحة للواقع انعكست في نصوص الكاتب انعكاسا واضحا وقويا , وجاءت مظاهر التجديد التي أطاحت بكل ما هو معتاد ومكرور , ونقبت عن جماليات جديده أثبتنا بعضها في صدر المقال ومنها : الارتكاز علي منطق فني جديد , وكسر التوقع , وإقتناص الملمح الوحشي , والتداعي بأكثر من طريقه , وتراسل الحواس , وتفكيك البنية القديمة , ثم الرؤية الجارحة التي تؤكد علي تأسيس الشعور بوجود إشكاليات في الواقع .
لقد طرح محمد حافظ رجب صيغة أ شد استفزازا لواقع صادم , يتواطأ مع كل ما هو زائف ورخيص وتابع .
جاء ت نصوص الكاتب لتسخر من الثابت والمستقر , ولتنفي بلاغة النخبة التي استحوذ ت علي السلطة،وجرت البلاد إلى هزيمة عسكرية مريرة . وتحولت لحظات الكاتب المأساوية الي نصوص حيه لاتراعي البعد الجمالي المسيطر , لذا فإن تلك النصوص لها قراءات متعددة , تسمح للقاريء بأن يختار الزاوية التي يعتقد بصحتها , وأ ن يبصر سياق العمل استنادا الي خبرته .
النص الحي الذي قدمه " محمد حافظ رجب " هو نص متطور , متنام علي صعيدي الدال والدلالة معا , وهو قادر علي الاستمرار من نص الي آ خر , بنفس طريقه الأداء التي تزيح أي سلطة معرفية سابقة .

• التأثير ، وتردد الصدي :
نستطيع أ ن نقول بكل صدق أ ن نصوص " محمد حافظ رجب " في مجملها نصوص متمردة , تمارس فعل الاحتجاج علي كلا المستويين الجمالي والفكري . وفي كتابه " نقد الحداثة " لألان تورين ( ترجمه أنور مغيث , المشروع القومي للترجمه , ص 316 ) يتوقف المؤلف أمام مسأله الاحتجاج , ويري " إ ن فكرة الذات بإستمرار مشحونة بالاحتجاج ، لان المجتمع الحديث يميل لأن ينكر إ بداعيتها الخاصة وصراعاتها الداخلية ، ويقدم نفسه كنظام مضبوط آليا , متخلصا بالتالي من الفاعلين الاجتماعيين وصراعاتهم " .
لقد جاء احتجاج محمد حافظ رجب رافضا وبلا مواربة الحيل الشكلانية القديمة , ونظرة الرثاء المنكسرة , فراح يؤسس لنوع جديد من الكتابة , غير مسبوقة في الأدب المصري وربما العربي , وعبر تكنيك فني بالغ الرهافة , وباستخدام لغة حادة وقاطعة قدم أعمالا غير مسبوقة , ولا شك انه استفاد من انجازات الفن التشكيلي السكندري ( بالتحديد الأخوين سيف وأدهم وانلي ) , والزخرفة الشعبية في أحياء غربال، كرموز , الأنفوشى ، وغيط العنب , ثم من لا معقوليه بيكيت وآدموف .
لكنه في كل الأحوال قدم كشوفا جمالية باذخة , وتكوينات لغوية مدهشة , ثم ـ وهذا هو الأهم ـ رؤية حادة للواقع المقلوب , فلقد حرص الكتاب القدامي علي إعاده تنسيق المشاهد اليومـــــــية لتتآ لف وتتساوق مع معرفتهم القديمة , وطريقه تفكيرهم .
لكنه رد المسألة إلي أصولها , وترك العيوب ظاهرة , والمآخذ بارزة , ثم أحاط كل ذلك بموجات صغيرة تقوم بعمليات مد وجذر في محيط التفصيلات المهملة والمهمشة .
أستطيع القول بأن نصوص محمد حافظ رجب علمت أجيالا جديدة من الكتاب , وأضاءت الطريق المرهق بمصابيح قوية , لا تقدم حلولا جاهزة بقدر ما تعبر عن منهج الضدية , ودحض السائد , والبحث عن جماليات غير مطروقة.
إ ن جيل الستينات ـ وعبر نصوص كتابه المجيدين ـ قدموا مادة إبداعية قادرة علي اختراق الجدار المصمت الذي أقامته السلطة , وشمل العطاء حقولا جديده للإدراك وكثافة التجربة الحسية , وكسر كافة الحواجز التي تعوق رحابة الإبداع ، وربما كان إ نجاز محمد حافظ رجب ـ وسط تلك الموجة العارمة من التنوع الخلاق , وزخم المحاولة ـ متوازيا مع إنجازات أخري لم تتوقف أمام الواقعية بشقيها الكلاسيكي والرمزي .
يخيل إلي , أن الكاتب الـــسكندري الكبير , كان يعرف أنه يسبح ضد التيار , وأ ن الكتابـــــــــة أ صبحت لديه هي مادة الحياة التي يغترف منها كنوزها , ولقد تأكد لديه أن أي محاولة لطمس اللآليء التي عثر عليها في القاع كفيلة بضياع التجربة كلها , وطمرها تحت ركام التكرار الروتيني الممل .
