جريدة الأهرام المصرية
الأهرام الأدبي/ الثلاثاء14مايو2002م
الأستاذ/ بهاء جاهين.كلمة:
من قصر ثقافة دمياط صدرت حديثا المجموعة القصصية الثانية لكاتب موهوب أقرأ له للمرة الأولى، ولا أعتقد أن الكثيرين قرأوا له، في غيبة الإنصاف النقدي بشكل عام عن هذا العصر الذي هو كغيره من العصور لا يخلو من المبدعين لكنه للأسف يعاني من فقر في المتابعة و’’الغربلة‘‘ النقدية الفاهمة الواعية الموضوعية النزيهة.
المجموعة تحمل اسم ’’صغير في شبك الغنم‘‘ واسم كاتبها فكري داود، وكانت قد صدرت له
مجموعة سابقة عن قصر ثقافة دمياط أيضا باسم’’الحاجز البشري‘‘عام 1996.
وما يلفت النظر في مجموعته الجديدة اللغة المحكمة المقتصدة التي تجسد الصورة أو تؤدي المعنى في أقل عدد من الكلمات، تؤازرها عين ثاقبة راصدة، محايدة في رصدها، لا تفوتها شاردة ولا واردة مما يقع في مجال بصرها واهتمامها، وما يستتبع هذا بالضرورة من قدرة فائقة على التصوير.
وإذا كان كل هذا لا يمنح صاحبه تفردا وأصالة كاملين فإن القسم الأول من الكتاب يقدم للقاريء كنزا نادرا من ملكة إنسانية قلما يعكسها الأدب، وهي القدرة على ملاحظة المخلوقات الأخرى، وتتبع ورصد حركاتها وسلوكها بشكل عام.
ففي هذا القسم الأول
الذي يحمل عنوان
’’صالحة وابن القرود‘‘
يقدم لنا فكري داود عالما روائيا متشظيا في ثماني قصص قصيرة شبه مستقلة تدور كلها في مسرح أحداث واحد معظم شخصياته من القِردة!
ويعطينا من خلاله وصفا دقيقا لسلوك بعض أفراد جماعة القِردة وحركاتها في اتصالها أو اصطدامها بالبشر القليلين في تلك البقعة الصحراوية دون أن يجنح للثرثرة أو ينزلق للاستطراد أو يغريه الوصف من أجل الوصف، ففي كلمات قليلة يجعلك ترى كأنك تشاهد عملا سينمائيا وكل صغيرة وكبيرة مما ترى موظفة ومسخرة لخدمة السياق العام.
وتانلاحم أو الاتصال الذي يتم في هذه القصص بين البشر ـ القليلين ـ والقردة ـ الكثيرين ـ له إيحاءات رمزية مواربة تماما، ولكنك لا تملك إلا أن تستشعرها.
فيخيل لك أن الكل بشر أو الكل قردة أو أن هذا المجتمع الرمزي يعكس رؤية للبشر مؤداها أنه بين الآلاف والملايين من الناس قليلون هم البشر الحقيقيون والباقي قردة.
كل هذا جائز ومن الجائز أيضا أن لم يقصد الكاتب شيئا من هذا، فالجميل في هذا العمل أنه يحتمل أكثر من تأويل.
أما القسم الثاني
من الكتاب وعنوانه
’’ طعم الفستق‘‘
فيفتقر إلى الوحدة العضوية التي يتميز بها القسم الأول . فهو خليط من تجارب الكاتب في مسقط رأسه دمياط مع بعض تجاربه في القاهرة وفي البيئة الصحراوية التي لعبت دور البطولة في القسم الأول: تلك القرية أو ’’الديرة‘‘ الصغيرة التي تحيط بها حدودة حصان من الجبال المسكونة بالقردة . وتتراءى في القسم الثاني الابنة الصغيرة للكاتب أو الراوي أو الشخصية المحورية فنراها تتشبث بأبيها كي لا يسافر في قصتين مؤثرتين غاية في العزوبة والبساطة ولعل أفضل قصص هذا القسم القصة الأولى’’ رحيل‘‘ وتتحدث عن الجذور الوجدانية للشخصية المحورية متمثلة في بيئة الصيد التي نشأ فيها والأم الصابرة الحنون وطيف الأب الذي أخذه البحر. وهي قصة ترقى في لغتها وتصويرها إلى مستوى الشعر الآسر، وذلك في بساطة متناهية ودون تفاصح.
وبعد فإن هذه ليست المرة الأولى التي يقع فيها بين يدي كتاب صادر من قصر ثقافة إقليمي يفوق في قيمته الأدبية الكثير مما تنشره كبرى مؤسسات العاصمة الثقافية ولست أشك في أن ما لم يقع في يدي من جيد الأقاليم أضعاف ما قرأته بمحض المصادفة ولست أدّعي لنفسي احتكارا للفهم أو التمييز، فالساحة الأدبية والنقدية عامرة بكبار القارئين الكاتبين . حبذا لو كتب كل منا عن كل ما أعجبه ومن أعجبه دون النظر إلى أية اعتبارات أو حسابات. ساعتها ستقل نسبة النزوح والاغتراب والهجرة واليأس والصمت والانتحار والجنون بين العقول المبدعة وسنؤدي للقراء حقوقهم علينا، وهم الأهم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب