د. حسين علي محمد
13-12-2005, 09:01 pm
أ.د. خليل أبو ذياب
..........................
أولا : الحالة الشخصية :
.................................
1-الاسم : خليل إبراهيم أبوذياب .
2-تاريخ ومكان الميلاد :16/ 8/ 1941م . السوافير –قضاء المجدل –فلسطين .
3-الحالة الاجتماعية : متزوج ، عدد الاولاد : 8 .
4-الجنسية الحالية : فلسطيني .
5-العنوان الدائم : قطاع غزة ، فلسطين .
6-العنوان الحالي : الرياض ـ السعودية: ص ب 20169 – الرمز البريدي 11455- ت 4111128
جوال / 053265171
***
ثانيا : السيرة التعليمية :
.................................
أ- المراحل قبل الجامعة :
1- من المرحلة الابتدائية فالمتوسطة حتى الثانوية في قطاع غزة حتى سنة 1958م.
ب- المرحلة الجامعية :
1- الليسانس : كلية الآداب –قسم اللغة العربية –جامعة القاهرة 1958م-1962م .
2- الماجستير : كلية الآداب –قسم اللغة العربية –جامعة القاهرة 1968م.
موضوع الرسالة : " أثر المتنبي في أبي العلاء المعري في ديوان " سقط الزند"
بتقدير : جيد جداً " .
3- الدكتوراه : قسم اللغة العربية –جامعة القاهرة 1974م . موضوع الرسالة " ديوان لزوم مالايلزم لأبي العلاء : دراسة موضوعية فنية ، مرتبة الشرف الأولى .
******
ثالثا : السيرة العلمية :
..............................
1- ممارسة التعليم لمدة سنة واحدة في إحدى مدارس قطاع غزة الثانوية (1962-1976) .
2- ممارسة التعليم لمدة ثلاث عشرة سنة في مدارس الكويت المتوسطة
والثانوية (1963-1976) .
3- عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالمملكة العربية السعودية بالقصيم / بريدة ، والرياض منذ سنة 1976/1396هـ - 2000/1421هـ
ولمدة أربع وعشرين سنة .
رابعا : السيرة العلمية : الإنتاج العلمي :
........................................................
1- الدراسات المطولة :
.................................
أولا : مكتبة الدراسات العلائية :
1-النزعة الفكرية في اللزوميات . . . . مطبوع 1995
2-المعمار الفني في اللزوميات . . . . . مطبوع 1995
3-علوم اللغة في " رسالة الصاهل والشاحج " لأبي العلاء المعري . . مطبوع 2000
4-الرحلة الخيالية بين أبي العلاء وابن شهيد ودانتي : دراسة تحليلية مقارنة .
5-الاتجاهات الثقافية والأدبية عند أبي العلاء المعري . . . تحت الطبع .
6-أثر المتنبي في أبي العلاء في ديوان " سقط الزند " . . . مخطوط .
7-العروض في أدب أبي العلاء المعري .
8-المعجم اللغوي لأدب أبي العلاء المعري ( تحت الإعداد ) .
ثانيا : دراسات في الشعر الهذلي :
..................................................
1-الصورة الفنية في شعر هذيل .
2-التشكيل الاجتماعي والفني للمرأة الهذلية .
3-ظاهرة الموت في الشعر الهذلي .
4-أبو صخر الهذلي : حياته وشعره .
5-أمية بن أبي عائذ : حياته وشعره .
6-مليح بن الحكم : حياته وشعره .
7-ساعدة بن جؤية : حياته وشعره .
8-المعجم اللغوي لشعر هذيل ( تحت الإعداد ) .
ثالثا : مكتبة الدراسات الأدبية :
...........................................
1-النابغة الجعدي : حياته وشعره .
2-مروان بن أبي حفصة : حياته وشعره .
3-عمر بهاء الدين الأميري : حياته وشعره .
4-دراسات في أدب الجاحظ .
5-الصورة الاستدارية في الشعر العربي – مطبوع 1999
6-التشكيل النفسي لشعر الصعاليك .
رابعا : مكتبة الدراسات القرآنية :
...............................................
1- ظاهرة التفسير العلمي للقرآن الكريم . . . . . مطبوع .
2- منهج " المنار " في تفسير القرآن الكريم . . . . مخطوط .
3- سورة يوسف : دراسة أدبية تحليليلة . . . . مخطوط .
4- ظاهرة التقابل في القرآن الكريم . . . . . . تحت الإعداد .
5- دراسات في فن القص . . . . مطبوع .
6- دراسات في الأدب الإسلامي . . . . مخطوط .
7- دراسات في الشعر الحديث . . . . مخطوط .
***
خامسا : مكتبة الدراسات النقدية :
..............................................
1- تاريخ النقد الأدبي عند العرب ( جزءان ) مخطوط .
2- منهج ابن رشيق في النقد في كتاب " القراضة " مخطوط .
3- المرتضى ناقدا ( تحت الإعداد ) .
***
سادسا : نصوص مختارة من الأدب العربي : دراسة تحليلية :
....................................................................................
1- الأدب الجاهلي . مطبوع .
2- أدب عصر صدر الإسلام . مطبوع .
3- الأدب الأموي . مخطوط .
4- الأدب العباسي . مخطوط .
5- الأدب الأندلسي . مخطوط .
6- أدب الحروب الصليبية والدول المتتابعة . مخطوط .
7- الأدب الحديث . مخطوط .
ب- البحوث القصيرة والمقالات والمحاضرات والندوات ، وهي كثيرة نشر بعضها
في بعض المجلات والصحف المحلية والعربية ، وألقي بعضها في بعض
المنتديات العلمية والأدبية ، ومايزال كثير منها لم ينشر .
ج- الإشراف على بعض الرسائل الجامعية ، والاشتراك في مناقشة بعض الرسائل
الجامعية للماجستير والدكتوراه ، والاشتراك في تحكيم بعض البحوث
والدراسات التي أعدت للترقية إلى درجات علمية أو نشرها في دوريا ت علمية
جامعية .
د. حسين علي محمد
15-12-2005, 12:36 pm
«جماليات القصة القصيرة : دراسات نصّيّة»
تأليف الدكتور/ حسين على محمد
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
.............................
كثير من الدراسات النقدية والكتب الأدبية تمرّ على القارئ المتخصّص فضلا عن القارئ العادى / المثقف الذى يحرص على تنمية ثقافاته وصقل معارفه وتنويع معلوماته فلا يعير لها بالا، ولا يقيم لها وزنا لأكثر من سبب .. بيد أن قلّة من تلك الكتب والدراسات قادرة على أن تستوقف القارئ المتخصّص والقارئ العادى على حدّ سواء وتشدّه إليها بقوة فلا يتركها إلاّ بعد أن يكون قد استكشف كثيرا أو قليلا من مظاهرها الإبداعية والفكرية. ولعلنا لانجانف الحقيقة عندما نزعم أن هذا الكتاب الذى بين أيدينا "جماليات القصة القصيرة: دراسات نصية" هو واحد من تلك الكتب والدراسات التى تفرض على القارئ أيّا كان نوعه ودرجة ثقافته، الاهتمام بها وتقديرها ومتابعة تحليلاتها النقدية الرائعة ..
وواضع هذا الكتاب هو الدكتور حسين على محمد، وهو أستاذ جامعى أكاديمى أبدع طائفة طيبة من الدراسات الأدبية الرصينة، وهو أيضا شاعر مبدع أنتج مجموعات من الدواوين الشعرية التى نرجو أن يكون لنا معها أو مع بعضها وقفات تاليات .. وإذن فنحن فى هذا الكتاب الجديد بإزاء أستاذ جامعى أكاديمى يعى أبعاد العملية الإبداعية بدربته العلمية وقدراته البحثية المتفوقة وأدواته الفنية الثاقبة، وأديب شاعر مبدع يمارس الشعر ويعى أبعاد العملية الإبداعية الشعرية كذلك وعيا دقيقا. وإذا ما اجتمعت الموهبة البحثية والموهبة الإبداعية نتاجا أدبيّا متفوقا بما يتوافر له من مقومات وقيم جمالية وفكرية ..
ومن هنا فإن القارئ لهذه الدراسة النصية للقصة القصيرة يجد المؤلف الأديب يحرص على تجلية جماليات القصة القصيرة، هذا الفن الرائع بتقنياته المتنوعة وطاقاته الإبداعية وأدواته التعبيرية التى تجعلها فنّا قادرا على "الامتاع" و "الاقناع": "الامتاع من خلال رؤاها الجمالية المختلفة، ومن خلال نزوعها التوّاق إلى التكامل مع الأجناس الأدبية الأخرى، فنراها تتوسل بالشعر (أو الكلمة الشاعرة)، وتفيد من امكانات التشخيص والموسيقا والسينمـا والنحت والتصوير وغيرها .. وتعالج المرئيات النثرية وقضايا الواقع محاولة - فى فنية وفى جمال - أن تشبع عند القارئ رغبته الجمالية. وأما الاقناع فهو ماثل فى محاولة "القصة القصيرة" الدائبة أن تتوجه إلى عصـرها - وإلى قارئها بالطبع - من خلال مناقشة هموم الواقع أو الاقتراب الحميم منها وطرح آمال الإنسان العادى الصغيرة واحباطاته المروعة أمام عينيه " (المقدمة).
كما نراه يحدّد تلك الجماليات أو التقنيات التى أدار عليها دراسته النصية التحليلية الماثلة فى إبداع القصة القصيرة وهى "اللغة المحايدة ذات الجماليـة الخاصة القادرة على التعبير والتوصيل والرمز، والقادرة كذلك على الاستفادة من جماليات الفنون الأخرى المتنوعة بما لها من جماليات متميزة فى السرد من مثل التكبير والسخرية والمقابلة وغيرها دون أن يقصد بتلك الجماليات ما يقصده بعض القاصّين من تكسير بعض عناصر العمل الفنى المستقرة أو اهمالها " (الغلاف الأخير). ومن خلال هذه الرؤية يتمكن القارئ لهذا الكتاب من الوقوف على تلك الجماليات التى تـجسدت فى بعض المجموعات القصصية، أو بعض القصص القصيرة المفردة من تلك المجموعات التى أبدعها نفر من كتّاب القصة القصيرة المعـاصرين، وقد حرص الناقد على أن يمسك بيد القارئ وهو يجوب دهاليز تلك المجمـوعات ليرسم له مخطّطا دقيقا لتلك - أو لأ برز تلك الجماليات، كما وفّق الباحث عندما حرص على تنويع مجموعاته القصصية المختارة لتمثل اتجاهات فنية وفكرية متنوعة، حيث جعل وكده تحليل المجموعات القصصية التى أبدعها هؤلاء القصّاص دون إن تكون غايته دراسة التكوينات الفكرية والقضايا المتنوعة وان لم يغفل هذا الجانب بطبيعة الحال كما سنرى، ومن هنـا فقد قدم لنا ناقدنا فى هذا الكتاب دراسة نقدية تحليلية لعدد ضخم مـن القصص القصيرة لإ براز طائفة من القضايا الفكرية والمقومات الجمالية دفعا لتهمة تقصير النقد عن مواكبة الإبداع القصصى، وان كانت هذه التهمة ما تزال قائمة ولا يسقطها مثل هذه الدراسة الجيدة لأن غيبة النقد أو اعتزاله هـذا الإبداع إنما هو بسبب دونيته وهبوطه عن المستوى المطلوب لعدم التزام مبدعيه بالتقنيات الأساسية لهذا الفن الرفيع، إذ لو جاد الإبداع لجاد النقد ولـيس العكس، وإن وجد من يرى العكس صحيحا، فلو جاد النقد لجاد الإبداع - ربما -، والقضية جدلية لا مجال لمناقشتها هنا. وعلى الرغم مما يبدو للقارئ من محاولة تحديد الناقد لجماليات القصة القصيرة بالإطار اللغوى الذى يكاد يطالعنا عند كل مجموعة أو قصة فإنه يتجاوزه فى أحيان أخرى إلى مختـلف الأطر التى تشكل جمالياتها وتقنياتها الحقيقية من مثل المضمون / القضايا الفكرية التى يعالجها القصّاص، والوحدات المتعددة التى يقوم عليها فن القصة القصيرة (الحدث والشخصية والحبكة والحوار والسرد والعقدة والحل / لحظة التنوير).
ومما قد يلاحظ على هذه الدراسة الفنية التحليلية خلوّها - ربما التام - من ذكر كلمة "الصراع" برغم ارتباطه الوثيق بتقنيات القصة القصيرة سواء فى الأحداث وتناميها، والشخوص وتطورها لسبـب لا نعلمه، إذ أن "القصة القصيرة ليست مجرد خبر أو مجموعة أخبار، بل هى حدث ينشأ بالضرورة من موقف معين، ويتطوّر بالضرورة إلى نقطة معينة يكتمل بها معنى الحدث"( ). كذلك لم يحاول الناقد فرض كل تلك الجماليات والتقنيات على كل مجموعة أو قصة يقوم بتحليلها، وإنما كان ينتقى منها ما يلائم المجموعة المنجزة أو القصة المنتقاة وفق منهجه وأدواته الـفنية .. وسنحاول فى هذا المقال الوقوف على أبعاد منهج المؤلف فى دراسته الـتحليلية التى تناولت عددا من الأعمال القصصية لأربعة عشر قاّصا ينتمون إلى أكثر من وطن عربى وإن جاءت غالبيتهم من مصر بطبيعة الحال ..
أما الدراسة الأولى فكانت لمجموعة بعنوان "هل" للقاص المصرى محمد جبريل، ويقرر الناقد "أن قضايا الوطن هى ما يشغل هذا القاص دائما فى ابداعة"( ). فهموم الوطن تشكل الهاجس الحقيقى لهذا الفنان وهى أزمته الحقيقية التى تجسدت فى ابداعة القصصى، تلك الهموم التى تتمثل فى مثل هذه العبارة غلطتان كفيلتان بهزّ الأساس الذى شيّدت الثورة فوقه كل ما بنته: زيادة أعداد الأميين، وغياب الديمقراطية"( ). وتسفر قصص محمد جبريل عن نقد واضح للثورة ونظامها السياسى ربما قبل مرحلة التطبيع وإن أعلن استياءه وتذمره منه من خلال المفارقة بين عودة المغترب إلى الوطن ورؤيته السائحين الاسرائيليين القادمين من تل أبيب، وما فجرت فى نفسه من تمرد، كما تجلى ذلك أيضا فى قصية العمالة المهاجرة والإحساس الحاد بالاغتراب وتجذّر الوطن فى نفس المصرى المغترب، حتى ليؤكد أن اغترابه لم يكن أكثر من "غياب جسدى" لا يسمح له أن يطول، مما يجعله دائم التردد، أو حريصا على العودة إلى الوطن بين فترة قصيرة وأخرى( ). وربما كان هذا الهاجس أهم دوافع عناية الناقد بهذا القاص ..
أما عن تقنيات القصّ عند "جبريل" فيردها الناقد هنا إلى خمسة محاور تتمثل فى "المطاردة" التى جاءت فى "تكوينات رمادية" و "التحقيق" و"الرائحة"، ثم "التمرد" الذى جسده فى قصتين هما "العودة" و "القرار" .. بيد أن القاص يأبى على بطله أن يعيش منعزلا عن أمته ووطنه مؤكدا أن حياته فى الاختلاط بهما لدرجة الذوبان، فيجعل البطل يحطم "القرار" الذى سبق أن اتخذه باعتزال الناس والانزواء فى قعر بيته، فلا يجد أمامه إلاّ مشاركة الناس حياتهم وهمومهم .. وهذا الموقف تجسده قصة "المستحيل" كذلك.
وربمـا كان هذا التحول الذى بدا فى مواقف أبطاله ردة فعل للإحساس بالإحباط والخيبة، ولكنه موقف آنى سرعان ما يرتدّ إلى النقيض تماما، وهو موقف يتعاضد مع مواقف أبطاله السابقين فى محاور "المطاردة" و "التمرد" لتجسيد الايجابية التى يحرص عليها "جبريل" فى قصصه كما فى "تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام" التي جاءت امتداداً لرواية "إمام آخر الزمان"، وفيها يتقاطع الحلم الديني الغيبي وإشكالات العصر "كقضية رمزية لتحقيق التغيير المطلوب لإصلاح المجتمع، وقصة "الأستاذ يعود إلى المدينة" وقصة "الطوفان" .. فقد غدت الإيجلبية "أبرز ملامح شخصية جبريل التي انعكست على أبطاله؛ فقد جسدت "تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام" رغبته فى الخلاص وتحقيق الآمال عن طريق العمل الجاد المتواصل، وتغيير الواقع إلى الأفضل دون الانتظار السالب المتمثل فى عودة المهدى المنتظر، أو عودة "الأستاذ وهو صورة أخرى للمهدى، وما يحمل من خلاص "إلى المدينة / تحقيقا لقوله تعالى: (إن الله لا يغير ما يقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)( ) ذلك التغيير الذى تمثله قصة "الطوفان" رمز الخلاص الأخير .. ومن خلال هذه القصص يحرص القاص على تجسيد القدوة / النموذج الذى يحقق الغد الأفضل للوطن والأمة ..
ومن المحاور الأخرى "المقاومة" فى قصة" حدث استثنائى "وقصة" هل "التى حملت المجموعة اسمها .. وفى كل هاتيك القصص يتبين لما "جبريل" مجسّدا لهموم أمته وآلام وطنه جاهدا لتغيير الواقع السياسى المتردّى ..
ولم يكن "جبريل" القاص الوحيد المعنّى بقضايا السياسة فى وطنه "مصر" حيث شاركه "فؤاد قنديل" هذا الهم فى مجموعته "عسل الشمس" من خلال شخصية العسكرى "محفوظ" / خبير الدولة" / النظام فى فضّ المظاهرات، وتفريق المتظاهرين بدون استخدام القنابل المسيلة للدموع باعتبارها وسيلة تقلل من كفايته وطاقاته، وكانت له جولات وصولات مع طلبة الجامعات المصرية / القاهرة وعين شمس والإسكندرية، وعمال شبرا وحلوان والمحلة، وعموم الشعب الخارج فى المظاهرات .. بل أن كفايته وطاقاته تلك دفعت "جيش الدفاع الاسرائيلى" للتقدم إلى وزارة الداخلية المصرية تطلب إعارته لمدة ثلاثة أيام قابلة للتجديد لتفريق أو القضاء على "الانتفاضة الفلسطينية" (؟) فضلا عن الطلبات التى تقدمت بها حكومات العالم الثالث: بورما وباكستان والفلبين وكوريا الجنوبية وأمريكا اللاتينية (؟)( ).