لقد راح الكاتب يخسر من الجثث التي تمتليء بها الشوارع والمكاتب ومقاهي الأدباء ليكشف مرة بعد مرة عن حقيقة الخواء الذي يختفي تحت القشرة الصلدة البراقة التي أدرك زيفها .
هذا هو الأثر القوي الذي تركه الكاتب في الجيل الجديد من المبدعين الذين عكفوا علي استجلاء ملامح التجربة , والتعمق في فهم أسرارها التي تتكيء علي بعدين لا يمكن إغفال واحد منهما : البعد الأول : الرفض الكامل للكتابة التقليدية التي ترسخ للوحدات المستقرة ( زمانيه ، مكانيه، ووحدة الحدث ).
البعد الثاني : استنفاز الطاقة الجمالية الكامنة في طيات التجربة , وتحرير الكتابة من الصنعة الجاهزة " والأكلشيهات " المستقرة .
ولا يعني التمرد علي أشكال الكتابة السابقة نوعا من التعالي , بقدر ما يطمح الكاتب إلي الانفلات من كل الصيغ النمطية في الأداء , والرتابة في التفاعل مع الموقف .
إن نصوص محمد حافظ رجب بمحمولاتها الفكرية , ومستوياتها الجمالية تعضد موقف الجيل الجديد في مشروعية البحث عن آفاق جديده للإبداع , وبشكل قصدي , عبر رؤية مختلفة تعتمد اساليب سرد مغايرة , وتستنهض نبرات لغوية متنوعة .
ولا يخفي علينا أ ن الكتابة التي خرج علينا بها محمد حافظ رجب منذ أكثر من ثلث قرن تقريبا ، قد كشفت عن مناطق غير مطروقة في الحكي , فبجانب عوالم يوسف ادريس المترعة بالــحياة , وإ ضافه إلي فسيفساء ادوارالخراط وكشوفه اللغوية العارمة بالمتعة , وفي محاذاة عطاءات كتاب عظام مثل بهاء طاهر , وخيري شلبي , وصبري موسي , وعبد الحكيم قاسم , وابراهيم اصلان ,وجمال الغيطانى ،وعبد الوهاب الأسوانى،ويحيى الطاهر عبد الله ،وابراهيم عبد المجيد ،واجتهادات يوسف القعيد وعبد العال الحمامصى ومحمد مستجاب ومحمد مبروك ، وغيرهم من كتاب القصة والروايةفى مصر ,أصبح بمقدور الناقد المنصف أ ن يتوقف طويلا أمام تجربة محمد حافظ رجب ليسجل حقيقة أن هذا الرجل قدم كتابة مغايرة , وأبحر في لجة أمواج عاتية , واستطاع أ ن يقدم لآليء ثمينة للقراء المصريين والعرب .
وأجمل ما في تجربة محمد حافظ رجب أنها اتكأت علي عصامية فريدة , وأعتقد أن مشروعه الإبداعي قد صار المهاد الحقيقي لجيل تال من المبدعين , الذين نهلوا من التجربة , ثم شرعوا في ارتياد طرق جديدة . فقد علمهم هذا الكاتب أ لا يستنيموا إلي الجاهز، وأن يبحثوا بأنفسهم عن فضاءات ابداعية جديدة !!


سمير الفيل
فى منتصف الستينات جلجل صوت فى فضاء السرد العربى الحديث : " نحن جيل بلا أساتذة " ، وكان محمد حافظ رجب يعنى أن كتابة جيله تخاصم السائد والمألوف ، وقد تقدم فى هذا المجال بنصوص عالية القيمة . كلمة للتاريخ وددت تسجيلها .
جمال سعد محمد
المبدع الفذ سمير الفيل كل التقدير لهذا الجهد المبهر ولا شك فى أ ن هذا القاص الاجمل والطليعى يستحق ما هو اكثر من ذلك . لكن التقصير منا نحن النقاد واصحاب الاقلام فنحن دوما نجلد انفسنا ولا نحتفى بالافذاذ الا بعد رحيلهم وربما تحضرنى كلمة الدكتور عبد القادرالقط الذى قال اننا نكتب أكثر مما نقرأ.
د. حسين علي محمد
أشكر الصديق الأستاذ سمير الفيل على هذه القراءة الجادة في قصص محمد حافظ رجب، وهذه فقرات من كتابي "جماليات القصة القصيرة" (ط1، القاهرة 1996م) عن محمد حافظ رجب:
***
حينما نشأت القصة القصيرة في مصر في أواخر القرن الماضي كان الأسلوب رتيباً، والعبارات مسجوعة كأسلوب المقامات تماماً، ثم جاءت النقلة على أيدي محمد تيمور الذي كتب أول قصة قصيرة عام 1927م بعنوان «في القطار»، ثم اهتمت الصحف والمجلات بالقصة القصيرة، فنشرتها لجذب القراء على سبيل التسلية، وظهر رواد المدرسة المصرية الحديثة: يحي حقي ومحمود طاهر لاشين وعيسى عبيد وغيرهم. واتصلت القصة بهموم الإنسان المصري وآماله وأشواقه، وطموحاته وإحباطاته.
