د. حسين علي محمد
14-01-2004, 11:08 am
قراءة في مجموعة «الناس والعيب» لعنتر مخيمر
بقلم: أ.د. حسين علي محمد
................................
(1)
«الناس والعيب» هي المجموعة القصصية الأولى للقاص عنتر مخيمر، وتضم إحدى عشرة قصة قصيرة كان القاص قد نشرها في الستينيات بين أعوام (1963 و1969م) في مجلات: «الأديب» لألبير أديب، و«الأدب» لأمين الخولي، و«القصة» لمحمود تيمور، و«الثقافة» لمحمد فريد أبو حديد … وغيرها، قبل أن ينشرها في مجموعة قصصية عام 1970م.
وتهتم هذه المجموعة بتصوير العوالم النفسية لأبطالها (وهم من الناس العاديين أو المهمشين)؛ فبطل «الناس والعيب» منزعج لفكرة زواج أمه، ويرى أنه الحلال الذي ليس يُغتفر. وبطل قصة «جنون من نوع آخر» يرى أنه مجنون، وجنونه «من النوع الذي لا ينعم به غير أولئك الذين حققت البشرية بفضلهم التقدم الهائل الذي نراه ونعيشه الآن في كل مجالات الحياة، إنه جنون العبقرية»(1)، بينما يُحدثنا في قصته حديثاً يبعث على الملل عن تجربة تافهة له في شُرب سيجارة!. وفي قصة «أيام تمر» نرى عالم البطل الداخلي المأزوم في ترك حبيبته له من أجل عريس يربح في يومين أو ثلاثة راتبه عن شهر كامل، وفي قصة «ضياع» نرى بطلاً مأزوماً؛ فقد تركته زوجته بعد شهر واحد من الزواج، وطلبت الطلاق لأنه مريض بالسل، وفي قصة «مبروكة» يُطلعنا على معاناة خادمة، لا تجد وسيلة للهرب من معاناتها مع سيدتها ذات القلب الفظ سوى أن تستدعي في ذاكرتها صوراً من طفولتها السعيدة، يوم أن كان لها أب يحنو عليها، وفي قصة «أمام المرآة» ـ وبطلتها خادمة أيضاً ـ ترى البطلة مأساتها في أنها أجمل من مخدومتها، وتتأمل صورتها في المرآة فلا تملك إلا أن تخاطب نفسها: «يا خسارة يا فتحية .. حلوة، لكن … فقيرة، والفقراء مكتوب عليهم الشقاء والغلب»(2). وفي قصة «الصبي والحياة» نرى بطلها الصبي «بموت أبيه ضاع كل شيء .. مضت الأيام الحلوة ولن تعود .. أُخرجَ من المدرسة، ولم يجد أمامه أي عمل غير أن يشتغل ماسح أحذية .. كما اشتغلت أمه خادمة في بيوت الناس»(3). وفي قصة «رجل فاقد الوعي» نرى البطل من الباعة الجائلين، وقد أوشك النهار أن ينتهي ولم يبع شيئاً! إنه يريد زبوناً واحداً يشتري شيئاً منه، فهو لا يريد إلا ثمن رغيفين من الخبز لطفله الذي لم يأكل شيئاً من الصباح.
ومن الملاحظ على القصص أنها تجنح إلى الواقعية، التي كانت تشيع في الستينيات الميلادية في مشهد القصة القصيرة المصرية، ويوازي اهتمامَ القاص بالحدث اهتمامُه بتصوير نفس البطل وما يمور فيها من خواطر وخلجات.
(2)
أبطال عنتر مخيمر ـ في مجموعته الأولى ـ مأزومون، وأزماتهم قدرية، لكنهم عندهم القدرة على التأمل في أزماتهم، واستنباط فلسفتهم البسيطة في الرضا بالمقسوم، ورؤية مُفارقات الحياة برحابة صدر.
إن بطل «ضياع» تطلب زوجته منه الطلاق لأنه مريض بالسل، ويُحاول إقناعها أن هذا المرض لم يعد خطِراً كما كان من قبل، وأن شفاءه منه أمر لا شك فيه، ولكنها تصر على الطلاق.
«وصر منصور على أسنانه، ومضى في الطريق حتى ألفى نفسه خارج المدينة.
وأبصر في أحد الحقول ثوراً يلتهم طعامه في هدوء ودعة:
تأمله لحظة.
ما أسعده!
وحانت منه التفاتة إلى عربة يجرها حمار، فلوى شفتيه ونظر إلى صاحب الحمار هنيهة، ثم حول عينيه إلى الحمار:
آه لو يعلم الحمار أنه أسعد من صاحبه!
وسعل صاحب الحمار، وكان سعاله جافا خشناً، فتأمله منصور في إشفاق:
ربما يكون مريضاً مثلي .. جسده هزيل ممروض، كما أن سعاله غير عادي، ما أبغض هذا المرض .. ولكني أستحق .. لقد قتلتُ نفسي بيدي!، هذا حصاد أيام العربدة التي عشتها قبل الزواج»(4).