وإذا كان "جبريل" قد ذكر أبرز غلطتين للثورة "الأمية وغياب الديمقراطية" فإن " قنديل" يشركه في ثانيتهما اذ ينقـد الديمقراطية التى تمارسها الدولة عند انتداب "محفوظ" رجل الـمهمات الصعبة على رأس مجموعة لفرض مرشح الحكومة فى دائرة بنها أيـام السبعينات، أيام الديمقراطية ( )،وإن لم ترق هذه العبارة للصديق الناقد وآثر أن يستبـدل بها عبارة " أيام غياب الديمقراطية " إيثاراً لمباشرة النص بمعزل عن المفارقة المقصودة والسخرية اللاذعة حيث قصد القاص تأكيد غياب الديمقراطية فى الوقت الذى تتشدق فيه الحكومة بالتزام الديمقراطية وتطبيقها، وهى وسيلة يحاول بها القاص كشف ريف النظام وادّعاءاته الكاذبة فى زمن "الديمقراطية العالمية"، وبذلك يسقط الاعتراض من خلال تقرير فكرة "المفارقة الأعمق" حيث "يصادر ‘إرادة أهله فى اختيار مرشحهم ليفرض اختيار مرشح الحكومة( ).
ويبد وأن قضية الترشيح للانتخابات كانت عميقة الأثر فى نفوس هذا الجيل مما جعل قاصّا آخر يستغلها استغلالا سخريا بشعا وهو "مرعى مدكور" فى قصة "البهلول"، حيث أخذ كبراء النجع وأعيانه يتهيّأون للانتخابات بأساليبهم الخاصة، ويحاول القاص رصد موقف الشباب المستنير من الانتخابات والمرشحين، وهو موقف أقل ما يمكن أن يوصف به أنه ساخر لعدم جدواه - حدث الانتخابات - بسبب فقدانه مصداقيته عبر المواسم الانتخابية السابقة، ومن هنا لمعت فى أذهانهم - الشباب - فكرة جهنمية قادرة علـى تحطيم كل المرشحين، أو علىالأقل، زلزلتهم وهى ترشيح "البهلول" - الأهبـل، الأبله - واندفعوا يعدون له اللافتات الدعائية التى استلبوها من لافتات المـرشحين الأعيان: "البهلول .. لا يسرقكم"، "البهلول رجل الجميع"، "مع البهلول أنتم فى أيد أمينة"( )..وحقا لقى هذا الشباب المستنير جزاء أليما علـى فعلتهم النكراء، ولكنه لم يكن قادرا على إنهاء مهزلة الانتخابات وترشيح "البهلول" لينهيه المتنافسون بطريقتهم التقليدية / تصفية "البهلول" جسديا بعيار نارى مجهول الفاعل .. وهنا يمكن أن نأخذ على القاص أمرين: تردّده بين لفظى "الصبيان" و "الشباب" / الطبقة التى حرصت على ترشيح "البهلول" والتى استوعبت هاجس الأمة فى الحرية والديمقراطية، حيث وصفهم أحيانا بأنهم "شباب مستنير"، وأحيانا وصفهم بأنهم "صبيان عابثون"، وهو أمر مفسد لبنية الحدث وتصعيده، ومصادم لفكرة القصة وهدفها. والأمر الآخر عدم استغلال "الرمز" فى شخصية "البهلول" المؤهلة لتبنّى موقف الشعب فى مثل هذه الأحداث وموقف الحكومة الرسمى منه شأن "فؤاد قنديل" فى شخصية "محفوظ" مثلا .. كما نضم إلى هؤلاء القصاص الذين عانوا الهمّ السياسى مثل القاص "صالح الصياد" فى قصة "الخروج من غزناطة" التى عالج فيها قضية الطبقة الفقيرة التى عاشت منغمرة بمبادئ الثورة تحلم بالرخاء والاستقرار والحرية، ولكنها - شأن البطل - لم تجد إلاّ الكلام مما زرع القلق واليأس فى أعماقها، وأشاع التمزق فى نفس البطل ولم تجده محاولات التكيف والتـوازن بين الواقع والحلم .. وتتسارع الأحداث لتفجعه بخيبة أمل جديدة عبر اتفاقيات السلام الرخيص / الاستسلام، ومحاولات التطبيع، أو الانفتاح الذى وصفه بـ" انفتاح الطفيليين "والسفن آب وتجار المخدرات" ..
(يتبع)
د. حسين علي محمد
24-09-2008, 08:12 pm
(بقية)
ولابد أن يكون وراء هؤلاء القصاص كمّ هائل من الإبداع القصصى وغير القصصي، يصور الهم الوطنى أو القومى السياسى الذى عانى منه المجتمع المصرى / العربى على مدى ثلث قرن أو يزيد، وكنّا نتمنى على الناقد أن يكرس على مثل هذه الاتجاهات ضمن جماليات القصة القصيرة .. وربما تهيّأت له فرصة أخرى لدراسة مختلف الاتجاهات الفكرية والـفنية للقصة القصيرة فى هذه المرحلة .. وهمّة الناقد زعيمة بتحقيقها إن شاء الله ..
وإذا كانت الهموم الوطنية العامة قد استغرقت ذلك الجهد من كتّاب القصة القصيرة، فإن الهموم الذاتية الخاصة قد استغرقت قسطا آخر من عناية نفر من مبدعى القصة القصيرة وإن كان محدودا، وقد حرص الباحث على كشـف مظاهرها فى دراسته التحليلية على نحو ما نجد فى قضية العمالة المهاجرة والإحساس بالاغتراب كما فى قصة "العودة" لجبريل التى ألمحنا إليها آنفا، وعلى نحو ما نجد فى قضايا الريف التى عالجتها بعض القصص: "الليالـى الطويلة" و "قادمون" لمرعى مدكور وثلاثية "بهانة" فى "عسل الشمس" لقنديل ..
وتلقانا قضيتان أخريان وقف عندهما الناقد فى دراسته الجمالية للقصة القصيرة هما قضيه الأخلاق وقضية المرأة .. أما قضية الأخلاق فقد تجسدت فى عدد من قصص "أحمد زلط": "آمال من هناك" ، و"انكسار القاعدة"، وكل قصة تحمل أزمة أخلاقية خاصة، فقصة "آمال من هناك" تحمل أزمة الأخلاق والقيم، وقصة "انكسار القاعدة" تجسد أزمة القبح، كما تحمل قصة "الرجل والشمس" أزمة المواعيد .. وإذا كان بطل "جبريل" .. فيما عرضنا مأزوما سياسيا فبطـل "زلط" مأزوم أخلاقيا .. ويشرك "زلط" فى تصوير الجانب الأخلاقى سعد الدين وهبة فى قصصه التى عرضها الناقد "هريسة" و"الباشمحضر" حيث نستطيع أن نتحسّس البعد الأخلاقى فى "الهريسة" من خلال قول بعض شخوصها الثانويين: "تالت بنت يجوزها الحاج الجوازه دى: الأول الهريسة، وبعدين المأذون"( ). كما يظهر ذلك من خلال حديث "نفيسة" لغباشى "الباشمحضر" هامسة: "نجينى من الورطة دى .. أعمل معروف .. ادفعهم أنت دلوقـت .. وتعال الليلة بعد العشا وأنا أدفعهم لك .. حتلاقينى مستنياك والبتّ بطة نايمة"( ).
أما قضايا المرأة فقد حظيت باهتمام واع من الناقد بسبب اهتمام القصّاص بها بطبيعة الحال .. وقد جاءت قضايا المرأة متباينة متفاوتة فى الدراسة بحسب مواقف المبدعين .. أما "الحازمى" فالبطلة عنده المرأه مأزومة اجتماعيا تقع فريسة للمطاردة / مطاردة من نوع جديد يختلف عن مطاردة أبطال "جبريل" فى "تكوينات رمادية" و "التحقيق" والرائحة"( )، مطاردة تصنعها سلبيات المجتمع عبر الهاتف الذى أسئ استخدامه فى المعاكسات القذرة المزعجة فى قصة "عائدة غدا"، وقد نجح القاص فى رسم أبعاد شخصية البطلة القروية وما واجهته من ضغوط داخلية / الفراغ الذى يحدثه زوجها / عمود الحراسة، وخارجية / مطاردة خفافيش الليل عبر الهاتف، وتنجح البطلة فى وضع حدّ لهذه المطاردات وتلك الضغوط عندما تقرر التمرد على الواقع والتخلص من قيوده والعودة إلى الريف من حيث أتت لتواصل حياتها الحقيقية فيه .. "الليل والقمر وقسوة الشتاء، وأنا لست أنا. واقفة فى النافذة، واقفة فى وجه الريح أتحدّى رياح الشتاء وقسوة الخوف وليل الغربة وغرباء العاصمة. متمردة أنا ولا شئ يخيفنى. أدخلى أيتها الريح القاسية فلن أقفل فى وجهك نافذتى، ادخلى وانهشى من صدرى، فأنا الليلة لا أبالى"( ).
ويتعاضد مع هذا الموقف موقف بطلة "رسالتان وعشر طعنات" حيث أنهت أزمتها الواقعية الاجتماعية بقرار التحدى والتمرد وتحقيق الخلاص "فتخرج من بيت زوجها وهى متأكدة من أنها أصبحت تكره زوجها بالفعل"( ).
وإذا كانت بطلة "الحازمى" مأزومة اجتماعيا وتعرضت لضغوط أقوى منها واحتملتها حتى عجزت عنها فاندفعت تتمرد وتتحدى لتحقق وجودها الـنظيف، وتعيد لنفسها توازنها الذى يوشك أن ينسرب فى فضاء الليل، فبطلة "الشقحاء" تضادّها إلى أبعد حدّ حتى ليمكن ببساطة وصفها بالسقوط والابتذال، فنساء "الشقحاء" كما يقول الناقد" قادرات على اقتحام عالم الرجال وتنفيذ ما يردن"، ففى قصة "الساعة الحادية عشرة" نرى المرأة قادرة على أن تعترض طريق الرجل وتأخذه معها إلى بيتها"( ) .. انظر إليه يتحدث عن "بنـان" إحدى بطلاته: "وقفت ذات يوم فى الطريق الذى اجتازه يوميا إلى مقر العمل لمشاركتى الطريق. كانت غير مبالية بما يقال:
- لماذا لا تشرب عندى فنجان قهوة؟
- إذن لن تتأخر.
ترددت كثيرا، ومع ذلك شربت فنجان القهوة ليكون مرحلة جديدة أخذت تسم أيامى القادمة".
ويلاحظ القارئ هنا جرأة عجيبة لا تحدث إلاّ فى مـجتمع متفسخ لا يأبه للقيم، ولسنا ندرى من أى مجتمع التقط "الشقحاء" نساء قصصه خاصة وشخوصها عامة وأحداثها ..
ولعل هذا الأمر يتجسد بوضوح أعمق فى بطلة قصة "قالت أنها قادمة"، فعلى الرغم مما بدأ من ضعف البطلة ومطاردة الجميع لها (الأب والأم والأخ والزوج والمجتمع ..)، وأنها تحسّ الوحدة وتعانى من الإهمال مما يدفعها إلى محاولة إثبات الوجود، وإن كان عن طريق "السقوط"، فإننا نجد البطلة تعانى من مراقبة الأم الشديدة لتصرفاتها، وهو أمر يدعو إلى الاستغراب لما يلقانا من تناقض سافر بين سلوكيات البطلة غير المبالية، المستهترة بالقيم والأخلاق وأعراف المجتمع وتقاليده، وبين القيود التى تحكمها الأم من حولها لدرجه تجعلها تحس التمزق النفسى وفقدان التكيف مع المجتمع / الصراع الحاد بين الواقع والطموحات ..
ومن هنا فقد كان الناقد محقذا عندما وصف القاصّ بأنه لم يكن موفقا فى رسم صورة البطلة المحبّة، أو العاشقة، أو المخطئة، مؤكدا أنها مقحمة فى عالمه القصصى( ).
أما من حيث تقنيات القصة القصيرة عند "الشقحاء" فى هذه المجموعة فيلاحظ أنه حشد فيها الكثير من الأحداث دون أن يركز على حدث رئيس يكون بؤرة اهتمامه ويتنامى منطقيا مما جعل القصة تتحول عنده إلى خبر أو مجموعة أخبار حتى اقتربت بعض قصص المجموعة. كما يقول الناقد، من محاولات المبتدئين الذين يقلدون كتابة ما يطالعونه فى صفحات الحوادث( ).
كما نرى الناقد يلتفت إلى فكرة مهمة تتمثل فى التناقض بين القاص ومجتمعه وواقعه، فهولا يرسم صورة الواقع المعيش فضلا عن أن يحاول تجميلها وتنقيتها من مختلف الشوائب، وهو جائز له، ولكنه يرسم له صورة بشعة بالغة السوء، وهو أمر غير معقول ولا مقبول ..
وثمّة قضايا فكرية كثيرة تشيع فى هذه الدراسة التحليلية نعرض عن سردها اكتفاء بما ذكرنا لننتقل إلى بحث جانب آخر على درجة كبيرة الأهمية وهو الجانب الفنى الذى يجسد جماليات القصة القصيرة، وقد عنى الناقد بهذا الجانب عناية بالغة وان جاءت مظاهرة متناثرة فى حنايا دراسته دون أن يجمع كل شكل إلى شكله .. وربما كان ذلك لأن دراسته لتلك المجموعات والقصص كانت تفرض الوقوف عند جمالياتها كلاّ على حدة، حيث درس هذه الجماليات من خلال تلك القصص، ولم يدرس تلك القصص من خلال هذه الجماليات، فكان حريصا على إبراز الجماليات التى تنطوى عليها القصص .. وإذا تأملنا هذا الجانب ألفينا "الرمزية" أبرزها حيث استأثرت باهتمام أغلب كتّابه .. وقد يخيّل للقارئ أن الضغوط السياسية أو سوء الأوضاع السياسية لكتّاب هذه المرحلة وراء شيوع الرمزية فى قصصهم باعتبارها الوسيلة المناسبة لنقل أفكارهم المضطهدة وتسجيل مواقفهم الرافضة .. بيد أن هذا إن صّح من نفر من قصاص المفاهيم والقضايا السياسية من أمثال "جبريل" و"قنديل" و"مدكور"..فقد لا يصدق عند "الحازمى" مثلا وهو يعالج قضية المرأة الاجتماعية فى بعض قصصه، مما قد يجعل للرمز بعدا فنّيّا آخر فيما وراء البعد الفكرى ..
ومهما يكن الامر فالذى لا شك فيه أن الرمز من أغنى الأساليب وأرقى الأدوات الفنية التى يمكن أن يوظفها الأديب / شاعرا وقاصّا فى التعبير عن آرائه وأفكاره وقضاياه .. والذى يعنينا هنا رصد مظاهر الرمزية وأبعادها ومقاصدها فى المجموعات القصصية التى تناولها ناقدنا الفاضل ..
ولعل "محمد جبريل" كان أبرز القاصين وأوفرهم حظّا فى التوظيف الرمزى، ولا غرو! فهو أحد قصّاص المرحلة الذين خابت آمالهم فى الثورة المصرية عندما عجزت عن تحقيق طموحاتهم فى الحرية والاستقلال والديمقراطية والتعليم والقضاء على الأمية .. ففى قصة "الرائحة" نجده ينطق البطل بهذا النقد الصريح للثورة: "غلطتان كفيلتان بهزّ الأساس الذى شيدت الثورة فوقه كل ما بنته: زيادة أعداد الأميين وغياب الديمقراطية"( )، ولكنه لم يقدر على مواصلة النقد المكشوف للثورة / النظام الحاكم فاضطّر للاعتراف علـى استحياء ببعض حسناتها أو ما يعدّه الآخرون حسنات من مثل "التصنيع" و "السد العالى وتوفير فرص العمل، ومجانية التعليم، والرعاية الصحية والاجتماعية"( ) .. وربما لا يشاطرهم هذا الموقف قناعة بل هروبا من الجدل العقيم - أو العواقب السياسية الوخيمة - من خلال عبارته "لا أريد أن أبدو فى موقف المعارض للثورة، إنى محبّ يرجو لمحبوبته الكمال"( ).
وفى قصة "العّودة" تصبح الأم رمزا بالغا للوطن / مصر بكل أبعادها ومقوماتهم المتواضعة حتى إن الباحث ينفى أن تكون "الغربة" الدافع لكتابتها، أو المحور الأول لعالمه القصصى، بل "مصر" التىتستكن فى ضميره، ويحملها تحت جلده"( ). وهذا الموقف يتجلى بعمق ووضوح فى "انتظار الآتى" فى ثلاث قصص: "تسجيلات على هوامش الأحداث بعد رحيل الإمام" و"الأستاذ يعود إلى المدينة" و"الطوفان"..وتجسّد الأولى فكرة "المهدى المنتظر" الذى غيّب منذ زهاء ثلاثة عشر قرنا وسيعود ليملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا، كما يتخذ من "الأستاذ" فى قصته الثانية رمزا آخر لهذا المهدى، أو يستوى معه .. وهنا يمكننا أن ننوّه بإيجابية "جبريل" عندما دعا إلى ضرورة العمل لتغيير الواقع وعدم انتظار "المهدى / الإمام، حتى إذا جاء "الطوفان" ألفنيا الشعب العامل المكافح الذى لم ينتظر "المهدى" / الإمام / الأستاذ "يثبت وجوده، ويحقق ذاته برغم كل محاولات التدمير والابادة التى مورست بحقه .. بل إته استطاع أن يقضى على كل الأعداء عندما "سعى إلى الشاطئ المقابل ونفض الماء حوله فأغرق كل شئ"( ). "والآتى هنا هو الشعب الذى عجز الجيش عن قهره، وعجزت المخدرات عن أن تنال منه، والذى نظنّه أحيانا قد مات، فإذا به يثور ويغرق كل شئ"( ) ..
وقد استأثر الرمز الجبريلى بعناية الباحث وهو يستجلى مظاهر الإبداع فى توظيفة كاشفا عن أبعاده الفكرية والفنية حيث يرصده من ثلاثة مستويات:
أ- الرمز الايحائى: الأم / مصر فى قصة "العودة"، "محمد يوسف المصرى" / الإنسان المصرى المطارد من أنظمة الحكم الشمولى، و "الرائحة" رمز العفن الذى يسود المجتمع المصرى بعد ثلاثين سنة من الثورة، وما يتمخص عنها من أبعاد رمزية متعددة ..
ب- الرمز التراثى: المتنبى، والإمام / المهدى المنتظر، والأستاذ ..