ومن حيث الشكل ظلت القصة الموبسانية المحافظة على «الحدث، والزمان، والمكان، والعقدة، ولحظة التنوير» هي السائدة حتى الستينيات، حيث ثار محمد حافظ رجب على هذا الشكل التقليدي، وكتب قصته «الكرة ورأس الرجل» التي أثارت ضجة كبيرة، واتهمه يومها أحد محرري مجلة «الثقافة» بالجنون!
وتوالت قصص محمد حافظ رجب «أصابع الشعر»( )، و«مخلوقات براد الشاي المغلي»( )، و«عظم في الجرن»( ) … وغيرها.
(3)
هل كنا في حاجة إلى ثورة محمد حافظ رجب على القصة «الموبسانية» المصرية القصيرة؟
وأقول: نعم.
فالخطابية والتقريرية أفسدتا عاينا فن القص في الفترة الأخيرة.
إن الأدب العالي عليه أن يشير ويُلمِّح لا أن يُصرِّح أو يُقرر. وهذا هو الفرق بين صوت الأديب وصوت الواعظ.
ونقدم هنا نموذجين من القصة المصرية المعاصرة، لنتعرف على أن ميدان القصة كان في حاجة إلى فارس جديد كمحمد حافظ رجب كي ينتشل القصة من وهدتها التي وقعت فيها.
أ-في «الكتاب الذهبي» الذي تُصدره مؤسسة «روز اليوسف» صدرت في عدد أكتوبر 1965م مجموعة قصصية ليوسف إدريس بعنوان «لغة الآي آي»، وهي تضم اثنتي عشرة قصة قصيرة، نشر بعضها بمجلات «الكاتب» و«الهلال» و«صوت الشرقية»، والبعض الآخر نشر في مجلات أخرى. وفي هذه المجموعة نرى تفشي الأسلوب الخطابي والتقريرية.
ففي أولى قصص الكتاب بعنوان «حالة تلبس» يقول:
«المشاكل نحن نخلقها حين نفتقر إلى التفاؤل .. والتفاؤل هو الإرادة .. وبالإرادة القوية تصبح الحياة كالبساط الممهد «بساط الريح» .. عش واضحك، واطلب القمر يأتيك( ) .. وكل ما في الحياة لا ريب فيه»( ).
قد يحتمل أسلوب يوسف إدريس الصحفي هذا، أو أسلوبه في المقالة، أو الخاطرة، أما القصة ـ ويوسف إدريس زعيم من زعمائها ـ فلا تحتمل هذه الأساليب الخطابية التي لا يُمكن أن تصنع عملاً أدبيا جيداً( ).
ب-فاز الأديب محمد الموافي الزامك، وهو أديب مهندس شاب يعمل في مصنع بطلخا بجائزة مجلة «الشباب العربي» عام 1967م للقصة القصيرة عن قصته «صراخ الصمت»، والقصة فيها أناقة في الاختيار للحدث والشخصيات، وجمال في الموضوع، ومحاولة جيدة في المُعالجة.
والقصة ترمز إلى معنى إنساني ووطني كبير؛ فهي تصور الأمل والتصميم اللذين بزغا في يومي التاسع والعاشر من يونيو 1967م، ووُلِدا في ظلام النكسة القاتم، واختار رموزاً تُعبِّر عما يُريد في سهولة ويُسر.
ولكن الزمام أفلت من يده، فانقلب الرمز إلى تصريح، وفسدت اللعبة ـ لعبة المغامرة الفنية ـ حين قال:
«القومية العربية تكالبت عليها الأنياب السامة والأظافر الجارحة والحقد المجنون والغضب الأعمى، ولكنها أقوى من الضربات، وأصلب من المؤامرات، إنها بالإرادة والحق والإيمان .. قومية خالدة»( ).
كانت الخطابية ـ أو اللغة المباشرة ـ التي رسّخها التيار الواقعي في القصة المصرية القصيرة معولاً لهدم البناء الفني، وكان لا بد من فنان جريء ، لا يسبق زمانه، ولكنه يعرف ما تتطلبه اللحظة من مغامرة الإبداع .. أن يجيء!
وجاء محمد حافظ رجب، وكانت قصته «الكرة ورأس الرجل» ميلاداً للقصة المصرية الحديثة.
(4)
في قصة «الكرة ورأس الرجل» لا نرى بناءً تقليديا، ولكننا نرى أنفسنا في مواجهة حدث جاد: الكاتب يكتب في صحيفة هجرها قراؤها، والملاعب مملوءة باللاعبين والمتفرجين. ويتقاطع الخطان الرئيسان: رأس الرجل (الكاتب) من ناحية، والكرة من ناحية ثانية.
الكاتب لا يقدم لنا قصة منطقية، أو حدوتة متتابعة الأحداث، وإنما يُعالج فكرةً معالجة فنية خالصة بالصورة والحدث والمُفارقة والتداخل بين الأشياء. إنه ينزل إلى ساحة اللعب ويُقيم تداخلاً بين رأسه وكرة القدم، فتكون رأسه تارةً على كتفيه، وتارة أخرى بين أقدام اللاعبين، وتارة فوق كتفيه مكان رأسه، وهكذا. ويقع شجار وحوار بين المتفرجين واللاعبين والحكم والكاتب. ويتم الاختلاط على أرض الملعب وفي الحديث بين الثقافة واللعب، وبين رأس الكاتب وكرة القدم، وبين الحلم والواقع، وبين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، وهو اختلاط يزخر بالألم والحدة والدماء والسخرية والمرارة وينتهي في النهاية إلى إصرار الكاتب على أن رأسه يُمكن أن يقف مع الكرة( ).