وبطلة قصة «مبروكة» خادمة تشكو من قسوة مخدومتها، لكنها تجد العذر لنفسها أنها قاسية أيضاً مع زوجها:
«مطت شفتيها في حيرة.
سيدي طيب القلب .. ولكن ..
تنهدت، ثم استطردت تقول لنفسها:
ولكنه ألعوبة في يدها، رجال المدن! أين هو من المرحوم أبي؟! لقد كانت أمي ترهبه وتحترمه، وتعمل لغضبه ألف حساب .. أما سيدي فلا يقدر على أن يقول لامرأته: لا ..
إنه لا يفعل شيئاً بغير أمرها ورضاها. تقول له إذا أراد أن يخرج من البيت ليذهب إلى المقهى ليجلس مع صديق من أصدقائه: لا تخرج .. فلا يجرؤ أن يعترض ويقول: لا .. يبتسم فقط، ثم يلوذ بالصمت. مسكين سيدي .. طيب القلب. لا فائدة من طيبته .. الطيبة لا تنفع مع النساء!»(5).
وبطل قصة «رجل فاقد الوعي» لا يريد شيئاً لنفسه، وإنما لابنه الصبي الجائع:
«رفع عينيه إلى السماء.
يا رب ..
وخفّض بصره ثانية في أسى.
زبون واحد فقط .. لا أريد غير ثمن رغيفين من الخبز.
أجال نظراته فيما حوله متفحصاً وجوه الناس في أسى.
الكل تبدو عليهم السعادة وراحة البال ..
حانت منه التفاتة إلى دكان جزار، فداخلته حسرة ضارية.
الدنيا عامرة بالخير، لكن الناس لا ترحم الناس!
طفرت من عينيه الدموع ..
رحمتك يا رب .. جوعي لا يهم .. أنا يمكنني أن أصبر وأن أحتمل .. ولكن المهم هذا الطفل الذي لم يأكل شيئاً منذ الصباح ..»(6).
وهكذا يتناسى الأب جوعه ولا يذكره، وإنما يذكر جوع ابنه والدموع تطفر من عينيْه!
(3)
يقوم الحوار بدور فني كبير في قصص المجموعة، حيث يكشف عن خوالج النفسية، كما يدفع الأحداث إلى الأمام، ومنه هذا الحوار بين البطل وخالته في قصة «الناس والعيب» التي تحمل المجموعة عنوانها:
ـ وهل هذا عيب؟! .. إنه زواج على سنة الله ورسوله.
شمله الغضب، فصاح بصوت متهدج حزين النبرات:
ـ زواج؟! .. عال .. ماذا سيقول الناس؟! .. أتعرفين ماذا سيقول الناس؟!
ـ ماذا سيقولون؟! .. الزواج ليس حراما!
وأنتِ أيضاً لا تخجلين. تُدافع عنها بنت ال …
ـ يا خالتي افهميني .. المشكلة ليست مشكلة حرام أو حلال.
ـ ماذا تكون إذن؟
ـ عمرها 47 سنة وتريد أن تتزوّج؟!
وضرب كفا بكف ..
ـ يا ناس حرام عليكم .. أبدلاً من أن تنصحيها وتقنعيها بأن مثل هذا الزواج سيكون فضيحة! تطلبين مني أن أُوافق على زواجها! .. ماذا جرى لعقولكم؟
قاطعته المرأة وقد ظهر على وجهها تعبير ضجر:
ـ يا بني يا حبيبي الزواج ليس عيباً!»(7).
فالحوار السابق يكشف عن نفسية حانقة على فكرة زواج الأم، غير متقبِّلة للفكرة، رافضة لها.
وكما قام الحوار بدوره في الفقر السابقة، فقد رأينا تصوير ما يمر داخل النفس من خواطر يُكمل الصورة التي يُريد القاص رسمها. وهذا ما يتضح في استعماله للحوار في معظم القصص. ففي قصة «مبروكة» تجيء السيدة من الخارج فتجد طفلها الصغير يبكي، ويرسم القاص لوحة جميلة، هي من أجمل اللوحات التي صورت الخادمة في القصة المصرية القصيرة. ويبدأ الحوار في القصة منطلقاً من جمالية السرد، حيثُ يكمل رسم الصورة، فتحس به خيطاً رئيساً لا تكمل الصورة إلا به، وتبدأ القصة بهذه الفقرات:
«انفجر الطفل باكياً فزمَت مبروكة شفتيها في ضجر، ونهضت من مكانها في الشرفة، وهرولت إليه وحملته، ثم أخذت تدور به في غرف المسكن، وهي تُلاطفه وتُناغيه، وتغني له بصوت تقطر نبراته مرارة وحسرة. وبدلاً من أن يسكت الطفل ارتفع صوت بكائه، وكأنما قد أزعجه غناء مبروكة.
وتضايقت هذه وأرسلت زفرة غيظ، وصرّت على أسنانها وهي تصفعه بنظرة كراهية، ثم زمجرت قائلة:
ـ ألا تسكت أبداً .. مثل أمك تماماً .. لا تجلب سوى الغم والهم والتعب»(8).