ج- الرمز الكلّى: كما فى قصة "الطوفان" وغيرها .. وربما يذكرنا هذا الاستخدام الرمزى بعشيقة "الصياد" فى قصة "الخروج من غرناطة" من وجهة نظر الناقد حيث يرى أن "العشيقة هنا ليست سوى حلم الستينات الذى أفاق منه على صوت الواقع الشرس" ..
وإذا كان "جبريل" قد نجح فى توظيف الرمز فإن "مرعى مدكور" لم يحقق هذا المستوى الغنى فى رمز "البهلول" على غناه وعمقه، وربما كان ذلك لسيطرة الواقع وتحكمه فيه، وكان يمكنه توظيفه سياسيا لتجسيد هموم الشعب الريفى الذى يستغله كبراء النجوع وأعيانها عبر حدث الانتخابات، إضافة إلى السخرية التى تجسدت فيه وأن أجهضت فنّيّة الرمز فيه .. كما أن حدث مصرع "البهلول" هيّأ له فرصة تجاوز الواقع الريفى ليستغله استغلالا رمزيا رائعا عندما يرصد من خلاله الشعب الذى يعانى من الاستغلال البشع، والقضاء على كل مظهر من مظاهر الوعى وتكريس فرض مرشحى الحكومة / النظام كما عند "قنديل" فى "عصر بهانة" (من مجموعة "عسل الشمس")( ) .. ومن هنا فإذا نجح بعض القصّاص فى توظيف الرمز فقد كبا آخرون دون هذه الغاية من مثل "بهىّ الدين عوض" فى "ثأر الموتى" برغم ما ينطوى عليه العنوان من رمزية فاقعة، و "صالح الصياد" فى "الخروج من غرناطة" وإمكانية استرجاع شئ من أحداث الأندلس المشهورة وما يربط بينهما وبين أحداث العصر، دون الوقوف عند حدود "حديقة ومطعم غرناطة" بمصر الجديدة، من غير أن يعنى هذا تدخّلا فى منهجية القاص وأسلوبه فى التعبير عن قضاياه وأفكاره.
والقضية الفنية الأخرى التى عنى بها الناقد فى دراسته هذه هى "البطل" وأبعاده الفنية والفكرية؛ فقد حرص الناقد على تحديد هوايا الشخوص التى رسمها القاصّون فى أقاصيصهم والتى كانت متنوعة تنوعّا ظاهرا، فبينما كـانت واقعية عند "أحمد زلط" و "فؤاد قنديل" و "حسن حجاب الحازمي" و"حسني سيد لبيب" و"سعد الدين وهبة" .. وغيرهم، فقد جاءت مفتعلة عند آخرين كما فى بطلات "الشقحاء" مثلا .. كذلك نجد بعض شخوص القصاص من الهامشيين الذين يعيشون على هامش المجتمع والأحداث / الشعبيون البسطاء كما فى قصص "مرعي مدكور" و "سعد الدين وهبة" و "الحازمى"، فى حين نجد أبطال "جبريل" متميزين: (الأمام / المهدى المنتظر، الأستاذ، والعمدة والشيخ" عند "بهي الدين عوض"، و "المحامى" عند "صالح الصياد" .. وكنّا نتمنّى على الناقد أن لو أفسح صدر دراسته "جماليات القصة القصيرة" لدراسة أبعاد شخصية "البطل" فيها على غرار دراسته لشخصية البطل فى المسرح الشعرى المعاصر (صدرت 1991)، ولكن يبدو أنه آثر إرجاءها فى دراسة مستقلة جديرة بها ..
أما قضية "اللغة" كمظهر من جماليات القصة القصيرة فقد عرضها بايجاز شديد فى الدراسة، وكنّا نتوقع تناولا أعمق وأوسع لهذا الجانب البالغ الأهمية فى تقنيات القصة القصيرة .. ولا يعنى هذا أنه أغفل هذا الجانب، بل ربمـا جاء فى بعض الدراسات مفصلا كما فى مجموعة "هل" لجبريل وثلاثية "قنديل" و "الحازمى" و "حسنى لبيب" .. ولكننا كنّا نطمع فى تحليل لغوى أوسع لكل المجموعات المدروسة .. وهو تحليل يمكن أن يقوم عليه بحث مستقل لمستو
د. حسين علي محمد
16-04-2009, 06:58 pm
قراءة في مجموعة «أصابع متوحشة»
للدكتور أحمد زلط
بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
هذه هي المجموعة الثالثة للقاص المبدع الأستاذ الدكتور أحمد زلط بعد مجموعة " المستحيل " ومجموعة " عفاريت سراي الباشا " اللتين وقفنا عندهما في دراسات نقدية وتحليلية سابقة ؛
وتأتي هذه المجموعة الثالثة لتؤكد العبقرية القصصية التي يتميز بها الدكتور زلط ، وقد ضمت بين دفتيها أربع عشرة قصة قصيرة ..
وأهمية هذه المجموعة أنها تدور حول محور واحد وإن كان متنوع الاتجاهات ومتعدد المجالات ، وهو محور " الشر " الذي يستكن في نفس الإنسان ، ويسيطر على سلوكياته وأفعاله ، ويحكم علاقاته بالآخرين ..
وقد حرص القاص على التقاط شخوص أقاصيصه وتأليف أحداثها وصنع حوارياتها من الواقع المعيش الذي انسرب إلى نفسه شيء كثير من شروره وأذاه، فطفق يصرخ بأعلى صوته عبر هذه الأقاصيص معلنا مظاهر الشر فيها ، مكرسا دعوته الناس إلى تجنبها ما وجدوا إلى ذلك سبيلا ..
وربما كان من أبرز مظاهر الإبداع في المجموعة العنوان الذي اختاره لها والذي يحمل عنوان إحدى أقاصيصها وهي التي اختتم بها المجموعة" أصابع متوحشة " ؛
أما لماذا جعلها خاتمة المجموعة ولم يقدمها على سائرها ، فربما لما تنطوي عليه من وحشية التقاليد المتعلقة بالزواج في البيئة المصرية ، والتي لم يأل القاص جهدا في تكبيرها وتضخيمها لتتحقق غاياته في رفض الشر والأذى في كل حال ، وبخاصة تلك الحال التي تستدعي الحب والرحمة والمودة والعطف وكل المشاعر الإنسانية الرحيمة في ليلة الزفاف أو " الدخلة " ! وبالفعل كانت " أبرز الأصابع المتوحشة في المجموعة كلها، وأدعاها إلى التخلص من أذاها وشرورها خصوصا في هذه المرحلة الحضارية التي يعيشها المجتمع المصري ، أو على الأقل أسوة بالمجتمعات العربية الأخرى وما تمارس من سلوكيات في هذه المناسبة !
على أية حال ، كانت هذه الأصابع المتوحشة أبشع أصابع في المجموعة ؛ وكنت أتوقع من القاص الذي نشط لرفض هذه الأصابع المتوحشة والمتنوعة ، أن يكرس فيها الدعوة إلى التخلص من هذه العادة ، ويتجاوز مرحلة الحدث الذي عاشه في صباه المبكر ، وظل يمنّي نفسه لمعرفة ما يحدث في تلك الليلة بين العروسين ، وألا يقف عند حدود الدموع المختلطة بالصرخات والزغاريد حتى لو كانت ترصد غاية نبيلة يقررها العرف الاجتماعي السائد في البيئة في أهازيجه من مثل : " علقة تفوت ولا بنت تموت " ، و " يا الله يا عريسنا بيّض عرضنا" وهذا الأمر يدعونا إلى طرح تساؤل على القاص ومن قبله المجتمع المصري وهو ألا يبض العرض إلا بهذه الأصابع المتوحشة ؟ وإذا لم تضرب العروس في تلك الليلة بهذه الأصابع المتوحشة ، فهل يظل الموت يتربص بها وهي بين خيارين أحلاهما مرّ " العلقة" أو الموت أو القتل ؟! كفى يا قوم، وكفّوا عن هذه البشاعات وتجنبوا ما يتمخض عنها من أذى كثير وشر مستطير !!
هذا ما كنت أتوقعه من القاص وهو يعرض نموذجه الفذ للأصابع المتوحشة ؛ ولكن سامحه الله ! ويبدو أنه شغل بالزغاريد والأغاني وتناسى آلام " نجلاء النجلاوي" التي عاشت تلك المجزرة البشعة في أجمل ليالي العمر !
ومضى القاص ينتقي طائفة أخرى من الأصابع المتوحشة التي أذِيَ بها ويأذى بها الآخرون في المجتمع، وقد وفق توفيقا بعيدا في عرض تلك النماذج المتوحشة.
على أن المتأمل لهذه الأصابع المتوحشة التي حشدها في أقاصيصه يتبين أن بعضها كان يمثل نماذج فردية خاصة من خلال أُطر خاصة أيضا دون أن يمنع من انتمائها إلى طبقية أو إطار طبقي خاص ينضوي تحته أفراد كثيرون يمارسون هذا الضرب من التوحش أو الإيذاء ..
ومن نماذج هذا الإطار شخصيات قصته الأولى " مائدة لكائنات البر" التي تعالج قضية الطفيليين الذين يعيشون على موائد الآخرين ، ويجدون متعتهم التامة في انتهاب كل ما تصل إليه أيديهم من ألوان الطعام التي تعرض في تلك المآدب وملء أكياسهم السوداء التي أعدّوها لهذه الغاية النبيلة !
وقد حرص القاص على الربط بين هذه الطائفة المتطفلة وبين " كائنات البر" من الكلاب والقطط التي تعتاد حضور تلك الولائم بعد أن تتفرق الجموع مخلفة ما زاد عن طاقتها لتحظى بشيء منها .
والقاص هنا يسرد خبر مأدبتين لا مأدبة واحدة وإن تفاوتا في حجومهما وأعداد المدعوين فيهما:أما الأولى فهي التي أقيمت بمناسبة انعقاد صفقة هائلة بين مؤسسة حكومية وشركة استثمارية" لبيع مشروع ثروة حجرية خاسرة لشركة استثمارية "؛
وعلى الرغم من توجه القاص إلى طبقة الطفيليين على مثل تلك الموائد العجيبة، معتبرا إياها من الأصابع المتوحشة الفاسدة والمفسدة في المجتمع ، إلا أنه لم ينس طائفة أخرى كانت تمثل فئة أخرى من الأصابع المتوحشة وهي الجهاز الحكومي القائم على تنفيذ تلك المشروعات وعقد الصفقات مع الشركات الاستثمارية وما يتخلل ذلك من قضايا الرشوة والفساد وغير ذلك مما هو معروف ومألوف، وإن لم يعلن عن ذلك وينبّه عليه لسبب لا نعلمه حتى إن البرنامج المعدّ للاحتفال اختزل في فقرة واحدة هي" الإجهاز على طعام المائدة مثلما أجهز على مكونات المشروع الضخم "!
أما جماعة الطفيليين ، فقد أصدر"حاديهم" أوامره إليهم قائلا: " ضعوا الأصحاء في أكياسكم ، وألقوها مغلقة بين أرجلكم " ! وهو أمر يكشف عن منهج القوم في التعامل مع المآدب المشهورة للفوز بأطيب ما فيها من الطعام .. ولا ينسى القاص أن يسجل رأي أحدهم في هذه المأدبة مؤكدا أنها " مأدبة السنة ، بل القرن .." بل إنه يطلب منه أن يكتب للمسؤولين لتوزع على أسابيع السنة كلها"!
على أن هذه المأدبة تستدعي مأدبة أخرى كان قد حضرها القاص /البطل واصفا إياها بأنها " المأدبة الحقيقية " ، وأنها تفضل هذه المأدبة برغم محدوديتها قياسا عليها من حيث المكان الذي كان أكثر رقة وحنوّا بالقرب من البحيرة والبحر الواسع في أطراف شرق الدلتا"..وفي ملعب كرة قدم ، وكانت جموع المدعوين قدمت من مسجد المدينة الكبير ، وقد أقامها أحد النواب الفائزين في الانتخابات البرلمانية .. أما مذاقه، فقد كانت له حلاوة عجيبة استشعرها كافة المدعوين مما خلت منها المأدبة الضخمة السابقة .. ومع ذلك لم تخل من أولئك الطفيليين جوّابي المآدب الذين حضروا بأكياسهم السوداء وقواطع أسنانهم الصفراء .. كما لا ينسى أحدهم أن يبدي رأيه في هذه المأدبة ويتمنى أن لو كانت في ملعب للكرة الطائرة ليكون العدد أقل ، والطعام أكثر ليحظى به هو وأمثاله!!
كل هذه السلوكيات الشاذة أخرجته عن طوره وأفقدته اتزانه فطفق يصرخ بمثل هذه الكلمات المعبرة : "مرحى لأهل البر( الكلاب والذئاب وما شاكلها) .. وويل للناهبين ، وويل للمتطفلين .. وآه يا كائنات البر!"
ويلقانا نموذج آخر من هذه الطائفة ، أو قل الأصابع المتوحشة ، يتجسد فيه الشر والأذى بصرة غاية في الدقة والوضوح في أقصوصته " قمر الزمان يتماوت " ، والتي تحكي قصة نصاب محترف يستغفل الأبرياء وطيّبي القلب بأساليبه الحاذقة البالغة المكر والدهاء والحيلة ؛ وقد دفعت صاحبنا البطلَ النخوةُ والأريحية إلى تقديم كل عون له قبل أن يتلقى اتصالا هاتفيا من أصحابه يحذرونه إياه .. ونتيجة للسلوكيات الشاذة التي تحكمت في حياة ذلك النصاب دخل في غيبوبة حادة نقل على إثرها إلى المستشفى ليلقى مصيره المحتوم مخلفا وراءه تلك التركة التي لم تستطع إسعاده ووقايته من هذا المصير .
والذي يلفت النظر في هذه الأقصوصة كون هذا الشخص النصاب المحترف نموذجا لطائفة كبيرة من طوائف المغتربين الذين يجنون على أنفسهم قبل أن يجنوا على غيرهم بأساليبهم القذرة وسلوكياتهم الشريرة مما يجعلهم حقيقة من " أصابع القاص المتوحشة " التي ينبغي أن ينبّه عليها ويحذّر منها !
ومن نماذج هذه الأصابع المتوحشة بطل قصة مريض بالوهم بعنوان " ثرثرة جانحة " ؛ وهي تحكي قصة شخص لا يملّ من الادّعاء الكاذب على إخوته واتهامهم بأنهم سلبوه حقه في الميراث وجنوا عليه ليبرر سلوكه معهم وقطع رحمهم ؛ تأمل بعض عباراته التي كان لا يكف عن ترديدها بمناسبة وبغير مناسبة :
"آه من أشقائي وشقيقاتي .. حرموني .. سبقوني .. خاصموني ! ... أة من كيدهن العظيم! " وهكذا توسع في كما يقول القاص ، في تعميق التوهم بالشكوى واستعذب الخصومة وصدق التأويل المريض بأنه مظلوم ومحروم ومسبوق ومعزول " ؛ ومضت دوائر الانطواء تحكم حلقاتها من حوله ، والثرثرة الكذوب تزداد ، وقد شغل بها الناس في قريته وكادوا يصدقون مزاعمه مما جعل القاص يتطوع لإنهاء هذه الثرثرة الكاذبة ووضع الأمور في نصابها الصحيح بعدما فشلت مساعي أشقائه وشقيقاته في محاولة لإنهاء هذه الثرثرة الفارغة ، عندما واجهه بالحقيقة التي يعلمها عنه من حيث قسمة الميراث بالعدل والتي كان شاهدا عليها ، ثم أخذ يتلطف معه ليعيد ما انقطع من علاقاته مع إخوته قائلا : " تأمل أحوالكم فأنت المميز! كن راضيا بقسمة العباد ومن قبل ومن بعد بأرزاق الله ! أفق !"
على أن القاص لم يكن الوحيد الذي لام صاحبنا الثرثار المريض بالوهم ، وإنما كان هناك أحد علماء الاجتماع المشهورين في القرية أكد بطلان افتراءاته ومزاعمه وأن إخوته لم يحرموه ولم يسبقوه ؛ وكأنه لمس أسّ الداء الذي يعاني منه ذلك الثرثار الموهوم فقال : " ارفعوا عنه دوائر النساء ، واخلعوا عنه خيوط الوهم، ستلوح في الأفق من بعد صدق الدعاء فيوضات الرضا التي تمحو حجب الحرمان"!
وهكذا جاءت هذه الشخصية لتكون إحدى الأصابع المتوحشة التي أَذِيَ بها القاص أذى شديدا، ورغب أن يحجمها تحجيما يعيدها إلى سيرتها الأولى من الرضا والحب والقناعة وصلة الرحم وعمل الخير .
ويلقانا نموذج آخر من هذه الأصابع المتوحشة وإن لم يكن له من الخطر والأذى والشر ما وجدناه لتلك الأصابع المتقدمة لأن توحشه لم يكن أكثر من ممارسة شيطانية عابثة ، أو قل عبث صبياني، أو شقاوة عيال " راح ضحيتها الموقوتة أبوه وأمه في أقصوصة"الليلة الكذوب" عندما حرص على حرمانهما من لحظة صفاء وحب ووصال غبّ يوم حافل بالأعباء والأعمال عندما قرر أحد الصبيان الأشقياء أن يضع في كوب الشاي الخاص بالأب منوّما ليفسد عليه أحلامه الحلوة بليلة حب صاخبة مع أم العيال
ونجحت الخطة وراح الأب في نوم عميق ، وباءت كل محاولات الزوجة بالفشل والخيبة في إيقاظه؛ وهكذا عاشت تلك الزوجة " خيبة أمل في أحلام كذوب لفت ليلة مسروقة من عمر الزمن"!
وكنا نود أن يقف القاص عند لحظة اكتشاف الأب لهذا السر والعقاب الذي أنزله بذلك الولد الشقي الذي أفسد تلك الأحلام،وضيع عليهما ليلة مسروقة من عمر الزمن!
وعلى المستوى الرسمي تلقانا أقصوصتان تجسدان الأصابع المتوحشة بعمق ،
أما أولاهما فهي " مقاس شاذ " التي سجلت الجهود الهائلة الجبارة التي بذلها جهاز الشرطة وبمعاونة كافة أجهزة الدولة لتجميع الأحذية ذات المقاس الشاذ (نمرة 50) من كل مكان مهما كلف الأمر .. وتنجح المهمة بعد جهد جهيد واستنفار تام وتتجمع أحذية هذا المقاس في وجه ، أو تحت بصر ذلك المسؤول ، ويحس مظاهر البهجة والسعادة تطفح على وجهه وهو يراها مكدسة من حوله ، وتغلق ملفات عملية جمع المقاس الشاذ"؛ثم أصدر أوامره لمدير مكتبه لتبليغ المدير المالي بصرف مكافأة شهر للقواد والجنود على ما بذلوا من الجهود الجبارة التي استحقت أن يصدر فيها بيان رسمي مفاده أن " أجهزة الشرطة تنجح في أقل من أربع وعشرين ساعة في جمع كل أنواع الأحذية الشاذة من أقدام المواطنين والمنتجين والمروجين بنسبة تنفيذ بلغت مائة بالمائة " !!