واللغة مكثفة، لا تخضع لقواعد البلاغة التقليدية، بل تُحاول أن تُدخلك في عالم القصة، وهي شديدة الحساسية في مثل قوله وهو يجتاز بنا التجربة، ويقترب من النهاية:
«ارتفعت صيحات الآلاف تثقب سور الملعب، فدخل الواقفون خلف السور بلا تذاكر.
رأسي مع فريق اللاعب الذي اختاره.
الفريق فاز حتى الآن بأربعة أهداف.
اصطدم رأسي بشياك الفريق الآخر الذي رفض اللعب به، فانتزعه حارس المرمى من الشباك بغيظ .. انتزع بإصبعه شعيرات من رأسي تساقطت .. فصررتُ على أسناني من الألم.
ولكن أحد اللاعبين صوّب رمية عنيفة أصابت مخي تماماً فتناثرت محتوياته، ورأيت أوراق الكتب الكثيرة التي قرأتُها تتطاير في الهواء.
صحت قفوا المباراة .. قفوا المباراة ( ) .. أوراقي تطير في الهواء، وأسرعتُ أجمعها وأضعها في جيبي»( ).
وفي النهاية:
قال الشرطي لي:
ـ ماذا ستفعل؟ رأسك مع الفريق الفائز؟
قلت له: في الحقيقة أنا أشعر بالسرور، لقد أثبت لهم أن رأسي في إمكانه أن يقف مع الكرة، وهذا يكفي»( ).
وهذه هي النهاية التي يُحدثها تقاطع الخطين الرئيسين: «إن الكلمة يمكن أن تجذب، وتُثير اهتمام الناس وحماستهم»( )، كالكرة تماماً.
وهذه قصة واحدة لمحمد حافظ رجب، تُرينا أن أفكاره طيبة، ومُعالجاته ليست تقليدية، وإنما يستخدم إمكانات معاصرة، منها: تيار الوعي، وتقطيع الحدث، واستعمال الحوار بذكاء على المستويين: الواقعي (واقعية الشخصيات) والرمزي، وقبل كل ذلك تحطيم «الحدوتة» التي أصبحت تُشكل سوراً ضخماً يمنع تيارات الحداثة من اقتحام عالم القصة المصرية القصيرة.
(14)
ولهذا فنحن لسنا مع علي زين العابدين مبارك.
ليرفض هو أدب محمد حافظ رجب، وليكن في غير حاجة له، أما نحن ففي حاجة إلى كل كلمة صادقة تُكتب لتُثري حياتنا الأدبية التي أغلقت الأبواب والنوافذ على تجربتها فأصابتها بالكساح!
ومن الفأل الحسن أن كتابات محمد حافظ رجب أخذت تُلاقي تقديراً وتفهماً من الكتاب الشبان، ومن يُطالع كتابات الشباب في مجلة «جاليري 68»، بل بعض كتابات الجيل السابق مثل نجيب محفوظ «تحت المظلة» ونعيم عطية «الصعود والهبوط»، وجيل محمد حافظ رجب نفسه: محمد جبريل «الخيوط»، ومحمد إبراهيم مبروك (في أقاصيصه الأخيرة في مجلة «المجلة») .. من يُطالع هذه القصص الجيدة يجد بينها وبين محاولات محمد حافظ رجب نسباً وقرابة.
أما قول علي زين العابدين مبارك بأن هذه القصص لا تصلح إلا في الغرب حيث لا مكان للروحيات، فهو لا يحتاج إلى تفنيد، لأن مغامرات محمد حافظ رجب الإبداعية في البناء، وهو لم يقل لنا في قصصه إنه ينكر الدين أو يسخر منه، والكاتب حر في اختيار بنائه الذي يرى أنه ملائم لقصته ويمتزج بها امتزاجاً فنيا صادقاً، لا يُمكن من خلاله فصل المحتوى عن البناء.
وهذا الاتجاه ـ عند محمد حافظ رجب بالذات ـ كما يقول الدكتور عبد القادر القط عنه في مجلة «القصة» (عدد الطلائع ـ يونيو 1965م): «جدير بأن يخلص القصة القصيرة عندنا مما أصابتها به الواقعية من نثرية مسرفة باعدت بينها وبين الجمال في التعبير والتصوير».
هل نستطيع أن نقول الآن:
إن قصص محمد حافظ رجب التي تتمثّل الآن في مجموعتين قصصيتين صدرتا عن وزارة الثقافة المصرية في العام الأخير تحت عنواني «الغرباء» و«الكرة ورأس الرجل» إرهاصة لإدخال القصة المصرية القصيرة مرحلة جديدة؛ تنزع عنها قشرة «الحدوتة»، ورباط «الحدث، والحبكة، ولحظة التنوير»، وتدخل إلى تيار الوعي حيث يمتزج الشخص بالزمان والمكان، مشكلاً من خلال تقاطع هذه الخطوط الرئيسة إضافة للتجربة التي يريد القاص أن يضعنا داخلها كي نرى، لا أن نقف على الهامش؟!!