وتدخل أم الطفل وهو يبكي، فيدور بينها وبين مبروكة الحوار التالي:
ـ ألا أخرج مرة وأرجع فأجد الولد هادئاً لا يبكي؟! ..
همهمت مبروكة في ذلة:
ـ ماذا أفعل يا سيدتي؟!
صرخت السيدة وقد استبدّ بها الغضب:
ـ ماذا تفعلين؟! .. سأريك!
وانتزعت ابنها من بين يدي مبروكة، ثم ضمته إلى صدرها في رفق، ولاطفته قليلاً فهدأ على الفور.
زمّت مبروكة شفتيْها ..
لا بد أن يسكت طبعاً .. أليست أمه؟!»(9).
فالحوار في هذه القصة ـ وفي غيرها من قصص المجموعة ـ عنصر فني أجاد القاص توظيفه ليخدم به بناء قصصه القصيرة.
(4)
بقي أن نشير إلى أن القاص عنتر مخيمر في قصصه يومئ ويُشير ويترك القارئ ليستنتج ويضيف إلى النص المقروء تجربته وخبرته ليقرر المعنى الذي قد يقصد إليه المؤلف. وهو في هذا الإطار يذكرنا بمقولة رشاد رشدي:
"يجب على الكاتب أن يتحاشى تقرير المعنى في قصته، فالمعنى في القصة يتخلّلها في البداية والوسط والنهاية، ولا يُمكن أن يُفهَم إلا من مجموع الأجزاء الثلاث، أما إذا احتوى جزء على المعنى دون الأجزاء الأخرى، فإن ذلك يعني أن القصة لا تصور حدثاً متكاملاً له وحدة"(10).
وكل قصص عنتر مخيمر في هذه المجموعة ـ وفي غيرها ـ إذا لخصناها نُفقدها معناها، فالمهم عنده كيف صاغ القصة لا ماذا قالت القصة؛ فالقصة الجيدة "لا تستطيع أن تُلخصها وترويها دون أن تُفقدها معناها، لأن القصة لا تُعنى بنقل الخبر بل بتصوير حدث متكامل له وحدة"(11).
ومن الملاحظ أن معظم قصصه تميل إلى الاكتناز وعدم الثرثرة، فلا تستطيع أن تحذف جملة أو فقرة من قصة، فكل شيء عند عنتر مخيمر بحساب، وهذا ما يميز القصة القصيرة الجيدة عمّا سواها من القصص التي يكتبها أصحابها دون أن يعرفوا الفرق بين القصة القصيرة والمقالة القصصية.
.........................
الهوامش:
(1) عنتر مخيمر: الناس والعيب، مطبعة الشرق عبد النبي، الزقازيق د.ت ، ص15.
(2) السابق، ص52.
(3) السابق، ص56.
(4) السابق، ص36 ، 37.
(5) السابق، ص44.
(6) السابق، ص66.
(7) السابق، ص5.
(8) السابق، ص41.
(9) السابق، ص42.
(10) د. رشاد رشدي: فن القصة القصيرة، ط2، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة 1964م، ص127.
(11) الناس والعيب، ص41.
د. حسين علي محمد
21-04-2004, 09:46 pm
المقالة منشورة في كتاب "أصوات مصرية في الشعر والقصة القصيرة"، ط1، سلسلة «أصوات مُعاصرة»، العدد (88)، دار الإسلام للطباعة، المنصورة 1423هـ-2002م، ص ص95 ـ 102.
د. حسين علي محمد
16-04-2005, 11:05 pm
مبروكة
قصة قصيرة، بقلم: عنتر مخيمر*
......................................
انفجر الطفل باكياً فزمَت مبروكة شفتيها في ضجر، ونهضت من مكانها في الشرفة، وهرولت إليه وحملته، ثم أخذت تدور به في غرف المسكن، وهي تُلاطفه وتُناغيه، وتغني له بصوت تقطر نبراته مرارة وحسرة.
وبدلاً من أن يسكت الطفل ارتفع صوت بكائه، وكأنما قد أزعجه غناء مبروكة.
وتضايقت هذه وأرسلت زفرة غيظ، وصرّت على أسنانها وهي تصفعه بنظرة كراهية، ثم زمجرت قائلة:
ـ ألا تسكت أبداً .. مثل أمك تماماً .. لا تجلب سوى الغم والهم والتعب.
لم يكف الطفل عن البكاء فانطلقت تلعن أبويْه وأجداده، وتندب حظها العاثر الذي جعلها نشتغل خادمةً في بيوت الناس.
وبعد أن توترت دقائق صرخ باب المسكن!
فزعت مبروكة وارتعد قلبها.
من الطارق يا ترى؟! .. مصيبة إذا كانتْ سيدتي .. لا بد أنها هي .. هذا ليس موعد سيدي من عمله. إني أعرف .. حظي أسود دائماً
وهرعت إلى الباب في قلق، وما أن فتحته حتى مرقت سيدتُها إلى الداخل، وقد كشّرتْ عن أسنانها.
حدّقت السيدة في خادمتها في قسوة وغيظ، ثم قالت صارخةً بعد أن صفقت الباب في عنف:
ـ ألا أخرج مرة وأرجع فأجد الولد هادئاً لا يبكي؟! ..