وواضح أن القاص هنا يرسم صورة كاريكاتورية ساخرة لممارسات المتنفذين في أجهزة الدولة تكشف عن مبلغ الفساد والتردي الذي يسود تلك المرافق ، وليكون هذا الجهاز نموذجا آخر من نماذج الأصابع المتوحشة على نطاق أوسع وأشد إيلاما وأذى
(يتبع)
د. حسين علي محمد
17-04-2009, 09:43 am
قراءة في مجموعة «أصابع متوحشة»
للدكتور أحمد زلط (2 ـ 3)
...............................
وأما الأخرى ، وربما كانت من هذا القبيل فهي قصة " أوراق أبي سالم الزهراني " وعلاقته الطويلة غير السارة ولا الحميدة مع " زوار الفجر" وما أحدثوه في وجهه من ضروب التجاعيد والأحافير التي يزول الزمان ولا تزول ! وقد اتخذ القاص من شخصية " أبي سالم الزهراني نموذجا أو رمزا لكل من يلقيهم الحظ العاثر في وجوه " زوار الفجر" ومن ثن حراس السجون ليصبوا عليهم ألوان الممارسات اللاإنسانية والتعذيب الذي لا يطاق في زنازين الاعتقال ! أما إذا طلبت لائحة الاتهام ، فثمة لوائح جاهزة أيسرها " الخطورة على أمن الدولة " ! والقصة تعرض أطرافا من تلك الحفر والأخاديد التي اتخذت مواضعها الأبدية في صفحة وجهه وأبت التحول عنها ؛ وهي حفر بعضها اجتماعي خاص وبعضها حكومي أنتجته الزنازين والمعتقلات .. وكلها كانت تشكل مظاهر لليأس والقنوط والإحباط وإن حاول القاص أن يواسيه بمثل قوله : " أوراقك خضراء ولن تذبل ، أنت رجل الخير والعطاء ، لقبك الباقي ، بل القلادة التي تقلدتها ، معك الله والقرآن ودعوات الأوراد ... أحبابك كُثْر ... يكرهون القهر مثلما يكرهون العنف ، ويحبون الحي الذي لا يموت " !
وتلقانا أقصوصة أخرى تعرض لطرف من معاناة العلماء وعدم تقديرهم كغيرهم من طبقات المجتمع كالفنانين والراقصات وأضرابهن التي جعل عنوانها " نوافذمن أمن .. سدود من خوف " ؛ وهي بذلك تمثل نموذجا آخر من نماذج الأصابع المتوحشة التي لا تمل من إفساد المجتمع والحط من قيمه ومحاربة أوجه الخير فيه المتمثلة في العلم والعلماء حيث كانت مكافأته لا تعدو ثلاثمائة جنيه عن دورة إذاعية كاملة ، في حين كانت مكافآت الراقصات والفنانين تتجاوز أضعافها المضاعفة مما أحدث في نفسه قدرا من الإحباط دفعه للبحث عن مهنة أخرى يقدرها المحترفون أصحاب الحواس المحترقة والعقول المتضخمة ، كما دفعته إلى أن يعيد النظر في أحكامه القديمة الجائرة على فئات بضاعتها القدم والخصر والحنجرة ، فرسان اليوم ، وربما الغد ! "
ويستدعي هذا الموقف موقفا آخر سجلته أقصوصة " ولد .. بنت .. بنت ولد" التي تحكي قصة "المستشفيات الفندقية "أو "الفنادق العلاجية " حيث أدخل زوجته لتضع مولودها الأول فيه .. وإذا كانت أكبر أو أضخم الفنادق التي أشار إليها من فئة خمس نجوم ، فقد كان هذا المستشفى العلاجي من فئة سبعة نجوم ، وفيه من الخدمات ما ليس في تلك الفنادق .. بيد أن الأهم من كل ذلك الفاتورة أو الفاتورتان اللتان كانتتا في انتظار صاحبنا : أولاهما للإقامة والتوليد ، أما الثانية فتقول مفرداتها : بيان مصروفات الحاضنة الاصطناعية ، ومصروفات عربة نقل طفله الميت " !
وهكذا كانت هذه الأقصوصة نموذجا من نماذج الأصابع المتوحشة التي أوجدتها الحضارة الزائفة، وأرساها في هذه البيئة البعد عن الأرض الطيبة الواسعة التي تكسوها الشمس والكواكب "، حيث الحياة الحقيقية المجردة من الزيف والشر والأذى!
وربما كان من هذا القبيل ما يتعلق بطبقة العاملين المهاجرين إلى الخارج من أجل تحسين مظاهر الحياة مع ما في ذلك من ألوان البؤس والعناء والشقاء التي وجدنا نموذجا منها في قصة " قمر الزمان " السابقة .. بيد أن هذه الأقصوصة تتناول مشهدا يجسد النفسية المصرية المفطورة على النكتة والطرفة والقفشة التي يجب أن تقتنص في حينها ! وقد اتنطلق القاص في سرد أحداثها ووقائعها من خلال المقولة الشعبية التي تتكرر على الألسنة باستمرار عند الخوف من تبدل الحال " خير ، اللهم اجعله خيرا "؛ وقد كرر القاص هذه العبارة أربع مرات ، مع كل مشهد صاخب ضاحك يمر بالعائدين في رحلتهم ؛ وكأن القاص يريد أن يشعرك مع كل مشهد بما يمكن أن يقع عقِبَه من أمور تفسد هذه الحالة الضاحكة المفرحة ؛ وهذا ما حدث في ختام الرحلة عندما فقد جواز السفر الخاص بأحد المسافرين وأحدث له وللشلة ضربا قاسيا من الإزعاج والقلق والتوتر أعاد للذاكرة عبارة القاص التقليدية" خير اللهم اجعله خيرا "!
وواضح أن فضاء الأقصوصة مفتوح يستوعب مشاهد أخرى يمكن أن يستدعيها القاص في هذا الإطار النفسي الموروث ! وكأن هذا الموروث يذكر بأن مثل تلك السلوكيات الضاحكة الصاخبة يمكن أن تكون نموذجا من نماذج الأصابع المتوحشة عندما تفسد الجو وتغير الوضع وتعكر المزاج بما ليس في الحسبان !
بقي في المجموعة أربع أقاصيص ، منها قصة طريفة بعنوان " شهيق وزفير " تقمص فيها القاص شخصية مصعد متهالك عجوز في إحدى البنايات القديمة ليبثه شكاته المرة وسوء معاملة السكان له عسى أن يتوسط لديهم لينصفوه ويريحوه أو يعاملوه بإحسان ويرحموه من أفعالهم القذرة التي يمارسونها في جوفه ! وهذه السلوكيات الشاذة والممارسات العدوانية التي تصدر عن هؤلاء السكان إزاء المصعد العجوز تمثل ضربا آخر من الأصابع المتوحشة التي رصدها القاص هادفا إلى تغييرها بسلوكيات حضارية جديدة تتمثل الأخلاق الفاضلة وتتبنى القيم الرفيعة !
أما الأقاصيص الثلاث الباقية فقد شارك فيهما القاص أطفال الحجارة في انتفاضتهم المباركة ، وهي تكشف عن انفعاله الحاد بها حتى تدخل في الإهداء الذي قدمه بين يدي المجموعة وفيه يقول :
"إلى أطفال المقاومة في الأرض الفلسطينية العربية المحتلة :
يا من تنشدون (الموت / الشهادة)، وتكتبون (بالحجر / الدم ) الوعي أنّـا :
( خير أمـة أخرجت للناس )
وقد جاءت القصة الأولى في مقاطع أو كما يقول " مشاهد من غابة النار " ، وقد بلغت عشرة مشاهد بناها بناء رمزيا مكشوفا شديد الوعي يتناسب والغاية التي تغيّاها فيها وهي الإشادة بهذه الانتفاضة ، ورفض السلبية التي يتميز بها الواقع العربي بإزائها بمفرداتها الثلاثة " الرفض والشجب والاستنكار " ! وقد اتخذ لها أسلوب الرمز عندما جعل"الصهيونية" ممثلة بإسرائيل تبرز في رمز " ذئب ، أو كبير الذئاب "وتتخذ من الغابة مأوى لها ، وجعله يتوجه إلى سائر القطعان فيها داعيا إلى ترويج الكذب في كل مكان ، في هذه الغابة وفي الغابة الأم /رمز العالم بأسره ، وإلى تشتيت كل داجن فيها انطلاقا من مبدأ " اكذب وادّع البراءة وانسب الفعل إلى الآخر ، واظهر بمظهر المظلوم المسكين المعتدَى عليه " ! ويكشف الثعلب الماكر نصير الذئب الصهيوني عن تلك الممارسات التي يصبونها على الآخرين تنفيذا لهذه السياسة الباطشة تسندهم نجدة الغابات الصديقة أو الحليفة .. وتتضافر معها قطعان أخرى من متوحشي الغابة لتنفيذ هذه الغاية .
وفي " بكائية اللذة " يستدعي قضية " حائط المبكى " وادعاء الصهيونية بأنه جزء من هيكل سليمان ، ويرصد أطرافا من مشاهدهم الباكية من حوله ، ويرسم لهم صورا غاية في الروعة والقدرة على التعبير عن الازدواجية الفاقعة التي تميز وجودهم : الاتشاح بالسواد واللحى الطويلة والتباكي الحار من جهة ، والدماء النازفة من أعدائهم الذين مزقتهم أيديهم بالرصاص !
ويلم بشيء من التدمير والخراب الذي نشروه في الغابة / الأرض الفلسطينية وما أبداه شعبها من صمود وتجذر ، وما قدموه من شهداء ، وما أبدوه من تصميم وعزم على الصمود والثأر القريب بمشيئة الله مهما صبّوا عليهم من سيول الرصاص واستخدموا كافة الأسلحة : الراجمات والمروحيات والدبابات ..
وتعنّيه حالة الطفل الفلسطيني الذي حرم من كل أبهاء الطفولة وضاق ذرعا بسجنه الإجباري الذي فرضه عليه اليهود بل لقد أصبح الموت في أرضهم خيارهم الوحيد !
وفي " الكنز" يطلعنا القاص على مظهر من مظاهر أدب الطفولة يتكرر في القصص الموروث ؛ ويتمثل الكنز هنا الذي أخرجه العجوز للأطفال في سيف عتيق كان لأحد الشهداء الذين سقطوا في الدفاع عن الوطن ، وفي بعض الوثائق التي تؤكد ملكيتهم للأرض التي اغتصبها اليهود لتكون دافعا لهم للاستماتة في الصمود والتجذر في الأرض وحمايتها بكل شيء ! وكان ذلك إيذانا ببدء الانتفاضة ومقاتلة اليهود بالحجارة ، وما أبدوا من ثورة وتمرد وعزيمة وصمود !
ثم تأتي الأقصوصة الأخيرة " سؤال إلى فضاء المسألة " لتكمل نسيرة الرمزية في الصراع بين الغرب والشرق ، استعمار الغرب للشرق ومحاولة الشرق التحرر منه،ثم دور أطفال الحجارة في مقاومة العدو الصهيوني والثورة لتحقيق الوجود ؛وهو يسوق هذا الرمز في إطار الغابة السابقة بما تكتظ به من وحوش كاسرة وطيور جارحة وغيرها من كائنات تسعى لتحقيق الوجود أو الذات عن طريق الوحدة والتجمع ! وتبرز هنا ثنائية القوة والضعف ، الطيور الضعيفة ، طيور الشرق الأليفة أمام جوارح الطير المسيطرة على كل شيء في الغابة ؛ ولكن لا يمنع هذا الوضع من محاولة طيور الشرق التجمع لمواجهة العدوان ؛ ويكشف القاص عن أسلوب إسرائيل المتميز في السطو والسلب والخداع عندما صورها في صورة البوم الجوارح التي تحصنت ودربت أفراخها الماكرة على الفتك بالطيور الداجنة ، وانطلقت توصيها بآخر الوصايا : هيا اقتنصوا وابدأوا في أفانين التباكي والمسكنة .. المهزلة " !
ثم يأتي جواب السؤال الذي طرحه في عنوان القصة على لسان الهدهد العجوز الذي يكشف عن حقيقة الوجود الصهيوني وضرورة مقاومته وتجنيد كافة الطاقات لذلك يقول : " لن تحل المسألة إذا بقيت النسور لاهية هناك .. أو هاربة تجوب الفضاء متناسية دورها في حسم المعضلة .. نحتاج النسور ، الصقور ، وحين تحط فوق الشجر سيهطل الغمام نارا ونورا، بل براكين الغضب.. وبذلك تنقضي ويلات التشرذم والعتب"!!
ثم تأتي الأقصوصة الثالثة في هذا الإطار بعنوان " عدسات لاهية " حيث تؤكد الدور الرائع والرائد الذي قام به أطفال الحجارة تنفيسا ورفضا للمعاناة التي تجرعها هذا الشعب على طول الاحتلال الصهيوني لفلسطين ، ورفضا كذلك للسياسة العربية القائمة على الرفض والشجب والاستنكار والاستسلام الرخيص لتكريس الوجود الصهيوني في المنطقة العربية .. وتدور القصة حول مقارنة بين ما يلاقيه أبناء الشعب اليهودي من صنوف المتاع والبهجة والسعادة في غير وطنهم وغير بلادهم ، وما يلاقيه أبناء الشعب الفلسطيني من ضروب العذاب والجوع والحرمان وقد منعوا من التحرك والانتقال في وطنهم بما ضرب عليهم من أسوار وأسلاك شائكة وأرض ملغمة وطرق مغلقة .. حيث كانوا يتجرعون الحصار وسموم البارود وعذابات الاختناق .. ولا يجدون من إخوانهم غير بيانات الشجب! حتى عدسات التلفزة اللاهية أخذت تستعذب ملاحقتهم وهم يقذفون ويتقافزون ، وحين يسقطون تلاحقهم عدساتهم لتصوير وقع الرصاص في سيقانهم وصدورهم !
وهكذا تتجسد مظاهر الإجرام البشعة في سلوكيات العدو الإسرائيلي وهو يصبها على هذه الفئة العاجزة الضعيفة من الأطفال الذين جردوا من كل أثر للقوة ويقمعون بكل أدوات الفتك والقتل والتدمير لتبرز نموذجا آخر فذّا من الأصابع المتوحشة التي حرص القاص على مطاردتها في هذه المجموعة ، وإن كانت على مستوى الأمة العربية أو الوجود العربي وليس على مستوى الأفراد الذين رأيناهم آنفا .. وقد أبدع القاص أيما إبداع في تصوير مظاهر التوحش والشر والأذى في هذه النماذج التي أحسن انتفاءها واختيارها وتتبع أبعادها وجسد ملامحها تجسيدا يحسب له !
وعلى هذه الشاكلة تبدت لنا مهارة القاص في رصد الأصابع المتوحشة في المجتمع التي طال عناؤه وعناء الآخرين منها ، وقد وفق في التقاط نماذجها توفيقا ظاهرا وساقها في هذا الأسلوب القصصي الماتع الذي لا تنقصه في كثير من الأحيان دقة الحبكة والبنية والسرد والقص، وإن شابته مظاهر أخرى سنلم بها فيما بقي من الورقة.
(يتبع)
د. حسين علي محمد
17-04-2009, 12:52 pm
قراءة في مجموعة «أصابع متوحشة»
للدكتور أحمد زلط (3 ـ 3)
...............................
فأما الحبكة ، فعلى الرغم من توافرها في أغلب أقاصيص المجموعة ، حيث تلقانا بشكل دقيق وعميق في " شهيق وزفير" التي تحكي قصة المصعد العجوز المتهالك الرافض لسلوكيات سكان العمارة، وما أحدث فيها من تقمص هائل وتشخيص واع له وتدرج الأحداث وروعة السرد ودقة الوصف لمظاهره المتعددة وغير ذلك مما يؤكد دقة الحبكة والقدرة على الإمساك بخيوطها وتصريفها وفق ما تقتضيه تطورات الحدث .. وكذلك في " قمر الزمان ،، يتماوت " ، وإن كنا نودّ أن يستبدل بكلمة " يتماوت " كلمة " يموت " التي كانت تمثل مرحلة حاسمة في حياته عندما هاتفه أحد أصحابه محذرا منه..وقد توافر لها التسلسل المنطقي الدقيق لتطور الحدث .. ومثلهما قصة " المقاس الشاذ " الذي استنفرت له كافة أجهزة الدولة لإشباع حاجة صاحب الشرطة الذي آتاه الله بسطة في الجسم وضخامة في القدم وسلطة فاعلة دفعته إلى تجنيد كافة الأجهزة لجمع أحذية هذا المقاس في الدولة كلها لتكون تحت تصرفه ينتعل منها ما يشاء وقتما يشاء !! وهي رغبة قمينة بإهمال سائر " بلاغات النهب والاختطاف والاغتصاب والقتل و .. " فضلا عن تلك الأحلام التي كانت تموج في نفس المسافر الأخير الذي كان يستأثر بآخر زوجين من نعال هذا المقاس الشاذ وهم يقتادونه إلى صاحب الشرطة وما أورثه ذلك من خوف ورعب عندما يضطر إلى الاعتراف بما لم يفعل قبل الاعتراف بما فعله حقيقة ما دام قد وضع اسمه على لائحة " زوار الفجر".. كذلك تجسدت دقة الحبكة بصورة رائعة في " الليلة الكذوب " حيث تدرج تدرجا دقيقا مع البطل منذ مغادرته مكان عمله ورؤيته قدر الفول وملء خياشيمه بما ينبعث من روائحه الآسرة إلى أن وضع العشاء وتناهبته أيدي الأولاد وإلى أن دبر أحدهم ذلك المقلب الخبيث لأبيه ليفسد عليه أحلامه التي ملأت نفسه ..