***



سمير الفيل
الصديق الدكتور حسين على محمد :
سعادتى كبيرة أن يحتفى الموقع بكاتب طليعى مبدع ممن مهدوا الأرض لأجيال جديدة . دراستك الهامةعن الكاتب السكندرى محمد حافظ رجب ترصع الموقع بالرصانة والصدق والرؤية الصادقة التى هى أدوات الناقد الجاد . لك التحية وإلى اللقاء .
د. حسين علي محمد
وأنا أيضاً أشكر سمير الفيل ناقداً؛ فعلى كثرة ما قرأت عن عالم محمد حافظ رجب القصصي فإني أرى دراستك ـ هذه ـ متميزة، عن كل ما قرأت، ونحن في "أصوات مُعاصرة" نُكرِّم علماً في كل عام، فليتنا نتفق على تكريم محمد حافظ رجب في أكتوبر عام 2005م في كتاب (العلم الذي سنكرمه ـ ‘ن شاء الله في أكتوبر 2004م هو الروائي السوري عبد السلام العجيلي، والكتاب قيد الطبع الآن، وعنوانه "عبد السلام العجيلي: سيرة وتحية".
سمير الفيل
الصديق العزيز الدكتور حسين على محمد :
أجدتم اختيار اسم الكاتب الكبير عبد السلام العجيلى للتكريم ، ولعل الكاتب السكندرى المجدد محمد حافظ رجب هو الأولى بالتكريم فعلا فى الدورة القادمة . هو يستحق ذلك ، ويمكن دعوة الروائى والقاص أحمد حميدة ليصاحبه فى حفل التكريم، وليكتب عنه شهادة فهو لصيق الصلة به ، كما قرأت شهادة فى " القاهرة " لعبد الفتاح مرسى عن رجب منذ فترة ، وكلاهما من الثغر السكندرى الجميل .
د. حسين علي محمد
.. وهذا حوار مع الصديق القاص الكبير محمد حافظ رجب، صاحب
صيحة «نحن جيل بلا أساتذة»، نشرته «الشرق الأوسط»، في صفحة
«ثقافة»، نُعيد نشره هنا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

القاص المصري محمد حافظ رجب لـ«الشرق الأوسط»: العنف الذي عشته وتنكر الأصدقاء جعل الكتابة لدي مجرد حطام سفينة
أطلق صيحته في الستينات «نحن جيل بلا أساتذة» وبعدها اغتالته أمراض الحياة الثقافية في مصر

القاهرة: عبد النبي فرج
الشرق الأوسط ـ في 4/12/2004م

لم تكن صيحة محمد حافظ رجب «نحن جيل بلا أساتذة» التي أطلقها في مطالع الستينات من القرن الماضي مجرد خبط عشواء، وإنما كانت تجسيداً لهموم جيل يجاهد في أن ينفض عن كاهله ميراث الكتابة التقليدية، ويشق لنفسه طريقه وهويته الخاصة، سواء في الكتابة الروائية أو القصصية.لقد بزغ رجب في تلك الفترة، وأصبح يشكل رأس سهم مؤثرا وفاعلا في تيار كتابة الستينات، لكن سرعان ما أجهضت أمراض الحياة الثقافية المصرية أحلامه، فانزوى وحيداً في ركنه يتحسر على الأيام التي كان يبيع فيها المحمصات أمام إحدى دور السينما في الإسكندرية، ثم مضى في سبيله ينتقل من وظيفة إلى أخرى، وبين الحين والآخر تشده جمرة الكتابة من بئر عزلته، فيطالعنا بقصة قصيرة لا تخلو من نزق الشهوة الأولى. لا يحب محمد حافظ رجب الكلام للصحف، ويبدو أن الصمت مع مرارة السنين أصبح لغته غير المنطوقة. بصعوبة انتزعنا منه هذه الكلمات والتي يكشف فيها عن لمحة شديدة الصدق والخصوصية من حياته. وهنا نص الحوار:
* ما العوامل التي دفعتك إلى كتابة نص مختلف عن ميراث الكتابة المصرية في ذلك الوقت؟
- كنت في أشد التعاسة، وصرت على وشك الانهيار الكامل، فكانت تلك القصص التي ظهر بعضها في مجموعات مشتركة مع الأصدقاء، مثل «عيش وملح» و«غرباء» ثم «الكرة ورأس الرجل». كانت هذه الكتابة بالنسبة لي هي حطام السفينة الذي تمسكت به، وكان علي أن أسبح بحطامي، فسبحت، فكان هذا الوميض الذي قد يكون مختلفاً عن الكتابات الموجودة في ذلك الوقت، بالإضافة إلى الافتتان بالكتابة التي كانت تترجم آنذاك بالعظيم مكسيم جوركي، الذي عرفنا على كتابة مختلفة، شديدة الارتباط بالإنسان، وبالحياة في الوقت نفسه.