همهمت مبروكة في ذلة:
ـ ماذا أفعل يا سيدتي؟!
صرخت السيدة وقد استبدّ بها الغضب:
ـ ماذا تفعلين؟! .. سأريك!
وانتزعت ابنها من بين يدي مبروكة، ثم ضمته إلى صدرها في رفق، ولاطفته قليلاً فهدأ على الفور.
زمّت مبروكة شفتيْها ..
لا بد أن يسكت طبعاً .. أليست أمه؟! .. تذهب إلى صديقاتها لتثرثر معهن بالساعات بينما تتركني مع ابنها .. بالطبع لا بد أن يبكي.
وزمجرت السيدة في شماتة وقسوة:
ـ أرأيتِ؟!
ـ ألستِ أمه؟!..
تطاير شرر الغضب من عيني السيدة، وقالت بعد أن لكزتها بيدها في صدرها:
ـ هذا ما تُجيدينه .. لا تُجيدين غير الكلام وطول اللسان.
لم تقل مبروكة شيئاً ، ومضت إلى الشرفة، وجلست وقد أسندت ظهرها على حاجزها.
أهذه حياة؟! .. الكلمة الطيبة لا أسمعُها إلا نادراً. كأنها امرأةٌ بلا قلب. لا شيء غير الضرب والشتائم والحرمان .. إنها تحرمني من كل شيء .. حتى من أن أَدَعَ رأسي عاريةً! .. طبعاً إنها تغار مني .. شعري طويل، أسود، ناعم كالحرير .. أما شعرُها ...
وتمثّلت ـ في ذهنها ـ شعر سيدتها، فقفزت إلى شفتيْها ابتسامة خفيفة.
لستُ أدري كيف تزوّجها سيدي
مطت شفتيها في حيرة.
سيدي طيب القلب .. ولكن ..
تنهدت، ثم استطردت تقول لنفسها:
ولكنه ألعوبة في يدها، رجال المدن! أين هو من المرحوم أبي؟! لقد كانت أمي ترهبه وتحترمه، وتعمل لغضبه ألف حساب .. أما سيدي فلا يقدر على أن يقول لامرأته: لا ..
إنه لا يفعل شيئاً بغير أمرها ورضاها. تقول له إذا أراد أن يخرج من البيت ليذهب إلى المقهى ليجلس مع صديق من أصدقائه: لا تخرج .. فلا يجرؤ أن يعترض ويقول: لا .. يبتسم فقط، ثم يلوذ بالصمت.
مسكين سيدي .. طيب القلب. لا فائدة من طيبته .. الطيبة لا تنفع مع النساء!
وزمّت شفتيْها، ثم نهضت لتهرب من أحزانها بالتطلع إلى الطريق، ولم تمض ثوان حتى مسّ أذنيها صوتُ ضحكةٍ صافيةٍ أطلقتها طفلة صغيرة، فأرسلت بصرها ناحية مصدر الصوت، فأبصرت في شرفة قريبة رجلاً أجلس ابنته على فخذيْه، وقدْ أخذَ يُلاعبُها في حنان.
أحست بآلام مريرة تعتصرُ قلبَها، وبحسرة ضارية تنهش في أعماقِها، وندت عن شفتيْها آهةٌ طويلة .. ثمّ تفجّرت براكينُ الذكريات:
أبوها وهو يحتضنُها، ويقبلها في حنان:
ـ كم تحبين أباك يا حبيبتي؟..
ـ أحبه بقدر هذه الدنيا كلها ..
أبوها وهو عائد من عمله، يطرق الباب بطريقة تحبها، وتنتظرها دائماً في شوق ولهفة، وتجري إلى الباب، وتفتحه، وتُبصر لفافة في يده، فتأخذها منه وهي تسألُه في سعادة:
ماذا أحضرتَ معك يا أبي؟ .. ويبتسم، ويربت على شعرها بيده، ويُجيبُ عن سؤالها بقوله: ماذا طلبتِ مني صباحَ اليوم؟
وتُطلق صيحة الفرح وتفتح اللفافة في سعادة.
أحست وكأنها توشك أن تلفظ آخر أنفاسها .. وترقرقت في مقلتيها دموعُ الشقاء.
وقبل أن تجف دموعها انفجرَ في سمعها صوتُ سيدتها:
ـ مبروكة .. أنتِ يا مقصوفة الرقبة.
فزعت مبروكة ..
ـ يا رب! .. متى ترحمُني من العذاب الذي أعيش فيه؟
ورفعت رأسَها، وتطلّعت إلى السماء في ضراعةٍ واسترحام، ثم أسرعت إلى سيدتها، وقد أخذ قلبُها ينتفضُ قلقاً بين ضلوعها.
............................
*عنتر مخيمر: الناس والعيب، مطبعة الشرق عبد النبي، الزقازيق د.ت ، ص ص41 ـ 46.