ثم لا ننسى الحبكة التي امتازت بها " أصابع متوحشة " مما يؤكد قدرة القتاص على توفير الحبكة الدقيقة والمناسبة لأقاصيصه متى شاء .. ولذلك خلت بعض تلك الأقاصيص من هذه الحبكة لأنه بناها بناء خاصا متميزا كما في " مشاهد من غابة النار " و"سؤال إلى فضاء المسألة " ، وكذلك " أوراق أبي سالم الزهراني " التي جاءت استدعاء لذكريات طويلة ممتدة استغرقت عقودا كثيرة جسدتها أخاديد وجهه وأحافيره المتنوعة والتي كانت أيضا صورة أخرى من ملفات " زوار الفجر" ! والقاص يدرك أكثر من غيره ما يتطلبه هذا الفن الرائع " القصة القصيرة " من تقنيات دقيقة ينبغي الحفاظ عليها وتكريسها في كل أقصوصة من حيث محدودية الحدث والشخصية والزمان والمكان ..
كذلك امتازت المجموعة في جوانب كثيرة منها بدقة الوصف وروعته سواء أكان يخص الشخصية أم المكان أم غيرهما على نحو ما يلقانا في " مائدة القصة الأولى " الحالية والتي سبقتها .. وهذه الروعة تلقانا في تصويره لكائنات البر وكائنات البشر المتطفلين وللمأدبة نفسها وللمكان والجمهور الذي حضرها .. وأينما يممت وجهك في أرجاء هذه الأقصوصة تجد الوصف الرائع الماتع الذي يجسد لك المكان والأحداث والأشياء تجسيدا رائعا .. ثم تأمل صديقه الأثير " المصعد العجوز" وما أفضى به من قسمات وجهه وجسده وهيكله وحركته وغضبه وعزمه على التقاعد الإجباري من الخدمة وغير ذلك مما صاغه القاص في هذا الأسلوب الشيّق العذب الممتع !
وكذلك وصف " قمر الزمان " المتسول النصاب ، وكذلك مستشفى الولادة الفندقية ذي سبعة النجوم ومظاهر العناية بتجميل زوجه التي توشك أن تضع وليدها الأول والمقارنة بين الولادات الحديثة والولادات القديمة التي كانت تتم في أماكن العمل في الحقول وغيرها وما كانت تمتاز يه نساء الأمس وتفتقده نساء اليوم .. وغير ذلك من مظاهر الوصف فيها .. وأما ما حدث في ليلة الدخلة في " أصابع متوحشة " من مظاهر الوصف فحدّث عنها ولا حرج !!
على أننا نأخذ على القاص تهاونه الشديد وتساهله الظاهر في استخدام اللغة وقلة عنايته واهتمامه بها حيث تساقطت هنات كثيرة منها في جنبات أقاصيصه من أمثال : "بضعة مئات " التي تكررت مرتين في ص10، ورفع " المدعوون" في حالي النصب والجر في ص15، ويلقانا جمع المذكر السالم المفترى عليه في ص52 في عبارة أو لافتة " أذون صرف المتحدثون والمعدّون ..."، سواء أكان الافتراء من القاص أم من كاتب اللوحة ، إذ عليه تصويبها إلاّ إذا كان يقصد إبرازها كعيب فاقع من عيوب اللافتات التي تلقانا في كل مكان ؛ ومثلهما " حصاد السنون "ص72 ، ونصب " محظوظ" في موضع خفضها ، وتأنيث " تفزعني " مع الخوف المذكر في ص21، وقوله " توقيت صلاة الفجر 22، وصوابه " وقت " ، وفي عبارة " هممت أودّعه" في ص 27، وتأنيث العدد في " أربعة وعشرين ساعة "في ص37، واعتباره " زوج النعال حذاء كاملا مع أنه لا يعدو أن يكون جزءا منه أو فردة منه ، وإنما يطلق على الحذاء لفظ " زوجين " لأن كلاًّ منهما زوج للآخر ، فالحذاء إذن زوجان لا زوج واحد .. والمرأة والرجل زوجان ، وكل منهما زوج للآخر .. ومنه قوله تعالى لنوح عليه السلام ( واحمل فيها من كلٍٍّ زوجين اثنين ..) أي ذكرا وأنثى .. إذن كان ينبغي القول : " ابحثوا عن أربع الأزواج" الباقية، ومنهما اثنتان في قدمي صاحب الشرطة ، واثنتان في قدمي المسافر العاثر الحظ ! (ص38،39) وفي ص47 تلقانا آخر عبارة يجب أن تغير إلى: "تعلن بإيقاعها المملّ عن دخول صباح جديد"..
وفي ص56 تلقانا عبارة " بلغت الضحكات بالركاب الحناجر" استدعى فيها الآية الكريمة ( وبلغت القلوب الحناجر) الأحزاب 10، ولكنه لم يُقِمِ الاستعمال بسبب التسرع والعجلة في التعبير ، وكان عليه أن يقول :" بلغت الضحكات الحناجر من الركاب ".. ومثل هذا الاستدعاء غير الموفق لقلة التروي والاندفاع في التعبير" اشتعل فكري شيبا"ص53 المستوحى من قوله تعالى في سورة "مريم"( اشتعل الرأس شيبا )؛
وأساس التعبير في الآية " اشتعل شيب الرأس ، وقياسا عليه ينبغي أن يكون تعبير القاص "اشتعل شيب الفكر"،وهو تعبير خانه الصواب لمخالفته نمط التعبير في الآية .
وفي ص60 يلقانا خطآن هما " أومئ" وصوابه " أومأ "، والآخر " بغلق " وصوابه " بإغلاق". وفي ص68 عبارة " موحلة بالطين "، والطين هو الوحل ، وإنما يقال " موحلة " أو ملطخة أو مغطاة بالطين " .. ومن ذلك استخدام " المبهرة " بدلا من " الباهرة" في ص105لأنه مشتق من الفعل الثلاثي " بهر" وليس الرباعي " أبهر"، وفي قوله ص107 يصف الفقراء البائسين بأنهم " يرفلون في رخيص الثياب "، وهو لفظ يشي بالكبرياء والتبختر وجرّ الثياب والتزين مما لا يتناسب ورخيص الثياب ، وكان عليه أن يقول " يتدثرون ، أو يلتحفون مما يتناسب والأسمال البالية أو الثياب المهلهلة... وفي ص108 " نجد عبارة " وما يزال صابر وفدوى وشفيق و(نظرائهم) .. وصوابه " ونظراؤهم .. وفي ص113 تلقانا عبارة " رفض أباها زواجها "، وصوابه " أبوها".. وفي ص115عبارة" لو بكيت سيطردوك" وصوابه " يطردونك "، ومثلها " النسوة يحثوه "ص117 وصوابها " يَحْثُثْنَه " ، وفي ص118 " حوصرت " وصوابه " حُصِرْت" ...
على أننا نجد طائفة من التعبيرات الجيدة الرائعة التي انتشرت في جنبات المجموعة ولا غرابة في ذلك لما عُرِف به القاص من إبداع وتمكّن من مثل " دبّت في لاقطات الصور ومسجلات الأصوات الحياة " 36، ومنها عبارة " تحولت بلاغات النهب والاختطاف والاغتصاب والقتل إلى جثث هامدة .."38 ، وكذلك عبارة " التصق عقلي وجسمي بأرفف مكتبتي " 49، ووصفه نفسه بأنه " إذاعي ضل طريقه إلى البريق الأكاديمي "50، وقوله " كان الشيطان يلاحقني ، كأنما يعرقل الفرحة ويدعوني في إلحاح غريب أن أستقلّ عربة أجرة "51، وعبارة " مضت الدقائق كالدهر ، كانت حبلى بالأحلام والمنى .. وكذلك وصف الطوابير بأنها " ثعبانية "57..وهي صورة جميلة تضارعها صورة الليلة الكذوب التي وصفها بأنها " مسروقة من عمر الزمن " 80 .. وهما صورتان لم تحظ بشيء من جمالهما عبارة أخرى يقول فيها "قررت محاولة مداواة بعض شطآن الحفر في تجاعيده "71..
وفي المقطع الأخير من " سؤال إلى فضاء المسألة يلقانا نص شعري ظاهر الملامح قوي الدلالة بالغ التعبير يجسد طبيعة اللغة الشاعرة عند القاص وكأنه كان يريد أن يتحول به من النثرية الصامتة إلى الشعرية الفاقعة أو المجنحة يقول فيه :
" أما شدو الهديل ، فقد أجهد حناجر من يحاصرهم نار السغب ..
وحين تحطّ فوق الشجر النسور الصقور كل الطيور
سيهطل الغمام نارا ونور
بل براكين الغضب
أم سيظل السؤال ، الفضاء ، المسألة أبواب (أبوابا) تصدح
بل تعزف على نغمات (نغماتٍ) مفادها ويلات التشرذم والعتب !!
على أننا نجد القاص حرص على استخدام طائفة من التعبيرات والأمثال الشعبية التي فرضت وجودها على أسلوبه وكنا نتمنى أن لو تخلص أو تحرر منها ومنها " كأنك يا أبو زيد ما غزيت "51، و" يا ما جاب الغراب لأمه " 57، و"أهازيج العشاء" في ص76 ، وأهازيج ليلة الدخلة في " أصابع متوحشة "116،117 ..
على أننا نجد القاص يستدعي بعض الآيات القرآنية في بعض أقاصيصه فيص11، 65،72 .. ويلقانا شعور ديني غامر يطفح من تعبير إحدى الفلاحات اللاتي تمكنّ من الولادة في أثناء العمل في الحقل عندما تنازلت عن أجرتها واعتبرتها زكاة عن صحتها وعافيتها 31 ..
بقي جانب يسير محدود يتمثل في رمزية بعض الأسماء التي استخدمها في أقاصيصه ومنها " قمر الزمان زاهد المحاقي " ، والكتور شحات أبو محجوب " ، وكذلك رمزية الغابة للوجود الإسرائيلي في فلسطين وتأييد المعسكر الغربي بقيادة أمريكا لهم ، وكذلك " الفاتح الشراري " الذي حظي بنجلاء النجلاوي 114 ..إلخ
وعلى هذه الشاكلة نصل إلى أحد المرافئ التي نقلنا إليها القاص الدكتور أحمد زلط في مجموعته القصصية الجديدة "أصابع متوحشة" ليعرض علينا نماذجه التي اختارها من المجتمع لتمثل مظاهر من التوحش أو الشر أو الأذى في محاولة هادفة لدعوة الناس لأن يتخلصوا من نظائرها ويحموا الآخرين من شرورها وأذاها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا .. وقد وفق القاص في عرض تلك النماذج وتوفير قدر ظاهر من الإبداع والإمتاع لها ، وإن شابها شيء يسير من الشوائب التي لا يكاد يخلو منها عمل إبداعي في الغالب الأعم ، وإن أمكن التخلص منها بقدر أيسر من المراجعة والتنقيح ..
وإلى أن نلتقي مع القاص في إبداع آخر نتمنى له مزيدا من التوفيق ؛؛؛
أ.د. خليل أبو ذياب
(انتهت الورقة)
د. حسين علي محمد
6-06-2009, 06:40 am
ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل (1 ـ 5)
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
..............................
تقاس عظمة الشاعر باقتداره على الإبداع، كما تقاس جماهيريته بمقدار تعبيره عن هموم الآخرين، ومبلغ تمثلهم في شعره ووجدانه ليستطيع أن يحتل مساحة واسعة من خريطتهم الوجدانية؛ والشاعر هناك / في الإبداع، وهنا / في الجماهيرية ، يحتاج إلى قدر واسع ورصيد ضخم من التجارب الرفيعة والعميقة التي تحقق له ذاته الفنية التي لا يكون شاعرا بدونها.
ولو قلبنا النظر في شعراء الأمم في كل العصور لما أخطأنا هذه الحقيقة، ولما تجاوزنا هذه الفكرة ، بل ولتمثـلناها تمثلا دقيقا وعميقا منذ هوميروس شاعر الإغريق في ملحمتيه المشهورتين "الإلياذة والأوديسّــة"، وكذلك فرجيل شاعر الرومان اللاتين في "الإنياد"، ودانتي شاعر الطليان قي "الكوميديا الإلهية"؛ وكذلك شعراء العرب منذ امرئ القيس وزهير والنابغة وأضرابهم الجاهليين، ومن ورائهم سائر الشعراء الذين لحقوا في الأعصر الأدبية التالية إلى عصرنا الراهن من أمثال المتنبي وأبي العلاء وأبي تمام والبحتري وكذلك شوقي والبارودي وحافظ وغيرهم وغيرهم ممن ملؤوا الساحة الأدبية بالشعر كما هو مشاهد وملموس ولا يتطلب دليلا أو برهانا لتأكيده وتحقيقه!
وغنيّ عن البيان أن قلة من الشعراء في كل عصر هم الذين يثبتون وجودهم الفني، ويحققون ذواتهم الإبداعية، وتظل أسماؤهم تتردد على الزمان، وتضمخه بعبيرها الشذي، وهم أولئك الذين ملكوا طاقات الإبداع، وسيطروا على ناصية التعبير، وانطلقوا يعبرون عن تجاربهم الذاتية والوجدانية، كما لم يغفلوا عن تجارب الآخرين ومشكلاتهم المتنوعة فمضوا يعبرون عنها تعبيراً لا ينقصه الإبداع والروعة والجمال!
وهذا يعني أن الشاعر المبدع الذي يستحق أن ينضم إلى قافلة المبدعين، ويعدّ منهم ينبغي أن تتجسد لديه تجارب الآخرين التي ينبغي أن ترتفع إلى مستوى إبداعه وعبقريته .. ومن هنا فإن تفاوت مستويات الشعراء، بل تفاوت مستويات التعبير عند الشاعر الواحد ذاته ما بين قصيدة وأخرى، بل وفي نطاق القصيدة الواحدة كما هو شائع ومألوف ومقرر دون أن نجد لهذه القضية أو الحقيقة ناقضا كمظهر من مظاهر الشذوذ يفسدها، أو يدحض اطرادها، يرجع إلى نقص في التجربة الوجدانية التي تفجر طاقاته الإبداعية؛ وسواء أكان هذا النقص مرده إلى ذات الأديب / الشاعر، أم إلى البيئة / المحيط الذي يتنفس فيه، ويتشكل منه، فإن الإبداع يجب أن يتخلق من رحم التجربة، أو بذرتها، وكلما كانت التجربة، أو قل تلك البذرة قوية وسليمة ومبرأة من العيوب أو الفساد والعفن، وتوافرت لها ظروف الاستنبات الطبيعية المناسبة، كانت قادرة على التخلق السليم، وقادرة على أن تضرب بجذورها في رحم الأرض التي بذرت فيها، لتطلق ساقيها في الفضاء الرحيب لتؤتي أكلها في كل حين.
أما إذا كانت الأخرى، فربما تموت البذرة وهي ما تزال في رحم الأرض ويحتضنها التراب من كل الجهات؛ وإذا قدّر لها أن تخرج من ذلك الرحم، وتلك التربة، فإنها تخرج نكدة خبيثة فاسدة وعاجزة عن مقاومة عوامل الطبيعة المتغيرة من حرّ وبرد وجفاف ورطوبة ريح ومطر وما إلى ذلك ..
هذه المقدمة المسرفة في الطول ـ ومعذرة إذا لم تجد ما يبررها إلى الآن، لا نظن أو نعتقد أنها منفصمة العرى، مبتوتة العلائق مع موضوع هذه الدراسة التي ستتناول قضية من قضايا الإبداع عند شاعرنا الكبير سمو الأمير عبد الله الفيصل، وهي قضية "الحرمان"، أو قل ظاهرة الحرمان التي تجسدت في أبلغ صورها وأوسعها وأعمقها عند هذا الشاعر الذي يعد أكبر شاعر معاصر جسد هذه القضية أو هذا الموضوع تجسيدا رائعاً وعظيماً وبالغاً، حتى إنه وسم به أول ديوان يخرجه، وجعله عنواناً ضخماً له، مقررا أن أغلب ما احتواه من قصائد وأشعار إنما هي «من وحي الحرمان» الذي كان يحسه أعمق إحساس، ويصدر عنه في كل ما يبدع من أشعار؛ بل إنه تجاوز هذا الحد أو المقدار عندما وصف نفسه بأنه "المحروم"، ومضى يتغنى بكل ذلك في كافة جوانب الديوان، وينشره في ثنايا قصائده وأمشاج مقطوعاته؛ بل إنه لم يقف عند حدود هذا الديوان الأول ليتنفس عبق الحرمان فيه إلى الديوان الثاني الذي أصده وعنونه بـ «حديث قلب» حتى جاء مسرحا واسعا وفسيحا ومضماراً رحيباً يجري فيه الشاعر أفراس الحرمان لتلتقي بصواحبها السابقات أفراس ديوانه الأول، مما جعل هذا الديوان الثاني استمراراً واعياً، وتواصلا حميما مع سلفه الأول أو شقيقه الأكبر «وحي الحرمان» في تجسيد هذه الظاهرة النفسية والفنية الإبداعية التي عنّته طويلاً، وأعنتته وأشقته وآلمته على طول حياته الشعرية المديدة!
وواضح أننا أمام تجربة أو ظاهرة لا نكاد نحسّها بهذا الزخم ، وتلك الكثافة والتركيز حتى عند شعراء الغزل العذري ـ شعراء الاستلاب العاطفي، أو الحرمان الوجداني، ولا حتى عند شعراء المدرسة الرومانسية الحديثة أو المعاصرة الذين رقموا أسماءهم في سجل الخلود، ونقشوا أشعارهم على معابد الشعر المقدسة ..
وإذا كان شعراؤنا الغزلون العذريون قد جسدوا هذه الظاهرة من خلال ممارساتهم النفسية، وأفعالهم أو ممارساتهم الواقعية على ما شاع فيها من اختلاق وافتئات كاد يميع معالمها الحقيقية، فإننا نجدهم قلما عبّروا عنها بالقول أو باللفظ أو بالصراخ والإعلان والشكوى الصاخبة كتلك التي تلقانا عند شاعرنا الكبير "عبد الله الفيصل" شاعر الحرمان الأكبر؛ ذلك أنك أينما يممت وجهك، وألقيت ببصرك في صحائف هذا الديوان وأبيات قصائده الكثيرة الساخنة أو قل الملتهبة، فإنك واجد لا محالة فيها قدرا ضخما من آلام الشاعر وقسطاً واسعاً من أحزانه التي تفجرها وطأة الحرمان التي يعاني منها أقسى معاناة وأبلغها، ويخيّل إليك، أو قل تحس، من خلالها أنها تأخذ بخناقه وتكاد تقضي عليه قضاء مبرماً؛ ومع كل هذا فإن الشاعر المحروم لا يملّ من إعلانها وترديدها، وكأنه يحس سعادةً غامرةً وهو يمارس هذا الإحساس الحاد من خلال عنوانات كثير من قصائد الديوان التي تطالعك بمجرد وقوع بصرك عليها من مثل "الحرمان"، و"غربة الروح"، و"أمل المحروم"، فضلا عن عنوان الديوان الأول البكر الذي نتولى في هذه الدراسة الحديث عنه وهو "وحي الحرمان"، وكذلك شاعره ومبدعه الذي أبى إلا أن يصف نفسه ويمهره بهذا اللقب الجديد «المحروم»؛ حتى إذا يممت وجهك في فضاءات القصائد التي يحتويها، وتخللت نسيجها القشيب الذي لا تكاد العين تخطئ مظهرا من مظاهر هذا الحرمان أو الإحساس الحاد بالحرمان الذي كان الشاعر يعانيه أبلغ معاناة!