* في قصص «اشتعال الرأس الميت» و«طارق ليل الظلمات» تبدو الوحشة والعنف وكأنهما المحرك الرئيسي والخفي للسرد، وكأنه ناتج عنهما، إضافة إلى عنف خاص بداخلك، وأنت اشتهرت بخناقاتك في تلك الفترة خاصة خناقتك مع القاص الراحل يحيى الطاهر عبد الله، كيف ترى ذلك؟
- الوحشة هي نتاج وحشية ما رأيته من عنف قاهر. في ذلك الوقت كنت أعمل وأنا صغير أبيع المحمصات بجوار سينما ستراند الشهيرة بمحطة الرمل بالاسكندرية والتي تمتليء بالبشر وبائعي الجرائد واللصوص والبلطجية والمتسولين، بالإضافة إلى الحروب التي كانت قائمة في ذلك الوقت، من الحرب العالمية الثانية إلى حرب 48، وحرب 56 و67، كل هذا العنف الذي عشته هو الدافع الأول، ناهيك عن ظروف الحياة المريرة والخانقة. أما بالنسبة لخناقتي مع يحيى الطاهر عبد الله فقد كان الصحافي أحمد صالح رئيس تحرير «أخبار النجوم» يعمل ريبورتاجاً أدبياً عن جيل بلا أساتذة، لينشر في مجلة «آخر ساعة». بحثت عن أحد ينطبق عليه جيل بلا أساتذة لم أجد إلا يحيى، وأخذ يحيى يرقص ويتحنجل أمام الكاميرا، وكل ما أقول له إهدأ يا يحيى، يقول: أنا باتعالج نفسياً. وعند قهوة الجيزة فوجئت بقريبه الذي أحضره معه يحتضنني، ويحيى ينهال علي ضرباً، وعندما استطعت الإفلات منهما أسرعت وكسرت زجاجة بيبسي وجريت وراءهما في الشارع، لكن التحقيق في هذه الواقعة ودوافعها لم يكتمل.. لكنها خلفت في نفسي جرحاً عميقاً آنذاك.
* من في جيلك من الكتاب تحبهم وتعتز بكتاباتهم، ومن الذي أثر فيك؟
- كثير من الكتاب، لكن الأهم ابراهيم أصلان، وعبد الحكيم قاسم، لكن الذي أثر في بقوة هو الكاتب المصري العظيم يوسف إدريس، الذي لم يؤثر في وحدي، لكنه أثر في كل الأجيال التالية له.
* تقطيع الزمن في قصصك، وإيقاع المونتاج هل بسبب تأثرك بالسينما، أم بأشياء أخرى؟
- لقد أوضحت لك قبل ذلك، أنني كنت أعمل بجوار سينما ستراند، أشاهد كل فيلم جديد يعرض، وكان بجوارها سينما الهمبرا. كانت الأفلام - إلى حد بعيد- هي بديل الروايات، كانت الرسوم المتحركة تجذبني بخاصة «توم وجيري» الذي قلب موازين الأمور، القط الأليف في الواقع أراه على الشاشة شرساً، والفأر الجبان الرعديد له من الذكاء والحيلة مما يجعله في مأزق، تعاطفنا مع الفأر على الشاشة، بالإضافة إلى السينما الأميركية القائمة على التشويق والإثارة، حتى لو كان الفيلم حدوتة مكررة، هذا يوضح السرعة في القص والشخوص المضغوطة، وكأنها شخوص كرتونية. ومن ثم التقطيع الزمني يا سيدي نتاج أنفاس لاهثة متحشرجة.
* هل تتفق مع مقولة أن هذا الزمن هو «زمن الرواية». وهل تعيش هذا الزمن بالفعل، ثم لماذا لم تكتب رواية؟
- هذا ليس زمن الرواية، بل زمن الكاميرا، الكاميرا مازالت هي العلاقة المتفوقة في عصر يندفع بجنون إلى الهاوية. أما بخصوص الرواية، فقد كتبت الكثير من الروايات لكنها مقصوصة الجناحين حتى يمكنها أن تنشر، ويمكنك أن تقول إن قصصي هي روايات.
* البعض يرى أن القصة القصيرة فن أوشك على الانقراض، كيف ترى ذلك؟
- المستقبل المقبل من صنع القصة القصيرة، فهي قادرة على تجسيد علاقة العصر الذي يندفع إلى غاياته بلا أثقال وحرج، وأنفاس مجهضة مثلما يحدث في الرواية. القصة القصيرة هي أكثر الأشكال قرباً لروح الإنسان، لكن يجب الانتباه إلى أنني أكتب وأتكلم عن القص الجميل القادر على القبض على جوهر الإنسان، وليس الرثاثة وضحالة الموهبة.
* برغم وحشية عالمك القصصي إلا أن الملاحظ أنك تتميز بشعرية اللغة، كيف استطعت التوفيق بين الإثنين؟
- الكابوس شبح الإنسانية السائرة باهتزاز عميق وزعيق، والشيطان الأكبر هو هذه القوة المدمرة المسيطرة على أعناق الأمم والشعوب والإنسان الفرد، الرصاص يدوي في كل مكان، انه مشهد يوم عظيم، الكابوس سيد الموقف الآن، سواء كان في العراق أو السودان أو الهند أو أفغانستان. ولغتي الشاعرية، كما تقول، هي لهاثي في هذا في العالم الموشوم بالوشم الوحشي الذي حاولت من خلالها أن أهرب من قتامة هذا العالم والرؤى السوداوية والحروب والقتلة والجماجم التي أصبحت سمة أساسية في هذا العصر.