محمد عبد الله الهادي
21-04-2005, 10:33 am
أمر جميل أن نطل علي عالم عنتر مخيمر من خلال قلم أ . د . حسين
لقد ظلَّ عنتر مشاركاً بفعالية لوقت طويل في الحركة الأدبية بإبداعه وإشرافه علي صفحة الأدب بصوت الشرقية ، ومن خلاله نشر لي العديد من القصص وبإخراج فني رائع مصحوباً دائماً برسوم جميلة .. كما أنني زرته في مكتبه بكلية الصيدلة حيث كان يعمل .
لكنه ترك صوت الشرقية منذ زمن طويل .. ولا أدري السبب الذي دفعه لهذا حتى الآن .. واعتزل تقريباً الحياة الأدبية داخل السشرقية وخارجها .. ولم أعد أقرأ له إبداعاً جديداً .. لم أقابله سوى مرَّة أو مرتين كانت إحداهما في اتحاد الكتاب ..
اعتقد أن عنتر مخيمر ما زال لديه الكثير ليقدمه للحياة الأدبية ، أتمنى من فرع اتحاد الكتاب بالشرقية أن يحاول إعادته مرة أخرى للساحة والإبداع ، لأنه قبل كل شيء من الأدباء المحترمين أصحاب الأخلاق العالية .
د. حسين علي محمد
9-07-2005, 08:45 pm
تُحاول "أصوات مُعاصرة" إعادة الصديق عنتر مخيمر إلى الإبداع، وفي المطبعة الآن مجموعة قصصية له، لعلها تصدر خلال شهر، مع التحية والود.
د. حسين علي محمد
16-04-2008, 12:05 pm
مع القاص عنتر مخيمر
قرأت قبل أن أكتب أكثر من ألف قصة قصيرة
حاوره: أ. د. حسين علي محمد
.....................................
عنتر مخيمر (1938ـ …) واحد من قصاصي الستينيات، بدأ ينشر كتاباته منذ عام 1963م، فنشر عشرات القصص القصيرة في الصحف المصرية والعربية، وأصدر ثلاث مجموعات قصصية هي: "الناس والعيب" و"لعبة يُباركها الشيطان" "و"في الليلة الأولى قالت شهرزاد"، وأصدر رواية بعنوان "الحب شيء آخر"، وكتابا في الخواطر الأدبية بعنوان "قطوف من فيض الخاطر"، وله كتاب آخر بعنوان ".. ويا أعزائي الكبار معذرة" (وهو دراسات ومقالات أدبية ورؤى ثقافية).
كما أصدر كتاباً يضم سبعة حوارات أجراها مع المفكر العربي السعودي الدكتور محمد بن عبد الرحمن الربيع بعنوان "أزاهير الرياض"، وله ستة مؤلفات تحت الطبع هي:
1-حكايات ياسر (قصص للأطفال).
2-أحزان (مجموعة قصص قصيرة).
3-عندما يتحدث هؤلاء (حوارات مع باقة من كبار الكتاب).
4-عندما يتحدث أقطاب الفكر الديني (حوارات دينية).
5-عندما يتحدث العلماء (حوارات علمية).
6-أنت وصحة طفلك النفسية (دراسات تربوية).
وهذه المؤلفات نُشرت متفرقة في الصحف والمجلات المصرية والعربية.
التقيت القاص عنتر مخيمر، وأجريت هذا الحوار معه:
*مَن مِن كتاب القصة القصيرة الذين قرأت لهم قبل أن تكتب أنت نفسك هذا اللون الأدبي؟
-قرأت قبل أن أكتب القصة أكثر من ألف قصة قصيرة، أما الكتاب الذين قرأت لهم فما أكثرهم! .. وكنت أحرص أشد الحرص على أن أقرأ لكتاب من جنسيات مختلفة .. كل الأدباء الأجانب الذين تُرجمت أعمالُهم في مصر قرأت لهم، ومن أشهرهم: جي دي موباسان، وأنطون تشيكوف، وأرنست همنجواي، وألبرتو مورافيا، وسومرست موم، وإدجار ألان بو، ولويجي بيراندللو .. إلخ.
ومن مصر: قرأت أولا أعمال جيل رواد القصة القصيرة: محمود تيمور، وإبراهيم المازني، وإبراهيم الورداني، وإبراهيم المصري، ويحيى حقي، ويوسف جوهر .. إلخ، ثم قرأت للجيل الذي ازدهر إبداعه على صفحات "مسامرات الجيب"، و"قصص للجميع"، و"الكتاب الذهبي"، و"الكتاب الفضي"، بخلاف الصحف اليومية والمجلات الشهرية والأسبوعية التي كنت أقرؤها وأدفع ثمن قراءتها لبائع الصحف، فلم يكن في مقدوري أن أشتريها كلها، ومن كتاب هذا الجيل على سبيل المثال: يوسف إدريس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وعبد الرحمن الخميسي، ونجيب محفوظ، وسعد مكاوي، ومحمود البدوي، ومحمود السعدني، وإحسان عبد القدوس .. إلخ. وقائمة الأسماء طويلة.