(يتبع)
د. حسين علي محمد
6-06-2009, 12:31 pm
ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل (2 ـ 5)
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
..............................
(2)
وهذا الزخم الحاد، والإحساس الهائل بهذا الحرمان الذي يشيع في كل جانب من جوانب الديوان هو الذي دفعنا إلى محاولة درس هذه الظاهرة التي تجسدت في قصائد الديوان بشكل لافت ومميز في هذه الدراسة التي بين أيدينا، وستكون هذه الدراسة من زاويتين رئيستين هما: تحليل ظاهرة الحرمان كما تجسدت في شعر عبد الله الفيصل، والأخرى تفسير تلك الظاهرة وتعليلها؛
أما الزاوية الأولى، فإننا إذا قلبنا قصائد الشاعر التي ضمها هذا الديوان «وحي الحرمان»، وكذلك القصائد الأخرى التي جاءت في ديوانه الثاني «حديث قلب» الذي واصل فيه الحديث عن هذه الظاهرة، ووصف لواعجه القاسية وآلامه المبرحة التي كانت ما تزال تفعل فعلها في نفسه وتلون مشاعره وأحاسيسه، وذلك لأن دوافعها وأسبابها لم تنته من نفسه، ولم تزل من خواطره لتنتهي من شعره وتتجرد منها قصائده، بل ظلت حية نابضة تسري في عروقها، وتتمثل له بوضوح .. ومن هنا فما إن نقلب صحائف هذا الديوان، أو قل الديوانين كليهما، وفتشنا قصائدهما ألفينا مظاهر الحرمان بادية للعيان، وأحسسنا آثارها وأصداءها ماثلة مبثوثة في كل ثنية من ثنايا قصائده وحتى مقطوعاته القصيرة على نحو ما نجد في هذه الأبيات من إحدى قصائده حيث يقول: قالوا، وقد ظنّوا بأني امرؤ .:. لا يستبيني ما أرى منْ جمالْ
يا ظامئ القلب، ألا ترتوي .:. والحسنُ من حولِك زاهي الظلال
يحسد ك الناس على بعض ما .:. تلقـاه من حـبّ ذوات الـــدلال
فأنت تشكو ظــمـــأ دائما .:. لـلــحـب .. للنجوى .. ليوم الوصال
كأنك الهارب من ديــمــة .:. تبلغ الريّ بوهـــج الرمـــال!
ونرى الشاعر هنا يعلن ما لا يراه الآخرون أو يتوقعونه بالنسبة إليه خاصة من خلال معايشتهم له ومعاشرتهم إياه ، ومعرفتهم لحقيقته التي قد لا تتبدّى لكثيرين من ورائهم ممن لا تصلهم به صلة ما أو رابطة، وكذلك إدراكهم أبعاد تجاربه الحقيقية التي يسودها قدر هائل من الغرابة بسبب مكانة الشاعر وإمكاناته الواسعة، وهذا ما يجعلهم يبادرون بإعلان حسدهم له على ما يجد من حب الغانيات الفاتنان في كل مكان، وود الغيد الحسان اللاتي يتهافتن على حبه راغبات في وصاله، متمنيات ذلك الحب والوصل .. ومع ذلك لا يفتأ الشاعر المحروم من الإفضاء إلى هؤلاء القوم بما يموج في نفسه من آثار الحرمان، وما تمتلئ به نفسه من مظاهر الظمأ والفراغ والخواء الوجداني القاتل؛ وقد جسدت كل ذلك تجسيدا رائعا وضخما كلمة "ظمأ"؟ التي كرست هذه الحقيقة تكريساً بعيداً وعميقاً، والتي اتخذها عنوانا بالغ الإيحاء، قوي الدلالة على فكرة "الحرمان" وحقيقة الإحساس به في أعماقه حيث تأصلت في نفسه ، وتجذرت في وجدانه .. وهنا يرصد الشعر المحروم موقفه، أو رأيه، أو وجهة نظره من زاوية غير التي يرصده منها أصفياؤه وخلانه، مما جعله يندفع مجسدا معاناته التي تكاد تفتك به عسى أن يعوا حقيقة وجده، ويفهموا وجدانه وإحساسه الذي يعاني منه حيث يقول:
فقلت يا من لامني ظـامـئـــا .:. في الحب لا أرضى بكل الحسان
ضجّ احتدام النار في أضلعي .:. واشتعــل القـلب بها واللســان
لو كنت تدري أي حسن أرى .:. فيه صدى حبّي، وألقى الحـنان
لقلت مثلي عن بروق الهوى .:. معظمهـا مصحوبـة بالدخان
وقلـما يلقى بها عاشق .:. مثلي هـوى يرتاح فيها الحنان
ويحاول تقريب هذه القضية الغريبة لخلصائه وأصفيائه في محاولة جادة لإقناعهم بوجهة نظره من خلال تجسيده لتلك الحبيبة التي يتمناها أو يتخيلها، والتي تتوق إليها نفسه وتتمناها خواطره في هذا النموذج الذي يجمع جمال الخـَلق كلهم، بكل ما توافر فيها من صفات نفسية كريمة، وشيات عظيمة، وأحاسيس وجدانية بالغة حيث يقول:
يا لائمي في ظمئي إنني .:. غريبُ أطوار الهوى في الدنـا
أهوى جمال الخلق في غادة .:. تحفظ هاويها: نأى أم دنـا
وأرتوي من حبّ فتـّانـةٍ .:. لغير مَن تهواه لا تـُجْتـَنَى
وفي حناياهـا تضيء ا لمنى
صابرة مهما يُثِرْها الجوى .:. تلجم في عقـّتها الألسنا
أرأيت إلى هذه الحبيبة التي تهفو إليها نفس الشاعر الظامئة إليها، المتعطشة إلى واحتها الظليلة الوارفة، وتتحرق إليها كبده التي شققها الوجد والظمأ إلى مائها العذب النمير، تلك الحبيبة التي جعلته يزهد كل الزهد فيما ينتشر من حوله من مظاهر الجمال الخاوي، وقشور الحسن الصدئة؛ وهذا ما جعله يبقى ظامئا صاديا يكابد حُرَق الصدى، ويمارس أُوار الهيام لا يرتوي من أي ماء يعرض له غير مائها المنشود، وحتى يجد توأم روحه وخدن نفسه؛ وليس ذلك بعزيز على الله أو بعيد كما يظن، أو يؤكد شاعرنا المحروم: (حديث قلب 34)
هــذا الذي أهواه يا لائمي .:. في ظمئي، والحسن حولي وريفْ
وسوف أبقى دائماً ظامـئـا .:. حتى أرى خِدناً لقلبي ألـيفْ
لا بدّ للهــيـمـان أن يلتقي .:. بمـا يُرجّـــي من هــواه العفيـفْ
فيرتوي من منهـلٍ سائـــغ .:. مـمــنّــع لم تــدْن منه الأنـــوفْ
من قـبـل أن يذهب عهد الصبا .:. وقـبـل أن تـُقبـل ريــح الخريف!
وإذا كان هذا الأمل الحبيب إلى النفس دغدغ وجدان الشاعر المحروم، وعابث نفسه المحزونة في هذا النموذج الآنف الذكر "ظمأ"، فانساب بكل رقة ولطافة ورهافة ليكشف عن مكنونات نفسه، ويعلن عن آماله وأحلامه بدنوّ هذا الحبيب وقرب لقائه، ووشك ائتلاف روحيهما، فإننا نجده يصرخ من أعماقه عندما تبعثرت شظايا تلك الآمال المهشمة، ولم يعد ذلك الحبيب الضائع المنشود، أو قل النموذج الذي يسعى إلى إيجاده بكل ما وسعه الجهد والطوق، والذي لم يكن يبرح خاطره، ويتراقص طيفه في وجدانه؛ وطال الانتظار على شاعرنا المحروم، واستبدّ به الشوق والوجد، فضاق به ذرعاً، وطفق يصرخ بأعلى صوته:
أنا ضقتُ بالحرمان يا ربّي .:. والريّ من حولي، فما ذنبي؟
ومرة أخرى يحاول أن يقنع نفسه بما ينتشر من حوله من مظاهر الحسن وآثار الجمال التي تهفو إليها النفوس الظامئة، وتشرئب إليها القلوب الحزينة؛ ولكنه يجد من دونها أسواراً عاليةً منيعةً تحول ما بينه وبينها، وحواجز منيعة تجعل الوصول إليها دونه خرط القتاد؛ فلا سبيل إلى تجاوز تلك السدود، بله تحطيمها ليبلغ ذلك المورد الصافي العذب ليعبّ منه ما شاء مطفئا ما يتأجج في أعماق نفسه من أوار الهوى ولهيب الصبابة؛ وانظر إليه وهو يتمزق لوعة وحسرة وهو يعاني من عجز الوصول إلى ذلك الحبيب الذي تهفو إليه نفسه، فيقول:
حولي شبابٌ ضاحك يانعٌ .:. كالزهـر في أحلى ليالي الربيعْ
والبدر من فوق الربا ساطع .:. يلاحقُ السحبَ، ولا يستطيع
وسنــا ه في قلبي .:. بهفو إلى الحـب
يــــا ربّ ما ذنبي؟! .:. أنا ضقتُ بالحرمان يا ربّــي
ويحاول شاعرنا المحروم تجسيد مظاهر الحرمان الذي بعاني منه ويكابده فيقول :
وأين حظّي من الجمـال .:. في ا لهجــر والصدّ والوصال
ونشوة الوعـد والمطال .:. وبهـجة المعـتز والــدلال؟!
والذي يغلب على الظن أن ترديده لهذه العبارة أو الفقرة، وتكريرها في ختام القصيدة، أو قل أنهى بها صرخته النفسية الحادة التي جأر بها، وما يتجسد فيها من مظاهر الحرمان الطويل والظمأ النفسي البالغ لم يكن ضربا من الترف الفني، وإنما كان تعبيرا نفسيا عميقا وحادا عن آلامه المبرحة وعذاباته الطويلة:
يا ربّ ما ذنبي؟ .:. أنا ضقتُ بالحرمانِ يا ربــي!
وفي الحق إننا نجد في هذا التعبير ذلك النموذج الذي كان شاعرنا المحروم يبحث عنه طويلا في صحراء نفسه الخاوية، وبيداء حياته المقفرة دون جدوى؛ ولكنه لم ييأس وظل يسابق الريح على أفراس الأمل الكابية محاولا أن يعثر عليه ليحتضنه وهو يدلف إلى عتمة العمر؛ وقد تجسدت تلك المحاولة اليائسة في قصيدة "روضة الهوى"، حيث مضى يكشف لصاحبته أبعاد صبابته ووجده وهيامه الطويل بها، وبحثه المضني عنها في صحراء حياته الملتهبة؛ وإنما كان ذلك كله بسبب ضغوط أحدثها قلبه وعيناه منذ أن التقت بها، فاصطفاها قلبه، وارتاحت لها عيناه حيث وجدتا فيها الملهمة الصادقة، أو العروس الجميلة لقصائده التي يبدعها؛ ومنذ ذلك الحين تعلقت بها عيناه، كما تعلقتا بالقمر الذي كان يحمل لهما البشرى بهبوط تلك الحبيبة الملهمة له بأجمل الشعر؛ تلك الفاتنة التي توشك أن تهبط من عليائها في موكبها الملائكي الباذخ؛ ولكن دون جدوى! فلا هي هبطت عليه، ولا هو يقوى على الانفلات من ربقة واقعه ليصعد إليها ليواصل مسيرة حبه ووجوده؛ وكل ما وجده أمامه وبمقدوره أن يمارسه هو تلك النظرات الدامية الحرّى يرسلها إليها حينا بعد حين عسى أن تلتقي بها فتعيدها إليه ليواصل رحلة العشق والصبابة والوجد؛ ولكنه لا يجد أمامه سوى الزفرات الحرى والأنات الباكية يصعدها صوب هذه الحبيبة! وما أقسى هذه الأنات، وما أشدّ ذلك البكاء، وما أقسى ذلك العذاب على نفس العاشق المدنف المستهام! يقول: (ق 18 / وحي الحرمان)
قد ساءلت من أنت؟ قلتُ: أنا الذي .:. قضّيتُ عمري مدنفا أهواك
وأطعتُ عيني في الغرام وخافقي .:. أقضي الليالي السودَ في نجواك
أرنو إليك على بعادك مثلمـا .:. يرنو الحزينُ لساطع الأفلاك
وأبثّ للنجم المسهّدِ لوعتـي .:. يا ليتني بعد النوى ألقـاكِ!!
ويبدو أن توسلات شاعرنا المحروم قد تحققت بعد لأي، أو هذا ما ادّعاه، أو توهمه من فرط الوجد والصبابة التي كانت تموج في نفسه، فحققت له ضربا من اللقاء، وهيّأت له صورة من الوصال الروحي في غير عالم الواقع النكد عبّر عنها في قوله من هذه القصيدة:
وتعانق الروحان في روض الهوى .:. فثملتُ حتى غبتُ عن إدراكي
بيد أن هذه النشوة العابرة التي حظي بها، والوصال الذي نالته نفسه، واللذة التي اغتصبتها نفسه في غفلة من الزمان عبر ذلك العناق الوهمي، سرعان ما استحال من جديد يأساً مريراً، وحزنا كاوياً، وحرمانا قاتلا بعد أن شُـدّ بعنف من جديد إلى حياته البائسة، وواقعه الرهيب عندما تبين له أن حبها لم يكن أكثر من وهم أو حلم عبر أفق حياته في لحظة يأس أو أمل مضن مخلفا فيها أطيافا هائلة من الحسرة والألم والعذاب: (وحي الحرمان، ق 28)
كان حلماً يا فؤادي حبّها .:. وخيالا ما ألا قي من هواها
قبل هذا الشوق والوجد الذي .:. تركته في فؤاد ي مقلتاها
فإذا بي ولقاهــا غايتــي .:. أجد الحبّ صحيحاً من سواها
خدعتني بالمنى معسولــة .:. فمضت كالريح يا قلبي سناها
(يتبع)
د. حسين علي محمد
7-06-2009, 10:55 am
ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل (3 ـ 5)
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
..............................
وظل شاعرنا المحروم المدنف يعيش على ذكريات ذلك الحلم، وما كانت ترسم له من مباهج، وتخيّل له من أحلام وأمنيات ولذائذ:
ذكريا ت الأمسِ ما أعذبها .:. ليتهـا ظلّتْ كما كنتُ أراهـا
جنةٌ ذاتُ زهورٍ غضَّـةٍ .:. عبقتْ طيبا كمـا لذَّ جَـناهـا
حتى إذا لم يجد غير قبض الريح من تلك الذكريات وتلك الأحلام، أيقن أن أمله فيها قد خاب وضلّ، وأن حبّه قد آل إلى سراب لا ريّ فيه، وألفى نفسه في مواجهة الواقع بكل آلامه وأوصابه وهمومه ليستسلم لكل ذلك كارها مرغماً، أو راضياً مقتنعاً:
ودّعتُ أيامَ الربيع الناضـرِ .:. ودفنتُ آمالي ووحي خواطري
ووأدتُ ما في القلب من ذكر الصبا .:. ونفضـتُ عن ذهني خيال الشاعر
ومثل هذا الموقف بكل ما ينطوي عليه من مأساة حقيقية بالغة الأسباب والدوافع التي يعلنها الشاعر متمثلة في الغدر والخيانة ، وهما أعدى ـأعداء الحب الحقيقي النقيّ العفيف كما يقرر الشاعر :
لا حبّ والغدر الخؤون يحوطه .:. ولّى الغرامُ مع الحبيبِ الغادر
ويكشف الشاعر عن محاولاته المستميتة لحماية هذا الحب والحفاظ عليه من عاديات الزمان:
هي وردةٌ ظمأى وقد روّيتها .:. إذ قلّ عنها الغيثُ ماء نواظري
أيقظتها، بل صغتها في قالبٍ .:. من نور آمالي وزين مشاعري
ومنحتها قلباً على أترابهـا .:. قد عزَّ يرعاهـا بحبٍّ طاهرِ
لم أدر حين سقيتُها ورعيتُها .:. أني سأُجزى بالعقوق السافرِ
وما دامت تلك الحبيبة قد قابلت إخلاصه في حبه لها ورعايته له وإيثاره إياها على أترابها ولداتها ممن يتهافتن على حبه ويحرصن على الفوز به ـ بكل هذا العقوق والجحود، بل وبكل هذا الغدر والخيانة، فإنها لم تعد جديرة بذلك الحب، أو حقيقة بالفوز بذلك القلب الذي آثرها على كافة أترابها ولداتها ممن يسعين جاهدات للظفر به؛ وهذا ما جعله ينفتل إلى قلبه ليحرضه على التنكر لها والإعراض عنها، باذلا له كل ما في وسعه من مواساة وتعزية عند فراقها وفقدها!
ولكن، تُرى، هل يستجيب هذا القلب لهذه العواطف الجريحة والتوسلات المعذبة التي يسفحها هذا الشاعر المعذب المكتوي بنار تلك الحبيبة الجاحدة، فتهدأ نفسه وتستعيد توازنها المفقود؟! أم تتراكم فيها مظاهر الحرمان والإحساس الحاد بالظمأ الحارق من جديد؟! تأمل ما يقول شاعرنا المحروم:
يا قلب لا يحزُنْك ما ضيّعتـه .:. من حبك الوافي لعهدٍ غابـر
بل لا يروّعْكَ الزمانُ بمـكره .:. إن الكريمَ لَيُبْتَلى بالماكـر
هلْ كان ذاك الودُّ إلا خـدعةً .:. خلابـةً مبذولةً من فَاجرِ
كم ذا بذلتُ صداقةً ومحبـةً .:. وجنيتُ ما يجني فقيد بصائر
فارْبَأْ بنفسك أن تكون معذبا .:. وانظر إلى الماضي بعين الساخر
ولا يملّ هذا الشاعر من إعلان مثل هذا الموقف الساخط الرافض بكل ما يمتلئ به من إحساس بالكبرياء والقهر والظلم؛ مما يجعل هذا الموقف صورة من صور الحب الفاشل الذي عاشه الشاعر المدنف المحروم بكل أحاسيسه ومشاعره ، وكانت تراكماتها من مكونات ظاهرة الحرمان في نفسه وشعره على السواء، يؤكد هذا كله ما جاء في قوله من قصيدة أخرى:
كم تمنّيتُ أن أعيش بعيداً .:. عن هواك المؤرق المحمــومِ
هارباً من لظى الهوان على القر .:. بِ، وفي البعد عن عذابي المقيم
فأواري هشيم وجدٍ صريـعٍ .:. لم أنل منهُ غيرَ وطء الهموم
بهروبي من الغرام وقدْ كـا .:. نَ سراباً ضيّعتُ فيه نعيمي
يا حبيبي هل كان حبك يوماً .:. غير ليلٍ ملبّـدٍ بالغيومِ؟!