* في «طارق ليل الظلمات» كان السرد أكثر انتظاماً واكتمالاً وأقل تفكيكاً من «الكرة ورأس الرجل» لماذا؟
- أنا ولدت في الإسكندرية الكوزموباليتانية، إسكندرية دأرييل وكفافيس، ورأيت وسمعت اليونانيين، والمالطيين، والإيطاليين، والفرنسيين، بالإضافة إلى الفقراء من الصعايدة والنوبيين والفلاحين والمغاربة الذين قذفت بهم عوامل الطرد الاقتصادي. كنت مطارداً في الأحياء الشعبية «بائع سريح» من الشرطة، وحاولت أن أعبر عن هذا العالم المسحوق تحت وطأة الفقر في «مخلوقات براد الشاي» و«الكرة ورأس الرجل». كما كنت في ذلك الوقت شاباً أعيش الحياة وبي رغبة في امتلاكها، لكني كنت أحس بأنني تحت المقصلة تماماً. أما الآن فقد هد القلب التعب وخشع إلى الله وحده. اليوم أنا في معترك جديد. لقد أخذني الشيطان كثيراً ولكن الآن أنا في مفترق طرق حقيقي لا لهو فيه ولا خداع.
* بالنسبة لعبثية السرد والبناء الروائي.. هل تأثرت في ذلك بتيار العبث في المسرح العالمي، الذي كان مزدهراً في ذلك الوقت؟
- العبث صرخة أوروبا ضد اندحار القيم، إنها قفزة هائلة لكنها بائسة، الأيدي والأرجل ممزقة. وعندما وصل إلينا تيار العبث من خلال الترجمات، تأثرنا به بشكل عميق وصرنا نباهي بأننا امتلكنا هذا العالم وكأننا نحن الذين صنعناه، ورغم ذلك أنا متفائل وستتبلور الرؤى شيئاً فشيئاً وسنخرج من قارورة العسل المر، ونحن أشد عزماً وقدرة.
* انضممت إلى الماركسيين بين 54 و56 ما الظروف التي دفعت بك إلى ذلك خاصة أن لك ميولاً إسلامية؟
- انضممت لمدة أسبوع واحد في خلية يرأسها الدكتور حسونة حسين أحد كوادر الحزب حتى قابلت الناقد الراحل علي شلش. كنت أقابله في المقهى وفوجئت به يقول للموجودين «يا جماعة حافظ رجب انضم لتنظيم ماركسي»، طبعاً أنا ذعرت وقلت «هو فيه تنظيم سري يبقي علنيا بالشكل ده». ثم في عام 56 كونت رابطة في مقهى الفنجلي بالاسكندرية وانضم إليها عدد كبير من الماركسيين. وحين امتلأت القهوة بالمخبرين استدعاني بعد ذلك ممدوح سالم وزير الداخلية ورئيس الوزراء في عهد السادات، وكان في ذلك الوقت ضابطاً في مديرية أمن الإسكندرية وقال لي: «إن الشيوعيين يحومون حولك اليومين دول»، قلت له «لا يوجد حد يقدر يلفني»، قال «طيب لو أي حد قرب منك منهم بلغني فوراً»، قلت له حاضر، وتلك كانت حكايتي معهم.
* ماذا تفعل الآن؟
- لا شيء أسمع النشرات الإخبارية وكل يوم أزداد تعاسة من الوضع الذي وصلنا إليه في العراق وفلسطين وأفغانستان، وأنشر قليلا من القصص كل حين وآخر في مجلة الثقافة الجديدة الذي يرأس تحريرها الناقد سامي خشبة الذي احتفى بي قبل ذلك ونشر لي «طارق ليل الظلمات».

* من أعماله:

- «عيش وملح» مجموعة قصصية بالاشتراك مع الدسوقي فهمي، صدرت في الستينات.
- «الكرة ورأس الرجل» مجموعة قصصية صدرت عن الهيئة المصرية للكتاب.
- «اشتعالات الرأس الميت» قصص قصيرة، صدرت عن دار سعاد الصباح.
- «طارق ليل الظلمات» قصص قصيرة صدرت عن الهيئة العامة للكتاب، سلسلة كتاب فصول.
- «حماصة وقهقهات الحمير الذكية» مجموعة قصصية، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة.
الشرق الأوسط ـ ثقافة، 4/12/2004م
د. حسين علي محمد
بعد عامين من الاحتلال: رؤوس العراقيين كرات تتقاذفها ارجل المحتلين

عبد الرحمان مجيد الربيعي

بعد عامين من العدوان فالاحتلال، نحن امام عراق لم يبق منه غير الاسم وخارطة لها حدود واضحة مع الدول المجاورة لكنها في الداخل ليست كذلك. كل جهة تريد قضم المزيد من الاراضي لتوسيع مساحتها العرقية او الطائفية، وبأي ثمن كان.