*ما الذي لفتك إلى الاهتمام بالقصص القصيرة؟ وكيف بدأت تجاربك الأولى في كتابتها؟
-كانت أوقات حكايات جدتي (حواديتها) هي الأوقات الحلوة التي أسعد فيها مساء كل يوم طوال مرحلة طفولتي المبكرة. كنت أنام في حجرة جدتي .. وكانت حكاياتها هي الوسيلة التي تشغلني بها حتى يغلبني النوم، أو بمعنى آخر تهدهدني بها حتى أستسلم للنوم. كنت بعكس كل الأطفال أحب وأرحب بموعد ذهابي إلى الفراش، حيث سأجد جدتي في انتظاري بدفء حنانها وحكاياتها الشائقة.
وفي مرحلة الدراسة الابتدائية عثرت في مدرستي على مكتبة نادرة رائعة للطفل، وكم كانت سعادتي بقصص كامل الكيلاني وغيره، بالإضافة إلى القصص المترجمة عن الأدب العالمي (قصص هانس أندرسون وغيره).
وفي امتحان من امتحانات مادة اللغة العربية (امتحان شهر) فوجئت بأستاذ المادة يطلب منا كتابة قصة قصيرة لم يُحدد موضوعها، ترك لنا أن نكتب ما نشاء. على الفور تواثبت في خاطري حكايات جدتي .. ولم يطل تفكيري، فسرعان ما اخترت قصة يمكن أن يتسع وقت الامتحان لها.
وكتبت القصة بتلقائية، وبلا عناء أو مشقة، بل غمرني سرور غريب وأنا أكتبها .. وبالطبع لم تخل القصة من العبارات والكلمات العامية، ففي مواقف كثيرة من القصة كانت الفصحى لا تُسعفني.
وبعد تصحيح أوراق الإجابة ناداني أستاذ اللغة العربية في حصة تالية، وطلب مني أن أقف. وقفت حائراً قلقاً، وبسبب قصر قامتي، قال لي: تعال هنا لكي يراك زملاؤك. وفي خُطا ثقيلة ذهبت إليه، ووقفت بجانبه مرتجف الأنفاس .. ولكن لم تطل مخاوفي، فقد قال الأستاذ وهو يضع يده على كتفي: زميلكم عنتر كتب قصة جميلة، سيقرؤها لكم، مدّ لي يده بالكراسة، وقد هدأت مخاوفي قليلا.
بدأت في قراءة القصة بصوتي القوي، وبعد سطور قليلة من بدء القراءة نسيت مخاوفي تماماً، وجعلت أقرأ القصة بصوت من يعتلي منصة خطابة. ومع نهاية القصة ارتفع صوت الأستاذ: صفقوا معي له! وكم كنت سعيداً بالتصفيق سعادة لا توصف .. وكانت هذه فيما أظن البداية!
ثم تلاحقت الأيام، وكنت بين وقت وآخر أكتب قصة أقرؤها لزملائي، ثم أُلقي بها في درج من أدراج مكتبي، فلم تكن تخطر في بالي فكرة النشر، باستثناء ما كان يُنشر لي بمجلات الحائط!
ومرت الأيام حتى أقبل عام 1962م، ومع بدء العام الدراسي 62/63 كنت طالباً بالفرقة الرابعة بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية، وذات يوم شاهدت مسرحية "جلفدان هانم"، وأعجبت بالمسرحية على نحو جعلني أتحدث عنها مع زملائي .. وفوجئت بواحد منهم (كانت له اهتمامات صحفية، فقد كان يعمل محررا هاويا بجريدة "السفير" بالإسكندرية) يسألني:
ـ هل يمكنك أن تكتب مقالا عن المسرحية؟
فأجبت في دهشة: نعم، ولكن ما السبب؟
قال: سأنشره لك في جريدة "السفير".
وفي اليوم نفسه ـ بعد عودتي إلى مسكني ـ جلست على الفور لأكتب المقال .. ولم أتناول غدائي إلا بعد أن فرغت منه. ونُشر المقال بعد ثلاثة أيام فقط، وأسعدني أن زميلي نقل إليَّ إعجاب رئيس التحرير بالمقال، وأنه يُرحب بكتاباتي.
وهنا ـ ولأول مرة ـ طافت بخاطري فكرة الكتابة والنشر .. ولما كنت من قراء مجلتي "الثقافة" (كان يرأس تحريرها: محمد فريد أبو حديد) و"الرسالة" (كان يرأس تحريرها: أحمد حسن الزيات) فقد فكرت في أن أحاول معهما، وشجعني أن "الثقافة" كانت تنشر الإبداع الأدبي للأدباء الشبان في "بريد الثقافة"، مع تقديم أو تعقيب. كانت تنشر الأعمال كاملة. أما "الرسالة" فكانت تنشر في "بريدها الأدبي" أشعارا ومقالات وخواطر للأدباء الشبان، كاملة أو مقتطفات منها.