غمرتْهُ بــوارقٌ ورعــود .:. منْ أكاذيب وجدِك المزعومِ
ثم لا شيء غير نُكـرٍ وصدّ .:. ومديدٍ من العذاب الأليمِ!
وأشدّ ما كان يؤلم نفس هذا الشاعر ، ويمزق قلبه أن ينسى ذلك الحبيب، أو يتناسى ما أحدث في نفس عاشقه من الأذى والعذاب والألم، وما أورثه من تباريح الجوى والوجد والحرمان والصبابة، ليبادره بالشكاة والعتاب، فيعدو الظالم الفاتك مظلوما كسير القلب، محطوم الجناح، ويضحي القاتل الآثم قتيلا مغدوراً؛ هكذا انكفأت المقاييس في مفهوم هذا الحبيب مما أضرم في نفس ذلك العاشق المدنف سعيرا لا تهدأ ، وجحيما لا تنطفئ!
ببد أن شاعرنا المحروم على الرغم من كل ما قاسى وعانى من ظلم حبيبه وجحوده، بكل ما كانت تهفو إليه نفسه الظامئة لعذب الحب وحميم الوصل وطيب اللقاء، لم يجد بدا من تحقيق هذه الفكرة وكشف أبعادها بين الظالم والمظلوم / القاتل والمقتول، ليدرك كل منهما حقيقة صاحبه، كلون من ألوان التنفيس عما تمتلئ به نفسه من عذابات الوجد والصبابة وآلام الحرمان فيقول:
فلمَ العَتْبُ إنْ جزيتك هجراً .:. كنتَ فيه البادي وكنت ظلومي
ولمَ اللومُ بعد صبري طويلا .:. وانخداعي بحبك الموهــومِ؟
وعند هذه اللحظة لا يملك شاعرنا المدنف المحروم إلا أن يعلن بكل أسف ومرارة سأمه من مثل هذا الحب الذي كان من طرف واحد ـ هو طرف الشاعر المحروم، والذي لا يجني، ولم يجن منه غير الألم والعذاب، ولم يورّثه غير الحسرة والأسى؛ بل إنه يضاعف في أعماقه الإحساس الحاد بالحرمان الذي لا يفارقه، ولا يغيب من نفسه، يقول:
قد سئمتُ الهوى وأحببتُ دمعي .:. فبدمعي ريٌُّ لقلبي الحطيم
وارتضيت الهروب من عالم الحب .:. فراراً من عُذَّلٍ وخـصومِ
وائداً بين أضلعي خـفقـاتٍ .:. لـفـؤادٍ محـطم محرومِ
أيقظتها فيه الوعود بوصْـلٍ .:. كان أدنى منه مطالُ النجوم
مثلٌ كنتُ أجتديه بدمعي .:. وبسهدي وحيرتي ووجومي
يا حبيبا أعطيته كلَّ حــبي .:. وتوسّمتُ فيه فلب الرحيم
فطوى بالـجحـود حلـماً كبيرا .:. ثم ألقاه يابســاً كالهشيم
فعلى نفسك الملامةُ والعَتــ .:. ــبُ لأني في الهجر غير ملوم
أرأيت كم كان هذا الشاعر يبحث عن بلسم لجراح روحه وآلام نفسه، وريّ لهيام روحه، وشفاء لحرمان قلبه، ولم يأل جهدا في بذل ما يطيق، وفوق ما يطيق لاستمرار هذه العلاقة الحميمة التي كان يعيش على الأمل فيها من خلال بقاء ذلك الحب الكبير الذي لم تحسن تلك الحبيبة فهم حقيقته، ولم تعِ واجباتها تجاهه فحطمته برعونتها وقتلته بعقوقها وغدرها وأكاذيبها وهجرها!
كذلك كان الشك من العوامل البالغة الأثر في تقويض معبد الحب المقدس، وتمزيق علاقات المحبة وأواصر المودة بين المحبين؛ وطالما شكا المحبون المدنفون، والعشاق الملتاعون من هذه الظاهرة القاسية المدمرة، التي قد ترتبط بظاهرة أخرى لا تقل عنها تدميرا للحب، وتمزيقا للوشائج وهي ظاهرة "الغيرة المجنونة"!
وقد عانى شاعرنا الأمير المحروم من ظاهرة الشك، ومارس آثاره التي تفجرت في أعماق صاحبته فدمرت حبه تدميرا ذريعاً؛ يقول : (وحي الحرمان، ق 31)
قضيت على حبي، قضيت على ودّي
وأنت التي قد كنت أوري بها زندي
شككت بإخلاصي، فعكرت صفونا
كما ارتبت في حب ترعرع في مهدي
فآثرت أن تقضي على الحب والهوى
بما جئت من شك ، وما شئت من بعـد
ويحاول جاهدا تبرئة ساحته من تلك التهمة البشعة التي قذفته بها صاحبته مؤكدا لها صدقه وإخلاصه لها لما فطر عليه من خلق كريم ، وما زرع الله في جسده من قلب رحيم ، وما فاض به ذلك القلب من صادق الود وعظيم الحب ونادر الوفاء:
فلي شيمة تأبى عليّ خداعه
إذا ما استجاش القلب تبصرني جندي
ولي من غرامي ما يقدّس حبها
ولي من وفائي ما يذكرني عهدي
ونراه يتوسل إليها مرة أخرى أن لا تبادره باللوم والعتاب، ولا تكثر عليه بالشكوى لئلا تنكفئ الموازين، وتتبدل القيم، وتختلط الأمور فيصبح الظالم مظلوماً، ويغدو البريء مذنباً:
فلا تظلميني بالملام فإنني
كفيل بحمل العبء ـ عبء الهوى وحدي
وأخفيت في الأحشاء نار صبابتي
وإن كان هذا مُوردي ظلمة اللحــد
بل إنه يحاول جاهدا أن يدفع تلك الحبيبة عن تهورها ، ويكبح من اندفاعها، ويعدل من سوء تصرفاتها معه ، فيعلن لها مرة أخرى مبصِّراً إياها بما يترتب على هذا السلوك من آثار مدمرة يمارسها الشك في مثل تلك العلاقات النظيفة الودودة ، فيقول محذراً ولائماً:
فما بعد هذا الشك حبّ مؤمل
ولا بعد هذا الشك في الوصل ما يجدي
على أن هذا الشك عينه كان في بعض الأحيان كما يرصده شاعرنا المحروم المعذب بأوار هذا الشك، يصدر عنه ذاته، ويمارسه هو نفسه على نحو ما نجد في قوله من قصيدة أخرى: (36)
كلُّ ما أرجوهُ يا ليلاي منك ِ .:. لفظَةٌ تمحو خيالاتي وشكِّي
وعلى هذه الشاكلة، فإننا لو مضينا نستعرض آثار الحرمان ومظاهره في شعر الأمير عبد الله الفيصل لألفينا أنفسنا نعيد سرد كافة قصائده وأبياتها ونثبتها مرة أخرى متكاملة لا نكاد نغادر منها شيئا ذا بال، وما ذلك إلا لأن هذا الشاعر حرص بالغ الحرص على تسجيل هذه الظاهرة والتعبير عنها والكشف عن مظاهرها النفسية البالغة التي استقرت في قاع نفسه، ولونت أحاسيسه ومشاعره بلونها الداكن الكئيب؛ وما ذلك إلا لأن هذا الأمر صبغ قصائده كلها صبغةً خاصةً، حيث شاعت آثاره ومظاهره فيها شيوعا يستعصي على الحصر والرصد خصوصاً في مثل هذا المقال المحدود المحكوم بالحجم، وإن كنا نجد في سرد هذه النماذج والشواهد متعةً أكيدةً ونلمس فيها إحساسا نابضا بالحياة، مما يجعلنا مدفوعين لسرد طائفة أخرى من تلك الشواهد والنماذج الماتعة التي امتلأت بها قصائده الروائع التي حرصت على تجسيد أحاسيسه الحادة بالغربة الروحية القاسية، أو الاغتراب النفسي وآلامه المبرحة التي أورثته إياها الحبيبة، وخلفها في نفسه ذلك الحب الضائع الذي بذل في سبيل إحيائه وبعث الحياة فيه من جديد، والحفاظ عليه من روحه ونفسه وقلبه كل غال ونفيس، ولم يبخل عليه بشيء على نحو ما نجد في قصيدة "سمراء" التي يقول فيها: (وحي الحرمان ق 13)
سمراءُ يا حلمَ الطفولـهْ .:. يا مُنيةَ النفسِ العليله ْ
كيْـف الوصولُ إلى حما .:. كِ، وليس لي في الأمر حيله
إنْ كان في ذُلّي رضَـا .:. ك، فهذه روحي ذليــله
فوسيلتي قلْـبٌ به .:. مثواكِ إن عزّتْ وسيلــه
فلترحمـي خفقــانه .:. لك، واسمعي فيه عويله
قـلب رعاك وما ارتضى .:. في حبه أبداً بديــله
سمراء يا أمل الفــؤا .:. د، وحلمه منذ الطفوله
ولا يكف شاعرنا المحروم عن التعبير عن هذه الأحاسيس الدامية الحزينة التي فجرها في أعماقه ما لقي من صاحبته من الهجر والحرمان وتصرم المودات، حتى غدا لا يملك غير هذه الصرخات المكتومة، والآهات المكلومة ينفثها من أعماق روحه المسحوقة، ويلونها بأصباغ دماء قلبه النازفة في محاولة يائسة لاستعادة الحبيبة الضائعة، وترقيق قلبها الهاجر لإنهاء هجرانها فتعود تيادله حبا بحب، وودا بود، يقول: ( نفسه ق 11)
يا حبيبي أين أيام الصفاء .:. يوم كنا كل صبح ومساء
في تـــلا قٍ وعنـــاقٍ وهنــاءْ
ويمضي في إطلاق صرخاته الحادة، وينفث أناته الحزينة الملتاعة عسى أن تصغي غليه تلك الحبيبة فيرق له قلبها فتعود إليه لتغمره بحنانها وحبها المنشود مبدلة ما غمرته به آنفا من صدود وإعراض وحرمان، وتُحسن له بعد كل ما بدر منها من إساءات بالغة بحرمانه من حبها ووصالها، وترعى وده، وتحفظ عهده، يقول: ( نفسه ق 33)
يا صغير السنِّ، يا مرهـفـه ْ .:. شوق مَن جافيته أتلـفهْ
إن تكن تقوى على طول التوى .:. فهْوَ في بعدك ما أضعفه
أو تكنْ لا تعرف الوجد الذي .:. لم يُبْله، آن أنْ تعرفه
فلقدْ أدنيته من حتْفِـهِ .:. وسوى وصلك لنْ يسعفهْ
ولكن يبدو أن كل الاستغاثات والصرخات المكبوتة منها والمعلنــة قد تبددت في الفضاء، وتناثرت أشلاؤها على حطام نفسه وروحه و تبعثرت على صخرة الشك والصد، والهجر والحرمان، ولم تعد تجديه فتيلاً، أو تحقق له نفعاً، فضلاً عن أن ترجع إليه حبيبا ضائعا في زحمة الشك والغيرة ، وليس ثمة ما يقطع علائق الحب وحبائل المودة، ويصرّم هاتيك الروابط غير الكذب والافتراء والافتئات والغش والخداع ومعسول الأماني وزائف الأحلام وكاذب الوعود التي ما يني أمثال تلك الحبيبة تخدرهم بها في كل حين دونما طائل أو جدوى! ومن هنا وجدنا هذا الشاعر كثيرا ما يستجدي تلك الحبيبة مثلية المعاملة، أو المعاملة بالمثل؛ وتلك هي أقصى ما يتمناه العشاق المدنفون، والمحبون المتيمون من صواحبهم؛ تأمل قوله : (نفسه ق 5)
هــل رأت عيناك في الصحو وفي بعض السهادِ
صـورَ البُعْــدِ الذي أذكَـى خيَـالي وفؤادي
وترامى بظنــوني في النَّـــوى في كُـل نادِ
وكما نجد ذلك في قصيدته الثانية "أراك" من ديوان "وحي الحرمان"، حيث يقول:
أراك، فما لعينك لا تراني .:. وأنت وصبوتي فرسـا رهان
نصبت حبالتي لك فاستحالت .:. حُــبىً، وبقيت منطلق العنان
(يتبع)
د. حسين علي محمد
8-06-2009, 11:29 pm
ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل (4 ـ 5)
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
..............................
ولا يملك شاعرنا المحروم إزاء كل هذا الصد والحرمان والهجر إلا أن يعلن وقد تملكه الغيظ عن سبيل آخر عزم على سلوكه في معاملة تلك الحبيبة الهاجرة العابثة بقلبه وأحاسيسه ومشاعره يتمثل في قوله:
مضى زمنُ المحال فلا تَمَنّ .:. فقد كذبت بواديك الأماني
وها أنا في هواك أضعتُ عمري .:. مقاربة على أمل التداني
وهنا يكشف الشاعر الأمير المحب لصاحبته التي عبثت بقلبه ونفسه عن سلطان الحب والهوى القاهر الذي يمكنه بوساطته أن يخضعها له راغمة غير راغبة، فلا تجد أمامها سوى أن تستجديه عفوه ورضاه فضلا عن حبه الذي فرطت فيه برعونتها وعبثها ودلالها؛ ولكنه يتراجع عن ذلك العزم إجلالا للحب وإكراما للودّ وما له من سلطان قاهر على القلوب والنفوس لا يدانيه سلطان آخر في الوجود، يقول:
ولولا الحبُّ في الأعناق رقٌّّ .:. مـلـكتك باليمين وباليـماني
وهو يدرك أن هذه العلاقة الكريمة إذا ما بلغت هذا الحد فلن يكون للحب مكان في النفوس، ولن يكون للود نصيب من القلوب، ولن يكون لهذا أو ذاك جلال أو بهاء ما جعله برغم كل ما يلقى من هوانها وأذاتها وهو العاشق المتيم يعرض عن سلطان الإمارة مستجديا سلطان الحب والهوى، متذرعا بالصبر عسى أن يعطف عليه قلب الحبيبة، ويرحمه من عذاباته، وإن لم يخف برمه وضيقه بهذا الصبر العقيم، يقول: (وحي الحرمان ق 32)
أرى الصبرَ أوشك أن ينفـدا .:. وأوشكتُ في القرب أن أبعدا
وأوشك قلبي أن يستريـح .:. وأوشك طرفي أن يرقُدا
يخـيّـل لي أنني قد أضعتُ .:. شبابي وقلبي وعمري سدى
تناءيتُمُ زمـنــاً طـائلاً .:. وبِنّا كما بان رجعُ الصدى
وهكذا عاش الشاعر المستهام يعاني مرارات الصد وعذابات الهجر حتى لم تعد نفسه تهشّ إلى ما كانت تهشّ إليه من قبل حيث أُفرغت الأشياء من مضامينها الحقيقية، واستحالت قشورا فارغة زائفة لا تنطوي على أي معنى، وقد تساوت الأشياء لأنها بلغت مرحلة العدم، يقول: (وحي الحرمان ق 21)
لا الصدُّ يشجي، ولا لقياك تسعدني .:. فما أنا مثل ما قد كنتَ تعهدني
فلا البلابل تسبيني صوادحـهــــا .:. في مطلع النور إن غنّت على فنن
ولا الزهور إذا مــا الطلّ بللهـــا .:. توحي لي الشعر أو بالحسن تفتنني
وما أنا بالذي تغريه بارقــة .:. من الوصـال، ولا الهجران يهد مني
فقد نسيتُ من الأيامِ أعذ بهـا .:. كما تناسيت آهــاتٍ تعــذّبنــي!
وعلى هذه الشاكلة ألفينا شاعرنا الأمير عبد الله الفيصل ينثر ملامح حرمانه الأسيان، ويبعثر أشلاء حبه الضائع في جوانب هذا الديوان الأول الذي أصدره الشاعر الأمير عسى أن يخفف من لاعجات الأحزان، ومبرحات الأسقام .. وقد كان يمكننا أن نسرد نماذج أخرى تجسد هذه الظاهرة مما شاع في شعره الذي ضمنه هذا الديوان "وحي الحرمان" لولا خشية الإطالة، ولا نقول خشية الإملال؛ فمثل هذه النغمات الشجية تفعل في النفس والقلب والشعور فعل السحر الحلال، وإنما قصدنا إلى أن يخلص القارئ إلى هذا الديوان ليقرأه ويمتع نفسه بأنغامه الشجية وألحانه العذبة، وألا نفسد عليه كل تلك المتعة الهائلة بما نقتطف له من أزاهير قصائده ، وورود أبياته ..
أما الزاوية الأخرى التي نودّ التعرض لها في هذه الدراسة أو الجولة، فهي التي تهدف إلى تعليل ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل، وما يحيط بها أو يجللها من غرابة لا تنقضي، وعجب لا ينتهي؛ ذلك أن مثل هذا الأمير الشاعر / الشاب ـ عند نظم كثير من قصائد هذا الديوان، وما أودعها من آهات وأنات، ونشر فيها من زفرات وعبرات ـ ليُستغرَبُ منه وعنه صدور مثل هذه الأنات الطويلة السخينة، والآهات المعذبة التي تتمخض عن هذا الحرمان خصوصا وأن الحرمان في العادة يرتبط في أذهان الناس من خلال صورته المادية المحسوسة التي تتعلق بمتاع الدنيا ولذائذ الحياة وحاجاتها الضرورية دون أن تنصرف أذهانهم أو أوهامهم إلى مغزاها النفسي أو الوجداني!