اكراد العراق بهمة زعيميهما المغوارين ما زالوا يساومون علي انتمائهم للعراق، كأن ذلك منة منهم عليه، نسوا ان الارض التي يعيشون فوقها هي ارض عراقية حتي قبل ان ينتقلوا للاقامة فيها قبل مئات السنين فوجدوا الترحيب والحفاوة. وشغلوا اعلي المناصب في الدولة الوطنية العراقية لا بصفتهم اكرادا بل كعراقيين اولا وعاشرا، وقد اورد البعض ان نوري السعيد ابرز سياسي عراقي في العهد الملكي كان كردي الاصل، ولم يثر هذا امتعاض احد لانه كان يتحدث كعراقي وليس ككردي.
لا شاغل للزعيمين الكرديين اليوم الا كركوك، يريدان اقرارا بكرديتها من قبل ما يسمي بالائتلاف الوطني حتي ينضما الي الحكومة رغم ان الطالباني سيكون رئيس جمهورية العراق العربي ـ هكذا! ولا ادري كيف سيتم التعامل معه في مؤتمرات القمة مثلا. وهو الكردي الشوفيني حتي النخاع! ووزير خارجية العراق كردي هو الاخر.. لماذا؟ هل تكرد الوطن الكبير كله؟! ام هل ضاع الرجال؟!
ليتذكروا ان العراق عربي اولا وعاشرا، ووجود قوميات اخري فيه لا يعني تسليم المواقع السيادية لها، لانها ستبدو نشازا في محيط عربي متجانس.
بورصة العرض والطلب ورشوة المناصب الكبيرة يمنحها من لا يملك حق منحها لهذا الطرف او ذاك من اجل ان تتشكل الحكومة، والبعض لا هم له الا المنصب، او كما يقول المثل الامارة حتي ولو علي حجارة والناس صوتت لصورة السيستاني الايراني لتدخل الجنة ويمضي الحماس بأحد الصحافيين المساندين للصهاينة واعني به توماس فريدمان لان يطالب بمنح جائزة نوبل للسلام للسيستاني لانه جاء بالديمقراطية للعراق.
ولا تستغربوا ان فاز بها، ففريدمان لا ينطق عن الهوي.
ديمقراطية والبلد يحترق، وحروب (ملوك) الطوائف مشتعلة نيرانها، وكل يريـــــد كســــــب المزيد لطائفته وعرقه، وستأخذنا الفدراليات فنصبح سكان كانتونات متحاربة.
تظهر المقالات المادحة للديمقراطية التي حلت في العراق، ديمقراطية جعلت جنود الاحتلال يحولون رؤوس المواطنين العراقيين الي كرات يركلونها بأحذيتهم في فانطازيا خرافية تنبأ بها ذات يوم احد كتاب الستينات في مصر هو محمد حافظ رجب في احدي قصصه عندما تصور بطلها رأسه وقد حل بين اقدام اللاعبين بدلا من كرة القدم.
ها هم جنود الاحتلال يحولون ذلك الكابوس الي واقع فاهنأ يا صديقنا محمد حافظ رجب لهذا الكابوس!
وبدلا من ان تخرج المظاهرات تنديدا بالاحتلال في الذكري الثانية للعدوان علي الوطن الغالي الذي نذكرهم بان اسمه العراق تعبأ النفوس في مظاهرات تذهب باتجاه آخر. نحو الاردن ثم اخيرا نحو سورية فكأنهما من احتلا العراق.
وتتسع المشكلة وينشغل بها الناس ليبتعدوا عن همهم الاساس، عن وطنهم المحتل، عن جنود الاحتلال الذين يلعبون الكرة بالرؤوس، عن مجازر الفلوجة والنجف والرمادي وسامراء والموصل، عن جرائم سجن ابو غريب التي يندي لها جبين الانسانية. عن الدبابات التي تدنس الشوارع، وانفاس المارينز التي تلوث الهواء!
ان هذا التأجيج الطائفي والعرقي في العراق لابد ان يصحوا الناس عليه، ويدركوا الي اي درجة هم مضللون ضائعون، وان حربهم الاولي والاخيرة هي مع الاحتلال واتباعه الذين لن يبقوا يوما واحدا في العراق ان غادرته قوات الاحتلال.
العراق الواحد الذي احببناه لن يفرط به هؤلاء الذين لم تبق علي جباههم قطرة من حياء. هؤلاء الذين اوغلوا في الخيانة ليجعلوها في قاموسهم مجرد وجهة نظر.
بئس ما هم عليه. والمجد للعراق ولرايته الشماء التي لابد وان ترفرف علي الجبل والسهل رغم انوفهم!
انه العراق.. انسيتم؟!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*روائي من العراق.
سمير الفيل
شكرا للدكتور حسين على محمد ..
هذا مشهد عبثي قدمه محمد حافظ رجب قصصيا في الستينات ..
والربيعي يرصده سياسيا في العام 2005.
يالها من مفارقة ؟
سمير الفيل
الدراسة للرفع

[/color]

[color="#3333ff"]تحية للقاص السكندري الطليعي

محمد حافظ رجب



.
Invision Power Board © 2001-2009 Invision Power Services, Inc.