وخلال شهر ونصف كتبت ثلاث قصص قصيرة أرسلتها بالبريد إلى مجلة "الثقافة"، وفي نفس الوقت كتبت مقالا تناولت فيه بالنقد كتابا لكاتب معروف اسمه عبد المنعم الحفني، بعنوان "الحفني وعدة مغالطات!" أرسلته إلى مجلة "الرسالة" .. وبعد عدة أيام كتبت بعض الخواطر وأرسلتها إلى مجلة "الرسالة" أيضا بعد ذلك، ومع أول عام 1963م اُخترت مع بعض زملائي لإعداد مجلة مطبوعة تصدر عن طلاب المعهد، واتفق المعهد مع فتحي الأبياري (نائب رئيس تحرير "أكتوبر" حاليا) ـ مندوب "أخبار اليوم" في الإسكندرية في ذلك الوقت ـ على أن يُشرف على طبع المجلة. وكتبت قصة بعنوان "هكذا خُلقنا" لتنشر بالمجلة، قرأها فتحي الأبياري فأعجب بها، ونصحني بأن أرسل إنتاجي الأدبي إلى صحف ومجلات القاهرة.
ودفعتني النصيحة إلى أن أكتب قصة جديدة بعنوان "في الليل"، كتبتها في أسبوع، ثم قلت لنفسي: إلى من أرسلها؟ الكتابات التي أرسلتها إلى "الثقافة" و"الرسالة" لم تُنشر بعد. فكرت طويلا ثم قفزت إلى خاطري مجلة "الأدب" التي كنت عرفتها منذ شهر واحد؛ فذات يوم كنت أُقلِّب الصحف والمجلات عند بائع الصحف فوقع بصري على مجلة لم أقرأها من قبل، قلبت صفحاتها، ثم أخذتها معي لأقرأها .. هذه المجلة كانت "الأدب"، وأعجبني فيها مقال لرئيس تحريرها: أمين الخولي رئيس جماعة الأمناء، قال فيه: "إنه يعرف الرجال بالحق ولا يعرف الحق بالرجال" .. كلام يُمثل قيمة عظيمة في مجال الفكر والإبداع.
وأرسلت القصة إلى مجلة "الأدب".
ثم تتابعت الأيام .. وانتهى العام الدراسي، وعدت إلى مدينتي "الزقازيق"، وخلال أسابيع أخذت المخاوف والهواجس تُناوشني، وأخذت أقول لنفسي: يبدو أن الكتابات التي أرسلتها إلى "الثقافة" و"الرسالة" أخذت طريقها إلى سلال المهملات.
ثم أقبل شهر أكتوبر 1963م، وفي صباح أول أيام هذا الشهر كانت المفاجأة التي اهتز لها كياني، جعلتني أكاد أطير من شدة الفرح. لقد نُشرت قصة "في الليل" بمجلة "الأدب" .. أخذت أتأمّل اسمي المطبوع، وكأنّ حروفه غير الحروف التي يتكون منها .. قرأت القصة مرات ومرات فبدت في خاطري أفضل مما كنت أظن، وتأججت في داخلي رغبة عارمة في أن أكتب وأكتب وأكتب، وبرقت في رأسي أفكار قصص ومقالات. يجب أن أبدأ فوراً، قلتها لنفسي في عزم وإصرار وتفاؤل.
وحبست نفسي في حجرتي ثلاثة أسابيع كاملة كتبت خلالها ثلاثة أعمال قررت أن أُرسلها إلى مجلة "الأدب"، والأعمال هي:
1-نقد لمسرحية "الطعام لكل فن" لتوفيق الحكيم.
2-نقد لقصة "الطريق" لنجيب محفوظ.
3-قصة بعنوان "أمام المرآة".
كذلك رأيت أن أكتب قصة أخرى لتنشر في مجلة "صوت الشرقية"، وكنت قد عثرت عليها ـ أخيرا! ـ لأول مرة عند بائع الصحف.
ثم توالت الأيام، وجلست أنتظر، ولم يطل انتظاري. ففي شهر ديسمبر 1963م فوجئت بنشر قصة في مجلة "الثقافة". نُشرت القصة كاملة مع تقديم طيب ولكن في "بريد الثقافة". قلت لنفسي: "خير وبركة .. وأول الغيث قطرة".
وتتابعت في عام 1964م أعمالي المنشورة؛ كل الأعمال التي أرسلتها إلى مجلات "الثقافة" و"الرسالة" و"الأدب" و"صوت الشرقية" نُشرت كاملة، وإن كانت الأعمال التي نُشرت في مجلتي "الثقافة" و"الرسالة" كانت في باب "بريد الأدب".
المهم: توهجت طموحاتي، حلقت بي في سماء عالية، وانطلقت أعمل، كتبت مسرحية قصيرة أرسلتها إلى مجلة "الأدب"، وأرسلت قصة إلى مجلة "القصة"، ثم بدأت أكتب قصة طويلة، ومسرحية من ثلاثة فصول.
*ما أهم القضايا التي تؤرقك كأديب؟ وهل انعكس ذلك على إبداعاتك القصصية؟
-بالتأكيد .. لابد أن ينعكس على إبداع الأديب ما يؤرق فكره وما يضطرم في وجدانه، والنفس البشرية هي أهم ما يشغل فكري. تستهويني خفايا النفس البشرية وأسرارها وأدغالها، أحاول أن أنفذ إلى أعماق الإنسان، أن أكشف وجهه الآخر، نعم .. حقيقة الإنسان لا تعكسها قسمات وجهه ولا الكلمات التي ينطق بها لسانه.