وأغلب الظن أن شاعرنا الأمير جوبه كثيرا بما جوبه به غيره ممن لفّ لفّه، بما يفيد الاستغراب ويثير العجب من قبل الآخرين الذين يقرؤون هذه التجارب الحرمانية التي تصدر عن مثل هذا الأمير رافضين، أو غير مقتنعين بمثل هذا الإحساس الحاد بالحرمان الذي يصوره هذا الشاعر الأمير بكل ما يمتلكه من مكانةٍ فارهةٍ، وعيش مرفّه، ونعمة بالغة لا يمكن أن تتعايش مع هذا الإحساس الحاد بالحرمان الذي يصدر عنه هذا الشاعر الأمير في قصائد هذا الديوان، بل لعلهم لا يتورعون عن وصف كل هذا الإحساس بأنه ضرب من الادعاء الزائف والافتئات المزعوم الذي لا يقوم على أساس حقيقي، ولا يصمد لحجة أو برهان مؤكدين أن كل هذا الإحساس بالحرمان الذي تمتلئ به قصائد الديوان ليس أكثر من وسيلة من وسائل الرياء الفني ـ إذا جاز التعبير ـ أو الادعاء بما ليس له ظل من الحقيقة رئاء وسمعة!
وقد أحس الشاعر الأمير ـ المحروم ـ بما أحسه غيره أن فكرة الحرمان في شعره ووجوده النفسي أمر قد لا يكون له ما يبرره أو يمنطقه بناء على ما غرق فيه من ألوان الترف ومظاهر النعيم والملك والجاه، فانبرى فريق منهم، كما انبرى الشاعر نفسه، يبحثون عن دوافعه وبواعثه عسى أن يقتنع بها الآخرون فيبرروا ما يحسه هذا الشاعر الأمير ويعانيه ويكابده من مظاهر الحرمان في صميم وجوده وحياته!
ولعلنا لا نعدو الحقيقة، أو نجاوز الحد حينما نزعم بادئ ذي بدء أن هذه المكانة السامقة، وذاك السلطان العظيم، وذلك الثراء العريض هي السبب أو قل الأسباب الحقيقية لإحساسه المرهق بالحرمان من خلال ما تهيئه وتحققه له من ضروب المتاع واللذة وصنوف النعيم التي يحلم بها المحرومون في الدنيا!
وإذا حاولنا أن نقتحم دائرة الحرمان التي أغلقها شاعرنا الأمير على نفسه، وسجنها فيها في محاولة لاستكناه حقيقة هذه القضية، ونتحسس أبعاد التعليلات التي انتهى إليها الباحثون، فإننا نجد بعضهم يحاول أن يردها إلى السلبيات الاجتماعية التي تنجم عن المكانة التي يتسنمها الشاعر الأمير، والجاه الذي يتمتع به والثراء العريض الذي يغرق فيه، يقول الشاعر اللبناني صلاح لبكي: "لعل أعمق ما في مأساة "محروم" / الأمير عبد الله الفيصل أنه لا يستطيع الإطلال عليك إلا من وراء أمير شاب في مقتبل العمر، غني، وزير لوزارتين، من أسرة حاكمة، فهو لا يعرف ما وراء معاملة الناس له، هل يكرمونه لنفسه، لأنه إنسان يستحق التكريم عن جدارة، أو لأنه يتمتع بالمركز الخطير والنفوذ الكبير والمال الوفير؟!
بل ما أفجع الحرمان الذي يحول دون المرء وحقيقة ما يكنه الناس له كإنسان! إنه يأبى إلا أن يظل صاحبه رهين غربتين: غربة نفسه في الأرض، وغربة مؤاخاته لمن لا يعرف مدى الصدق في مؤاخاتهم له"! ( وحي الحرمان: المقدمة ص 6).
وواضح أن الشاعر اللبناني الأديب هنا يردّ ظاهرة الحرمان في نفس الأمير عبد الله الفيصل إلى علاقته بغيره من الناس، وما يجد من تقديرهم له، وما يمكن أن يشوبها من رياء وسمعة وتزلف، أو يحكمها من مجاملة قد ترقى على مستوى النفاق على حرصه وتعطشه إلى أن تتكشف له نفوس الآخرين على حقائقها فتستريح نفسه وتعيش واقعها الأبيض النقي الخالي من هاتيك الضغوط النفسية المبرحة!
وتلحّ باحثة أخرى (منيرة العجلاني: عبد الله الفيصل ص51) على عقدة الشك في حقيقة علاقات الآخرين بالشاعر الأمير عبد الله الفيصل مشايعة الرأي السابق، والتي ترسخت في أعماق نفسه؛ تلك العلاقة التي كان يريدها أن تنبع من تقديرهم الحقيقي الواقعي لإنسانيته وذاتيته مجردتين من هالة الإمارة والسلطان، وهيلمان الجاه والمال، وأن يكون تقديرهم الحقيقي له نابعاً من ذاتيته وإنسانيته وشاعريته، وليس من أي شيء آخر؛ وهذا ما جعل أميرنا الشاعر، أو شاعرنا الأمير تختلط الأمور في نفسه وقلبه وعقله اختلاطا ضخما أفضى إلى ذلك الإحساس الضخم بالحرمان الذي سيطر على مناحي تفكيره واستقطب كافة أحاسيسه ومشاعره ..
(يتبع)
د. حسين علي محمد
9-06-2009, 12:53 am
ظاهرة الحرمان في شعر الأمير عبد الله الفيصل (5 ـ 5)
بقلم: أ. د. خليل أبو ذياب
..............................
بيد أن كل هذه التفسيرات أو التأويلات، أو قل المحاولات الجاهدة للتفسير والتأويل بغية الوصول إلى تفسير أو تأويل معقول مجرد من الإسراف والغلو لظاهرة الحرمان في شعر الفيصل وشيوعها بكل هذا الحجم، ترصد القضية من غير زاوية الشعر الذي هو في اعتقادنا مركز الحرمان الحقيقي، ومجاله الرحيب المستكن في أعماق نفسه ووجدانه؛ أما علاقة الشاعر بالآخرين، فهي علاقة خارجة، أو هكذا ينبغي أن تكون، عن دائرة الشعر؛ والإحساس بالحرمان إنما هو موضوع شعره الأساس، وغايته ومادته وصورته الرئيسة، وكل شيء فيه، مما يدفعنا إلى محاولة أخرى جادة، أو هكذا نظنها، للكشف عن أسبابه ودوافعه أو تفسيره من خلال تأمل شعره وليس من خلال علاقاته بالآخرين، أو علاقة الآخرين به، والتي نظن ظنا أنها لم تكن تهمه أو تعنيه في هذا الإطار الشعري قليلاً أو كثيراً إذا ما كانت تعنيه خارج إطار الشعر أو الشعرية بشكل أو بآخر؛ وهو أمر لا يدفع إلى أن يسمي ديوانه هذا "وحي الحرمان"، ولا أن يصف نفسه بـ "المحروم" مقرراً أنه نتيجة دقيقة وكاملة لما كان يحسه ويعانيه من حرمان حقيقي على كافة المستويات الاجتماعية والنفسية وغيرها!
وعلى الرغم من محاولة الشاعر الأمير إلقاء الضوء على هذه القضية أو الظاهرة المميزة له، والتي تميز بها شعره بشكلٍ لافتٍ، إلا أنه لم يسلط ذلك الضوء على صميم الظاهرة، وإنما على أطرافها الخارجية أو الجانبية ومظاهرها الخارجية التي تركت القضية غامضة مجهولة دون أن تضيف إليها أو تسلط عليها بصيصا من الضوء يفسرها تفسيرا منطقيا معقولاً؛ يقول الأمير الشاعر محاولا الكشف عن حقيقة الحرمان الذي يحسه ويعاني منه وبواعثه في نفسه وشعره: "أجل! أنا محروم؛ والحرمان مرادف للشقاء، أو بداية له، أو هو دليل عليه؛ والشقاء عكس السعادة؛ والسعادة، ما هي؟ وفي أي شيء تكون؟ هل هي في المنصب والجاه؟ أو هي في الإمارة والوزارة؟ أو هي في الشباب والجمال؟ أو هي في الثروة والمال؟ إن كانت كذلك ـ في كل ذلك ـ فأنا سعيد كل السعادة. ولكن أنت محروم من السعادة إذا فقدت الإحساس بها ولو اجتمعت لك كل متمماتها واعتباراتها! لماذا؟ لأن إحساسك متأثر بعوامل أخرى من الألم والأسى تشغله وتستأثر به عن الشعور بالسعادة! ولهذا وحده أنا محروم"! (وحي الحرمان: المقدمة).
وواضح أن شاعرنا الأمير "المحروم" يردّ هذه الظاهرة في شعره ونفسه إلى فقدان الإحساس بالسعادة والذي هو متأثر بعوامل أخرى من الألم والأسى التي تشغله عن الإحساس بتلك السعادة وتحرمه منها ليظل ظامئا إليها ما بقيت تلك العوامل والدوافع أو البواعث!
وواضح أيضا أن هذا التعليل يسوده التعميم والإطلاق ولا يمس حقيقة القضية، ولا يتغلغل في صميم المشكلة التي استقطبت أحاسيس الشاعر الأمير، بل بقيت متأرجحة، يغري لها من جهة، ويدفع عنها من جهة أخرى، لأننا لا نزال نتساءل عن تلك العوامل المعطلة للإحساس بالسعادة، والتي ما يزال شاعرنا الأمير يحتفظ بها لنفسه ولا يريد أن يبوح بها للآخرين، وإن كنا نجد في إعلانه عن فشله في تجاربه العاطفية المتعددة بوادر يمكن الإفادة منها في تشخيص ظاهرة الحرمان في شعره أو تفسيرها؛ يقول الشاعر الأمير المحروم عن تلك التجارب العاطفية: "أحببت أربع مراتٍ، وكنتُ فاشلا في حبي خلال المرات الأربع .. ومن هنا شعرت بعقدة تجاه الحب، الحب الصادق من الطرف الآخر؛ وربما كان هذا أحد أسباب شعوري بالحرمان، وأحد أسباب شكي الدائم في صدق الحب والحبيبة"! (عبد الله الفيصل ص 52).
وواضح أن شاعرنا الأمير هنا يقترب كثيرا من التشخيص الحقيقي لمشكلة الحرمان معه، أو مشكلته هو مع الحرمان والإحساس الحاد به، والذي فجرته تلك العلاقات العاطفية التي كان يعقد عليها آمالا كبارا، واحدة بعد الأخرى لتحقق له السعادة المنشودة ، والاستقرار النفسي المأمول!
ومن هنا وجدناه يرصد القضية من زاويته النفسية الخاصة أو البحتة، في حين كانت المرأة / الحبيبة / الطرف الآخر ترصدها من أكثر من زاوية لعل أبرزها زاوية المكانة الاجتماعية المتميزة للحبيب، ولذا لم يلتقيا، وتحطمت تلك العلاقات أو التجارب، وأورثته شكا في كل علاقة عاطفية أخرى تالية يمكن أن تحدث لقناعته البالغة بأنها لن تكسر الحاجز الاجتماعي بينه وبينها، وأنه لن يجد فيها من خلال هذا الإطار الاجتماعي المتميز الحبيبة القادرة على تجاوز هذا الإطار الاجتماعي ورصد علاقتها به من خارجه!
هذا هو السبب الذي يراه شاعرنا الأمير مفسرا ومعللا لظاهرة الحرمان في شعره ونفسه حيث كان يبحث عن الحب الحقيقي الذي لا تفسده الظاهرة الاجتماعية، ولا يحول بينها وبينه الوضع الاجتماعي المتميز للحبيب المأمول، ولا يتنفس في جو السلطان والجاه والمال، وكذلك الحبيبة القارة على تجاوز هذا الإطار الاجتماعي نزولا عند الإطار النفسي أو الوجداني!
وواضح أن شاعرنا الأمير يطلب أمراً لا سبيل إلى إدراكه أو تحقيقه؛ ومن غير شك فقد كانت نفسه تتوق إلى تجارب وجدانية صاخبة وصادقة لا تقتلها مظاهر الترف والجاه والسلطان، تجارب قادرة على أن تهزّه من الأعماق، ويحس من خلالها نبضات الحبيبة وأنفاسها تختلط بأنفاسه ونبضاته! كان يريد أن يحس حقيقة الصد والهجر والحرمان والعذاب والغربة والإحساس الحقيقي الصادق بالحرمان ليتذوّق من بعد حلاوة الوصل وطيب اللقاء وعذوبة الحب! ولكن أنّى له تلك التجارب، ومن أين تأتيه هاتيك الممارسات، ولا صد ولا هجر ولا حرمان، بل كل شيء مبذول، وما أيسر الوصول إليه والتمتع به إلى أبعد الحدود، وكل ذلك خارج عن نطاق تفكيره وإحساسه ورغائبه؛ ولو تحقق له هذا الأمر لما وجدنا شيئا من آثار الحرمان تنتشر في شعره ولا في نفسه ، فضلا عن حياته أيضا!
على أننا نجد القضية ذات بعد آخر وراء ما ذكر الشاعر الأمير، وإن كان البعدان يرتبطان ارتباطا وثيقا حيث يفضي أحدهما إلى الآخر ويتممه؛ ذلك أن الحرمان الذي عانى منه الشاعر الأمير وكابده طويلا فيما يتراءى للآخرين لم يكن أكثر من حرمان فني إذا جاز التعبير، نجم عن خواء وجداني بسبب انعدام التجارب العاطفية الحقيقية الساخنة والقادرة على تفجير الأحاسيس والمشاعر حتى ليمكننا أن نزعم أنه لم يكن ظامئا إلى الحب الصادق الذي يفجر الأحاسيس والمشاعر، بل كان ظامئا إلى التجربة العنيفة الصاخبة التي يمكن أن تفجر طاقاته الإبداعية الحبيسة من بعد أن تفجر أحاسيسه ومشاعره؛ ومن هنا ألفى شاعرنا نفسه مضطرا إلى افتعال التجارب العاطفية أو الشعورية، واصطناع العلاقات الوجدانية التي كانت نفسه تهفو إليها!
هذا من جهة، ومن جهة أخرى اضطر إلى الرضا والقناعة بما لديه من تجارب وعلاقات انكفأ يجسدها ويصورها تصويراً يدنو كثيرا من الواقع مما لا يرتضيه ولا يتقبله سمو الشعر ورقيّه وجلاله وجماله!
وشاعرنا الأمير ليس بدعاً من الشعراء في هذه القضية النفسية أو الوجدانية؛ فأمامنا طوائف من هؤلاء الشعراء القدامى والمحدثين ـ على الأقل، فضلا عن غيرهم من الشعراء العالميين في كل العصور، الذين خلقت تجاريهم العاطفية الوجدانية شخصياتهم الفنية، وفجرت طاقاتهم الإبداعية، ويمكن تبين هذه القضايا أو الأمور عند كثيرين منهم مما لا سبيل إلى إحصائهم مكتفين بنماذج محدودة منهم لعل من أشهرهم أبا فراس الحمداني في رومياته الرائعة، وقيس بن الملوح صاحب ليلى العامرية، وقيس بن ذريح صاحب لبنى، وجميل صاحب بثينة وأضرابهم من شعراء الغزل العذري القدامى، وإبراهيم ناجي وغيره من شعرائنا الرومانسيين المحدثين مما لا سبيل إلى إحصائهم في مثل هذه العجالة مكتفين بمن ذكرنا منهم ..
ولعل حال شاعرنا الأمير مع تجاربه العاطفية كحال جميل بن معمر صاحب بثينة عندما كان يحرم من رؤية صاحبته تستقطبه الأحاسيس والمشاعر، وتنتهبه الآلام، وتستغرقه الهموم فيبدع من الشعر ما شاء الله له، حتى إذا ما قدر له اللقاء والوصل، وأيقن أنه لم يعد يحس الحرمان أو يعلني منه، انطفأ لهيب الشوق، وخمد أوار الوجد، ألفيته لا يقدر على شيء من الإبداع؛ وقد جسد هذه الحقيقة في قوله الرائع في بيته المشهور:
يموتُ الهوى مني إذا ما لقيتها ويحيا إذا فارقتُها فيعودُ
وهو عين ما حدث لقيس بن ذريح في فترة صبابته ووجده وعشقه العذري الصاخب للبنى، حتى إذا ما قدّر له اللقاء بل الزواج منها، انكفأت المعاير، وتبدلت الأمور، فخفت حدة الشوق والوجد، وخمد لهيب العاطفة، وتبدلت مقاييسه النفسية حتى إنه لم يعد قادرا على الإبداع الذي كان يقدر عليه في مرحلته الأولى ـ مرحلة الحرمان، ويتهيّـأ له آنذاك بكل ما كان يشيع فيه من أحزان وآلام تتفطر لها القلوب، وتتفتت الأكباد!
وكأن الإبداع مرهون، أو مرتبط ارتباطا ضخما ووثيقا بالحرمان النفسي أو العاطفي الوجداني! وهو ذاك الذي جعل شاعر الطليان "دانتي" يبدع "الكوميديا الإلهية" ليقول في حبيبته "بياتريتسي" ولها كل ما كانت تموج به نفسه من أحاسيس ومشاعر، مع أنه في الحقيقة لم يتعامل معها تعاملا واقعياً حميماً، بل يتعامل معها وجدانياً، وهو يصنع لها ذلك التمثال الباذخ، أو يخلق منها تلك الحبيبة القديسة من غير أن تعلم، وبذلك لم تكن تبادله ذلك الحب الذي يملأ قلبه ويملك عليه أحاسيسه وعواطفه، ويسيطر على وجدانه، فقال فيها ما لم يقله شاعر صب مدنف في حبيبته من قبل ومن بعد ـ ربما!
وعلى هذه الشاكلة تبينت لنا أبعاد مشكلة الشاعر الأمير عبد الله الفيصل مع الحرمان، والذي سيظل محروما هو ومن هم على شاكلته، ما دامت علاقته بالحبيبة، أو قل علاقتها به تتولد أو تتخلق خارج رحم التجربة الوجدانية الصادقة البحتة، وما دامت تلك الحبيبة ترصده من داخل الدائرة الاجتماعية المتميزة!
د. حسين علي محمد
16-06-2009, 07:27 pm
" بنيــــة الحد ث بين مجموعتي :
" الجدار السابع" لأحمد محمد عبده و"قطعة سكر" لبدر بدير
بقلم: أ.د. خليل أبو ذياب
.............................
في (منتدى القصة العربية) ـ الرابط:
http://www.arabicstory.net/forum/index.php...pic=842&hl=
د. حسين علي محمد
23-06-2009, 01:01 am
جماليات القص في «مذكرات فيل مغرور» لحسين علي محمد
للدكتور حسين علي محمد
بقلم أ. د.خليل أبو ذياب
..............................
في منتدى القصة العربية:
*الرابط:
http://www.arabicstory.net/forum/index.php...pic=487&hl=