ومن القضايا التي تُمثِّل هما من همومي كأديب: الإنسان بين الواقع والأمل .. الإنسان في صراعه مع الحياة ومع الآخرين ومع نفسه، الإنسان حينما يريد أن يؤكد ذاته، أن يفلت من واقع يفزع فكره ووجدانه. في إيجاز: يشغلني الإنسان في معترك الحياة، في حيرته، في يأسه وضياعه، في نشوة انتصاراته وتحقق طموحاته.
*ما أهم سمات أبناء جيلك؟ وهل أنتم تتميزون عن الجيل السابق؟
-نحن جيل بدأ مسيرته مع إشراقة حلوة للحياة .. نشأنا وترعرعنا والحياة من حولنا زاهية مشرقة. تملؤنا كل المشاعر والأحاسيس التي تجعلنا ننظر إلى الغد وملء الخاطر يقين حلو هو أن الغد سيكون أكثر إشراقاً، وأن الأجيال الصاعدة ستكون أسعد حالاً، وأوفر حظا من مباهج الحياة.
نشأ جيلنا وأعلام العزة والكرامة والكبرياء تُرفرف في سماء حياته، وفجأة .. خلال أيام .. بل ساعات، انكشف المستور، انقشع الوهم الهائل الذي نعيشه .. انهار الصرح الشامخ لطموحاتنا وأحلامنا الغالية، وبسبب هول الفاجعة التي أصابتنا في 5 يونيو 1967م أصبحت الرؤية كئيبة وقاتمة، وفي الواقع الجديد واصل جيلنا مسيرته، وهو يُغالب عوامل اليأس والإحباط والضياع مثقلا بهموم طاحنة، بفكر تصدّع بُنيانه، ووجدان ممزق حائر.
*ألاحظ انشغالك بقضايا النقد، ألا يجني ذلك على عملك كقاص؟ ثم ما مُبررات انشغالك بالنقد؟
-بعد أن أفرغ من قراءة أي عمل أدبي تتناوشني عدة أفكار وخواطر، وأحياناً تُلح علي هذه الأفكار بشدة فلا أجد مفرا من أن أطلق سراحها حتى يهدأ خاطري.
النقد عندي إذن انطباعات قارئ، وفي رأيي أن القارئ من حقه أن يقول رأيه .. بل إن حياتنا الثقافية في أشد الحاجة إلى اتساع دائرة الحوار والمناقشة حول أي إبداع أدبي حتى تتأكَّد الصلة بين المبدع والمتلقي، فهذا هو الطريق إلى إثراء حياتنا الأدبية فضلاً عن استنارة الطاقات المبدعة من أجل إبداع أفضل.
*ما رأيك في مقولة "جيل بلا أساتذة" التي طرحها محمد حافظ رجب في الستينيات؟
-في تقديري أنها مقولة خاطئة، فكل جيل لابد أن يتأثَّر بكتابات وإبداع الأجيال السابقة، فمن منا لم يتأثر بطه حسين وعباس العقاد وتوفيق الحكيم وأمين الخولي ..وغيرهم؟ والأديب ليس نبتاً شيطانيا، والأدباء الكبار أساتذة للأجيال الجديدة بفكرهم وإبداعهم.
ليس شرطاً أن توجد صلة مباشرة بين الأديب اللامع والأديب الناشئ، فالكلمة هي خير صلة.
أما سبب المقولة فهو أن أدباء الستينيات خصوصاً خارج القاهرة لم يجدوا التشجيع والاهتمام الذي يريدونه من الجيل السابق، حيث فوجئوا بالأدباء الكبار يعيشون في أبراج عاجية بعيداً عنهم.
وفي الحقيقة: المبدع خير أستاذ لنفسه، فبفضل التثقيف الذاتي وبطاقات إبداعه، وبإرادته وإصراره قادر على أن يُؤكِّد ذاته وأن يُحقق أحلامه وآماله.
*ما رأيك في مطبوعات الماستر التي يُصدرها بعض أبناء جيلك؟
-مطبوعات الماستر علامات مضيئة على طريق مسيرتنا، هي محاولات ناجحة لتأكيد الذات، بل إنها تعكس قيمة إنسانية غالية هي أنه لاشيء يمكن أن يوقف مسيرة مبدع موهوب قادر بعزمه وإرادته على الصمود في مواجهة التحديات التي تُواجهه.
وفي إيجاز يمكن أن أقول إن مطبوعات الماستر كانت إشراقة نهار بدّدت ظلمة ليل كان يُمكن أن يتوه في دياجيره جيل الستينيات.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
17-04-2008, 11:13 am
(بقية الحوار)
*هل ترى أن الظروف الأدبية ملائمة لأن تقدِّم ما تريد تقديمه؟
-خلاصة القول: الظروف الأدبية تطحن الأدباء طحناً، وما أكثر الذين تذبل مواهبهم، أو يكفُّوا عن الإبداع يأساً